سينما الاندرجراوند انتشرت بشدة فى إيران في السنوات الأخيرة .. مخرجون عانوا من النظام الإيراني

25/07/2016 - 10:09:37

أصغر فرهادى أصغر فرهادى

كتبت - نيفين الزهيري

تحتضن العاصمة الفرنسية باريس حالياً مؤتمر المعارضة الإيرانية، والذي ينادي بإسقاط النظام الإيراني الحالي ، ولعل أكثر المرحبين بهذا القرار هم السينمائيون الذين كانت تصدر ضدهم أحكام قاسية، منها تلك التي صدرت بحق جعفر باناهي ومحمد راسولوف، بعدما إدانتهما محكمة الاستئناف بممارسة أعمال ضد أمن الدولة والقيام بنشاطات دعائية ضد النظام العام، وقبل سنوات من ذلك تم أيضاً إلقاء القبض وإساءة معاملة ممثلة شابة، ظهرت في أحد أفلام هوليوود بدور شريكة ليوناردو ديكابريو، فوجدت نفسها مضطرة إلى مغادرة البلاد، وغيرها من المشاكل التي تحطم آمال الآخرين في الإبداع، إن تاريخ السينما الإيرانية على الرغم من غناه فهو مليئ بالتناقضات.
بداية السينما الإيرانية
السينما في إيران انطلقت رسمياً في عام1930 حيث بدأت كما تشير المصادر، أولى خطواتها في صناعة وإنتاج أول فيلم سينمائي بالتزامن مع انتشار الأفلام الصامتة. مرت بتحولات كبيرة وتمكنت من مواكبة التطور الذي شهدته هذه الصناعة سواء كان ذلك من حيث الكمية أو النوعية، هذا القطاع المهم تعرض ايضا وكما يقول بعض المراقبين الى الكثير من المشكلات والازمات، بسبب الدور الرقابي المفروض من قبل الحكومات المتعاقبة التي سعت الى تحجيم دور السينما وإبعادها عن كشف بعض الحقائق والمشكلات اليومية التي يعيشها الشعب الإيراني بسبب القيود المفروضة عليه، وهو ما تسبب فى صدور أحكام بالسجن ضد بعض المخرجين أو منعهم من العمل في السينما.
قهر وتحد
تلك الإجراءات والقوانين الصارمة، كانت سببا في نجاح بعض المخرجين الذين تمكنوا من قهر وتحد تلك القوانين والانظمة وانتاج افلام جديدة حققت شهرة عالمية وشاركت في مهرجانات وحصدت جوائز كبرى، حيث عمدوا الى تقديم أفلام تكشف مشاكل المجتمع الإيراني والأوضاع القاسية التي يعانى منها بسبب القيود المفروضة على كل شيء. من جانب آخر يرى بعض المراقبين أن إيران في الوقت الحالي قد ساعدت على تطوير ودعم قطاع السينما مؤكدين في الوقت ذاته على ضرورة وجود الرقابة خصوصا وان المجتمع الايراني مجتمع محافظ، لذا فيجب أن تكون الأفلام المنتجة في إيران واقعية وقريبة من مشكلات المجتمع ولا تسيئ الى الدين والإسلام، ولا تكون مخلة بالآداب والذوق العام وأن لا تظهر المرأة بصورة مغرية، فعلى المرأة الايرانية الظهور في الأفلام بالحجاب الاسلامي وغيرها من الامور الاخرى التي تخالف القانون الايراني، يضاف الى ذلك وجود بعض الاطراف الداخلية والخارجية، التي تسعى وبشكل مباشر الى اثارة الرأي العام ضد ايران لأسباب سياسية.
جعفر بناهي
وفي هذا الشأن فقد يلقى المخرج الايراني جعفر بناهي تكريما على مستوى العالم، لكنه في بلده ممنوع من السفر والتصوير لمدة عشرين عاما، رغم ذلك يواصل التصوير خلسة "للبقاء على قيد الحياة". وتتربع أعماله على قوائم جوائز كبرى المهرجانات الدولية، لكن أفلامه التي تنطوي على سخرية اجتماعية لاذعة ممنوعة في بلده ايران، التي تعتبره سلطاته ذات أثار تخريبية. ويشارك فيلم "تاكسي" لجعفر بناهي في الدورة الـ 65 من مهرجان برلين، وتحدد موعد لعرضه، لكن وسائل الإعلام الإيرانية لم تلق بالا لذلك.
