تعب السنين

25/07/2016 - 9:57:17

تحية كاريوكا تحية كاريوكا

بقلم الفنانة : تحية كاريوكا

ما أجمل الذكريات إذا حملت لنا من الماضي عبير الكفاح ورائحة التعب ما أحلاها إذا حملتنا بأجنحة خفيفة إلي فائت الأيام بين الجوع والحرمان والأحلام...
أول أجر تقاضيته وطويت عليه قبضتي كان من يد بديعة مصابني وكان ثلاثة جنيهات وهي ثروة بالنسبة لمن لم يكن يملك شيئا وكنت أعلم أن أمي التي كدحت من أجلنا قد هدها الزمن وتآمر عليها الأهل فأكلوا كل مالها وأسلموها للحرمان... جزء قصير من قصة طويلة عشتها في طفولتي وتعذبت بها وتركت الإسماعيلية راغمة أبحث عن قوتي بعرق جبيني!
وكنت أعرف راقصة كثيرا ما كانت تتردد علي جارة لنا في الإسماعيلية وكان اسمها سعاد محسن.. سعاد هذه كانت تعجب بي إذا رأتني أرقص وتقول إن مستقبلا عظيما ينتظرني إن أنا فكرت في احتراف الرقص وأخذت من جارتنا عنوانها ولذت بها لما وصلت إلي القاهرة.
وأكرمت وفادتي وقدمتني إلي بديعة مصابني.. وبديعة مصابني فحصتني بعين خبيرة وتفاءلت لي وقررت أن تقدمني واختارت لي أن أقيم عندها وكانت تعطيني ثلاثة جنيهات كل شهر!
وسافرت السيدة بديعة مصابني مرة لتبتعد عن القاهرة بضعة أشهر ولم يكن هناك بد من أن نبحث عن مسكن لنا أنا وزميلتان لي ووجدنا مسكنا عند يهودية علي سطح إحدي عمارات سيف الدين في شارع عماد الدين وجدنا حجرات مفروشة أجر الحجرة منها جنيه!
وأخذنا ثلاث حجرات متجاورة وقلت لزميلاتي إنني استطع أي شيء إلا أن أعتدي علي حق أمي في أجري وهو النصف فاذا كان عليّ أن أدفع جنيها لمدام صوفي التي بدت لنا في صورة إسرائيل قبل أن تكون إسرائيل فإن الذي يتبقي لطعامي هو خمسون قرشاً.
وصممت علي أن أعيش بخمسين قرشا فإن أحداً لم يمت من الجوع أبداً.
وكان أول قرار اتخذناه هو مقاطعة المواصلات، عدم الاعتراف بالترام وعدم التفكير في الأتوبيس فإن الله خلق لنا أرجلنا لنمشي عليها وكنا نذهب من البيت إلي المسرح علي الأقدام ونوفر المليمات للطعام أما الطعام فلم يكن يتجاوز الساندوتشات كان يومنا يبدأ في الثانية عشرة فإننا بعد سهرة الليل لا نستيقظ قبل أن ينتصف النهار فإذا استيقظت واحدة منا قبل هذا الموعد فإنها تبادر إلي النوم من جديد حتي تنسي أن هناك وجبة اسمها الإفطار.
وهكذا نختصر وجبة فإذا قمنا في الظهيرة فإن لنا معركة مع مدام صوفي التي تريد أن تنظف الحجرات وتلقي بالملايات في الشمس ولسانها سليط وتهديداتها لنا بالطرد لا تنقطع.
والغداء متواضع طعمية أو فول أو باذنجان حسب قواعد التنوع بين غذاء وغذاء والماء نشربه بكثرة فإنه ينفخ المعدة!
ونذهب إلي المسرح في التاسعة مساء فنلتهم ساندوتشا ولكنا لا نكاد ننتهي من العمل في الثانية صباحا أو الثالثة حتي نحس بالجوع يفتك بنا ولم يكن عندنا ما نستطيع أن نقتحم به حانوت حاتي ممن يسهرون الليل ولكن الصدفة قادتنا ذات ليلة إلي زقاق ينام فيه باعة الخيار ينامون بجوار عرباتهم ويغطون الخيار بقطع من الحصير أو القماش ونتسلل نحن علي أطراف الاصابع فنملأ إحدي الحقائب بالخيار... ونعود أدراجنا بعد أن نضع نصف قرش علي العربة.
وعشنا علي هذا الحال بين الساندوتش والخيار حتي عادت بديعة فضمتنا إليها من جديد وشبعنا وفوجئت ذات يوم بها تعطيني في أول الشهر تسعة جنيهات وقلت لها إنها اخطأت في العد وأرجعت لها ستة جنيهات فقالت.. لا أنا مش غلطانة دا مرتبك الجديد.
هكذا قفزت من ثلاثة جنيهات إلي تسعة مرة واحدة فلما مضي عامان بلغ مرتبي 12 جنيها ومضت الأعوام وأصبحت اتقاضي عن الفيلم ألفي جنيه.
نعمة من الله وفضل ولكني تعودت الافلاس كفي مخروق لا يبقي والمال عندي لا قيمة له وأنا الذي أكسبه فكيف أكون أسيرة له يجيء ويروح فهذا طبع الحياة فنحن نجيىء ونحن نروح فهل المال أغلي من الإنسان؟
وأصبر علي الإفلاس كثيرا ولكن يد الله تمتد بالغوث دائما فإنني أؤمن بأن العسر لا يدوم كما أن اليسر ليس قاعدة الحياة.
كنت مريضة وعليّ أجر عملية جراحية وإقامة عدة أسابيع في المستشفي وكنت أعطيت وعدا لبنات من الأسرة بنات أختي أن أبعث بهن إلي الاسكندرية في الصيف وكنت مدينة بثمن ثياب الصيف لثلاث من دور الأزياء كنت مدينة بهذا كله وفجأة هبطت علي ثروة من السماء ألف جنيه سددت منها كل الديون.
... وقد تجيء... بل ستجىء أزمات أخرى ويفرجها الله... فإن فرجه قريب عند كل الذين يؤمنون بأنه موجود وأنه يرزق طيور السماء فكيف ينسي بني الإنسان.
الكواكب العدد 439 - 29 ديسمبر 1959