عيد الأب

21/07/2016 - 9:40:10

إيمان حسن الحفناوي إيمان حسن الحفناوي

كتب - إيمان حسن الحفناوي

عيد الأب، لماذا عيد الأب؟ لأن اللهث الذي أصاب بني البشر جعل أشياء كثيرة مهمة تسقط من بين يديه دون أن يدري، صار يحتاج من يذكره بمشاعره وواجباته، تخيلوا مثلا لو لم يكن هناك عيد للأم، كثيرون قد لا تسعفهم ذاكرتهم بشراء هدية لهذه الرائعة التي ضحت كثيرا من أجلهم، بل هناك من لا يرى والدته إلا في المناسبات فقط، ويتعلل بالبيت والمسئوليات والمشاغل، يحدث هذا كثيرا، لذلك فعيد الأم هو يومها، يومها الذي لابد أن تتذكرها فيه وتذهب إليها وتقبل يديها وتعبر عن امتنانك بشيء رمزي يقول لها أنا أحبك، نفس الشيء بالنسبة للأب، هو إنسان وقف حياته كلها على فلذته، قد تتذكره في عيد ميلاده، لكن ميلاده شيء وميلادك أنت شيء آخر، ميلادك يعني أنه صار أبا، أنت فرعه الذي يجهد نفسه طوال حياته ليهيئ لك حياة هي أقصى ما يمكنه أن يهديه إليك، طبعا ولا شك هناك من الآباء من لايكون بهذا الشكل ولا هذه الشخصية، نعلم ذلك، نعلم أيضا أن عواطف الأم تجاه أولادها أكثر ظهورا وحضورا، لكن أي أب سوي هو رجل ضحى بكثير جدا من طموحاته وأحلامه من أجل أبنائه، بل أنه قد يغير مسار حياته كلها لأن ما يناسبه لن يحقق لهم الأمان الذي ينشده لهم.
لماذا لا نقيم عيداللأب؟ لأن الأيام كلها عيد لآبائنا وأمهاتنا؟ لم تعد هذه النغمة مجدية، فالكل شبه مشغول والحياة تأخذنا في عجلتها تدهسنا إذا توقفنا للحظة واحدة لذلك نركض ونركض، ومع الركض قد تتسرب من بين أيادينا أشياء كثيرة لم ندرك قيمتها في وقتها.
لماذا صار عندنا عيد للأم؟ لأن هناك من اهتم بهذا الموضوع ودعا له وعبأ النفوس ثم انطلق ونفذ، لم يحدث هذا مع الأب، ولم يطالب الأب به، رغم أنه بداخل نفسه يتمنى لو كان له هو أيضا عيد خاص به.
الرجل يشعر بالظلم لكنه لا يعبر عما يشعر به، وهذا الكتمان يجعله واحدا من اثنين، إما عدواني، أو انسحابي، أو كعضو في نموذج ثالث وهو قليل جدا، بأن يكون قد درب نفسه أن يتصالح مع المحيط الذي يحيا وسطه ويقبل بما لديه ولا يضايقه ألا يكون مركز الاهتمام وإن كان يتمنى ذلك، يكفيه أن أسرته التي هي مسئوليته الحقيقية أفرادها سعداء وأنه استطاع أن يحقق لهم الاستقرار، إذاً وتبعا لهذا التقسيم، فالنسبة الغالبة ستكون إما انساحبية أو عدوانية، ثم نشكو من الرجل لأنه عدواني أو انسحابي ونحن من أوصلناه لهذه النتيجة، الرجل، وأختص هنا الأب لأنه موضوع حديثنا، يضحي بالكثير، لكنه نادرا ما يقول أنه يضحي، لذلك فغالبا لا يتم حساب هذه التضحيات، بل ويتم اعتبارها حقا مكتسبا، أما تضحيات الأم فسنتذكرها في كتبنا المدرسية وتطل علينا من وسائل الإعلام، ومن الصحف ومن زوايا مشكلتك لها حل،من عائلة الأم التي نترعرع في أحضانها، من ميراثنا الشعبي وما تربينا عليه,أيضا الأم نفسها, فغالبية الأمهات يذكرن أولادهن بمدى ما يفعلنلأجلهم، لذلك يشب الأبناء واعين ومدركين حجم تضحياتها، ميراثنا الشعبي يظلم المرأة كثيرا لكنه يعلي من شأن الأم، كل هذه الأشياء جعلت معظم الاهتمام في اتجاه الأم،فبقى الأب بعيدا يراقب حب أبنائه لأمهم ويسعد بهذه المشاعر، لكنه بينه وبين نفسه كان يتمنى لو حاز على نصفها، هو لا يشكو لا يتكلم لكنه يتألم، وللأسف أكثر الرجال لا يعرفون كيف يعبرون عما بداخلهم فإذا ضايقهم مثلا عدم اهتمام أحد أبنائهم أو جحود أحدهم، أو عدم تقدير ما يفعلون لأجلهم، انفعلوا على شيء آخر لا علاقة له بما يضايقهم، من هنا يأتي عدم فهم من حولهم لهم،كبرياء الرجل للأسف يمنعه كثيرا أن يصرح عما يضايقه من عدم تقدير حبه أو عطائه, فبدلا من أن يصارح ويعالج يوسع الهوة أكثر ويعمق البرود العاطفي بالانفعال على أشياء أخرى, فيصبح في نظر من حوله من أفراد أسرته عصبيا ومتقلب المزاج وصعب إرضائه.