وقال المخرج في تصريحات مقتضبة لمهرجان برلين "السينما هي طريقتي في التعبير وسبب وجودي، لا يمكن ان يمنعني اي شيء من صنع الأفلام". وجعفر بناهي ملاحق وتحت الرقابة القضائية منذ اعوام، فهو حاول مواكبة الاحتجاجات الضخمة التي انطلقت في بلاده اعتراضا على اعادة انتخاب الرئيس السابق محمود أحمدي نجاد في يونيه من العام 2009.
20 عاما
وأراد المخرج ان يوثق هذه المرحلة التي لم يسبق لها مثيل في بلده منذ الثورة الاسلامية في العام 1979 بفيلم وثائقي، لكن ذلك كلفه التوقيف في مارس من العام 2010 وفي اكتوبر من العام 2011 حكم عليه بالسجن 20 عاما، ومنع من التصوير أو كتابة الافلام أو السفر لاتهامه بإثارة "دعاية ضد النظام". ودخل السجن شهرين، ثم اخلي سبيله بكفالة ويحق للسلطات توقيفه متى تشاء.
ويعد بناهي البالغ من العمر 54 عاما احد رواد "الموجة الجديدة" في السينما الايرانية، الى جانب عباس كياروستامي، وفاز فيلمه الطويل الاول "الكرة البيضاء" بجائزة الكاميرا الذهبية في مهرجان كان العام 1995، وفاز ايضا بجائزة لجنة التحكيم في فئة "نظرة ما" عن فيلمه "دم وذهب" في العام 2003 وحاز جائزة الفهد الذهبي في العام 1997 عن فيلم "المرآة" وجائزة الاسد الذهبي في مهرجان البندقية العام 2000 عن فيلم "الدائرة"، والدب الفضي في مهرجان برلين عام 2006 عن فيلم "تسلل".
محاكمة للسينما
منذ وصول أحمدي نجاد إلى السلطة في عام 2005 وبعد صدور الحكم القضائي في حقه قال بناهي "انا لا اخرج افلاما سياسية، بل افلاما تتحدث عن واقع اجتماعي".
وقال اثناء محاكمته "ان محاكمتنا هي محاكمة للسينما الملتزمة والانسانية والاجتماعية في إيران".
وتساءل في عام 2010 في مقابلة اجرتها معه بينما كان في الاقامة الجبرية "لماذا يعد صنع الافلام جريمة؟"، مضيفا "حين يمنع المخرج عن صناعة الافلام فيكون أشبه بالسجين". لكن بناهي يرفض مغادرة بلده، ويقول "علي ان اشهد على ما يجري".
وفي عام 2012، منح الاتحاد الاوروبي جعفر بناهي جائزة ساخاروف لحرية الفكر، ومنحت الجائزة ايضا لمواطنته المحامية نسرين ساتوده التي تعرضت هي الأخرى لملاحقة السلطات. بحسب فرانس برس.
واثار الحكم القضائي على بناهي تنديدا على مستوى العالم، ومنذ ذلك الحين تفرد له مهرجانات عالمية كرسيا خاليا للاشارة الى التضامن معه. ومع ان الرئيس الإيراني الحالي حسن روحاني الذي وصل الى الرئاسة في انتخابات العام 2013 يرفع شعار تخفيف الرقابة على الاعمال الفنية، الا ان شيئا لم يتغير في هذا المجال منذ ذلك الحين.
محمد رسولوف
من جانب اخر وعلى عكس ما حدث قبل 3 سنوات، حضر المخرج الايراني محمد رسولوف هذه المرة مع فيلمه الذي يشارك في مهرجان كان السينمائي، بعدما عانى من حكم بالسجن لمدة 6 سنوات ومنعه من العمل السينمائي مدة 20 عاما في بلده تماما مثل زميله الاكبر جعفر بناهي بحجة "الدعاية المناهضة للسلطات"، وأخيراً كان رسولوف بجانب فيلمه "المخطوطات لا تحترق" الذي يندد مرة جديدة بنظام القمع في إيران خاصة تجاه المبدعين. ولا يحمل الفيلم اسماء المشاركين فيه ولا الطاقم التقني الذي عمل على إنجازه والذي لم يستطع الحضور الى كان "لاسباب غنية عن التعريف"، كما قال رسولوف الذي كتب سيناريو الفيلم وقام باخراجه وانتاجه، وقد خلا الفيلم في نهايته من أي اسم، وفي ذلك إدانة إضافية من المخرج لما يتعرض له الفنانون في إيران من ملاحقات. وعرف رسولوف نفسه في الدقائق التي سبقت عرض الفيلم في صالة "دوبيسي" بانه مخرج "ملتزم" يحرص على "تناول المواضيع التي تمس قلب المجتمع الايراني".
74 دقيقة
ويندد الفيلم في 74 دقيقة، صور جزء منها في إيران والجزء الآخر خارجها، بأساليب القمع التي تستخدمها السلطات الايرانية ضد المثقفين وتحديدا منهم الكتاب الروائيين، ويروي فيلم رسولوف الجديد قصة "خسرو" القاتل المأجور الذي يعمل تحت توجيهات "مرتضى"، ويكون عليهما الذهاب في مهمة قتل احد الادباء المعروفين بشكل تظهر فيه العملية وكأنها انتحار، والفيلم في حبكته يظهر اساليب المخابرات الايرانية في القمع والتعذيب، وسبق ان تعرض رسولوف لقضية التعذيب في فيلمه السابق "القنديل الازرق"، الذي يتعرض فيه رجل للتعذيب لانه يرفض ان يقر بان البحر ازرق، ويبين الفيلم كما في اعمال سابقة لرسولوف كيف ان الانظمة القمعية تحول الكائن والإنسان المواطن الى فرد هش عاجز وبالتالي يصبح المجتمع هشا وكذلك عملية الإبداع الفني.
وينتمي هذا الفيلم الى تيار بات واضحا في السينما الإيرانية ونما حضوره في السنوات الاخيرة وهو تيار بات يعرف بالسينما "السرية" أو سينما الاندرجراوند، وهي تصنع وتصور بشكل مستقل من دون أخذ تصريحات بعد تجارب لعدد من المخرجين استحال معها الحصول على إذن بالتصوير.


رخشان باني
في السياق ذاته أدركت المخرجة السينمائية الإيرانية رخشان باني اعتماد أنه لا فرصة أمامها كي تعرض فيلما روائيا في إيران عن مشاق البطالة وتعاطي المخدرات وضرب الزوجات لذا قامت بدلا من ذلك بإخراج سلسلة من الأفلام القصيرة. وتقول اعتماد إن حقيقة أنها جمعت هذه الأفلام القصيرة في فيلم واحد روائي طويل تنافست به على نيل الجائزة الكبرى في مهرجان البندقية السينمائي الدولي تظهر أن قيادة إيران الجديدة قد اتسع أفقها، وقالت في البندقية حيث نال فيلمها استحسان النقاد "صحيح أن المسائل التي نتطرق إليها هي مسائل إيرانية لكنها أيضا قضايا عالمية." وفي الوقت الذي يعاني فيه الشرق الأوسط من بؤر الصراعات تأمل باني اعتماد أن يؤدي توزيع فيلمها "قصص" على نطاق أوسع إلى مساعدة الناس في الشرق الأوسط وخارجه على فهم بعضهم البعض بشكل أفضل.
ولم ينل تصوير باني اعتماد للجوانب القاسية والفاسدة من الحياة في طهران مباركة حكومة الرئيس السابق المتشدد محمود أحمدي نجاد واضطرت المخرجة لتصوير سلسلة من الأفلام القصيرة لأنها لم تكن على استعداد لتقديم التنازلات التي كانت تحتاج إليها لنيل الموافقة على تصوير فيلم طويل، بحسب رويترز.
اصغر فرهادي
على صعيد متصل قدم المخرج الايراني اصغر فرهادي - الذي اختار باريس لتكون ملجأه الحر- في المسابقة الرسمية لمهرجان كان السينمائي الدولي في دورته الـ66 فيلمه "الماضي" الذي تم تصويره في ضاحية باريس وهو دراما عائلية بأجواء خانقة يحلل فيها مشهدا بعد آخر، الاثار المدمرة للاسرار والاحقاد. ولا يحيد المخرج الذي فاز فيلمه الاخير "انفصال بجازة اوسكار افضل فيلم اجنبي وجائزة الدب الذهبي في مهرجان برلين وسيزار أفضل فيلم اجنبي، في عمله عن موضوع العلاقات الاسرية وتعقيدات العلاقة بين الزوجين أو الشريكين.
فرهادى الذي صعد باسم ايران الي جائزة الأوسكار بفيلمه "انفصال" وحصل علي جائزة احسن فيلم عام 2011 ، وقبلها حصل فيلمه "عن ايلي" علي جائزة الدب الفضي من مهرجان برلين عام 2009، وفي أواخر العام الماضي أدرج فرهادى أحد 100 أفضل شخصية مؤثره في العالم من قبل مجلة "تايم".
النواحي المظلمة
وفي فيلم "انفصال" سلط فرهادي عدسته على النواحي المظلمة في النفس البشرية ويجوب بحواراته انحاء العواطف ليبقي كل شيء معلقا رهن السؤال أو الاحتمال.
وكشف اصغر فرهادي في المؤتمر الصحافي الذي اعقب عرض الفيلم "من البداية أردت ان اصور هذا الفيلم في الخارج لانها قصة إيراني ترك بلده ليعيش حياته في مكان بعيد ولكن السؤال الذي يطرح هو لماذا اخترت باريس كمدينة واسباب ذلك كثيرة..."
واعتبر فرهادي في رده على سؤال حول سبب اختياره مجددا لموضوع العلاقات الاسرية والانفصال، "لا توجد تجربة اكثر عالمية من مسألة العائلة بالنسبة للبشر... لو امضيت بقية حياتي في عمل افلام عن الموضوع لما انتهيت".
من جانب آخر انتقدت وكالة الأنباء الإيرانية "فارس" المقربة من المحافظين اختيار فيلم "الماضي"، باعتبار انه صور في فرنسا بتمويل فرنسي وهو يروي قصة فرنسية بحت. وذكرت الوكالة أنه "خلافا لفيلم الانفصال، لا يتمتع هذا الفيلم بأي طابع إيراني، إلا من خلال بطله الذي من الممكن أن يكون من أي بلد آخر".
عائلة مخملباف
أما المخرج الايراني محسن مخملباف الذي اشتهر بانتقاداته الاذعة في افلامه للنظام الاجتماعي والسياسي في ايران،اختار هو ايضا باريس لتكون منفاه مع عائلته ، المخرجة سميرة مخملباف وهنا مخملباف،هي الاخري واجهت السلطات الايرانية عام 2009 بعد منع عرض فيلمها التسجيلي "الايام الخضر"، الذي توثق من خلاله احداث تظاهرات شهدتها إيران عام 2009 احتجاجا على نتائج الانتخابات الرئاسية،التي فاز فيها الرئيس السابق احمدي نيجاد بولاية ثانية، ويظهر الفيلم مشاهد حقيقية ويعكس الفيلم اثر اعادة انتخاب احمدي نجاد والتي تقول المعارضة الايرانية ان عمليات تزوير كبيرة كانت سبب في فوزه بالانتخابات،حيث نظمت طوال اشهر تظاهرات احتجاجية في كافة انحاء ايران، ولم يكتف النظام في ايران بمنع عرضه ، ولكنه تدخل ايضا لمنع عرضه ضمن فعاليات مهرجان "الافلام الممنوعة" في بيروت باعتبار أن عرضه تدخل في الشان الأيراني.
ولم تتوقف سياسة حكومة الجمهورية الاسلامية في ايران علي منع المخرجين من السفر او العمل، لكنها وضعت شروطا وقوانين صارمة أمام الفنانين أو المخرجين في تصوير اعمالهم، في إيران تمنع تلامس الفنانين وتجبر صانع العمل علي وجود مشهد الصلاة ،ولا يجوز ان تظهر المرأة دون حجاب، وغيرها من المعايير المتشددة التي تعمل علي تقييد حرية الابداع.