نقطة أخرى لا تقل أهمية، كثيرون من الآباء يشعرون أنهم غرباء في أسرهم لكنهم لا يفصحون عن هذا الشعور، ومهما كانت أسرته تحبه، فهو يرى همسات بين الأبناء وأمهم، عندما يدخل تنقطع هذه الهمسات، هو لا يدرك أنه سبب رئيسي في هذا الوضع، فلازال رجال كثيرون, يريد الواحد منهم أن يصنع حاجزا وهميا بينه وبين الأبناء حتى يتمكن من تمثيل القوة والضبط، هو هنا يريد لهم أن يصبح قائدهم وفي نفس الوقت يعز عليه ألا يتباسطوا معه ليصبح مستودع أسرارهم مثل أمهم، إنها إزدواجية لابد أن يتخلص الأب منها قبل أن يلوم على صغاره، هو مثلا يعاقبهم، ثم دون أن يعرفوا يتفق مع أمهم أن تتوسط لهم عنده، في هذه المواقف يصبح للأب قوته ونفوذه في نفوس أبنائه لكن هذا لا يمنع شعورا بالتقرب للأم التي تنقذهم دائما من غضبه، فيشبون وقد حملوا له مكانة ومهابة لكن يبقى حاجز وهمي بينهم وبينه.
النقطة الثالثة وهي مهمة جدا، بل وأهم من النقطتين السابقتين، هي الخلافات التي تحدث بين الأب والأم على مسمع ومرأى من الأبناء، الأب العاقل الواعي لا يوسع خلافا مثل هذا أمام الصغار حتى لا يفقدهم أو يفقد نفسه بداخلهم، فهو إذا تصرف بقسوة أو انفعال مع أمهم سيخسر محبتهم، وإذا تعامل بتراخ سيخسر قيمته لديهم، عليه أن يبعد انفعالاته قدر استطاعته أمامهم، فأي خلاف بينه وبين أمهم سيتم حسمه غالبا لصالحها، هو يتصور أن دموعها هي السبب، هو لم يأت بمرآة أو كاميرا ليصور لحظات الغضب هذه ولحظات انفعاله ليرى كيف يصبح أمام الصغار، وكيف أن انفعاله عندما يزداد يشكل تهديدا مباشرا للأولاد، فهم يرونه إنسانا قويا يهاجم كائنا جميلا يحبونه ومتعلقين به، هذا الكائن هو مصدر الحنان والعطف والدعم لديهم، إنفعاله عليها يجعلها تبدو أقل، أضعف، هم لا يدافعون عنها فقط في داخلهم لكنهم يدافعون عن أنفسهم أيضا، إنهم يرفضون الاعتراف بأن مصدر الدعم الرئيسي لديهم هو كيان ضعيف وهش، لذلك يحولون كل سخطهم على من أظهرها بهذا الضعف أمامهم، يرمونه بالقسوة، يخافونه، وقد يتجنبونه، المشكلة أن بعد خلاف شديد يترك الأب البيت وتظل الأم، هنا يدرك الصغار أن هذا الرجل يمكن أن يتركهم في أي وقت بعدما يعلن عن غضبه، لا يعرفون أنه يخرج ليتجنب الأكثر من الخلاف، ويرون أن من بقيت بجانبهم هي الأم، هي المعين دائما، وهي غالبا تبكي بعد هذه المواقف فيذهبون لحضنها، وقتها يدركون أنهم كلهم ضحايا لهذا العملاق الغاضب، هي أيضا من الممكن جدا بعد هذا الموقف تظل تتفوه بكلمات تشي بالشكوى مما تعانيه مع هذا الرجل، وقد تكون كلها كلمات لا تخرج إلا في لحظات انفعال ولا تعبر عن حقيقة ما تحمله لهذا الزوج من محبة،فكثيرات من النساء لا يستطعن تحجيم ألسنتهن في مثل هذه المواقف, فتبوح بكل ما تريده، ويسمع الصغار، ويدركون أنها ما بقيت في بيت تجد فيه هذه الغضبات إلا من أجلهم، لذلك كثيرا ما تتعقد العلاقة بينهم وبين آبائهم دون أن يعرفوا سبب الفتور.
أشياء كثيرة علينا أن نتجنبها إذا أردنا لصغارنا حياة نفسية سليمة، حياة يدرك فيها الصغير أن والده ووالدته إنما يحمل كل منهما له حبا كبيرا، هو واجب الأب والأم معا، واجبها أن تنمي في صغارها تقدير ما يفعله والدهم من أجلهم، تعرفهم على الأمور التي قد لا تدركها عقولهم، فهو يضحي من أجلهم كما تفعل هي بالضبط، وهذا ليس مناً من أحدهما لكنه واجبهم تجاه من تسببوا في وجودهم في هذه الحياة، حتى يشب الابن وقد وعي مسئولياته، وعرف كيف يحمي قراراته بالعمل على رعاية هذه القرارات، فأنا عندما أنجبك إنما أدرك حجم المسئولية، وعملي كما يضيف لي مكاسب على منحنى شخصيتي فهو يحقق لك الأمان كوسيلة اقتصادية، أنا لا أعمل من أجلك فقط لكنني أؤدي واجبي أيضا، وليست صدقة مني ولا تزيدا أن أرعاك، لكنه واجبي أما كنت أم أبا، وردا لهذا عليك أن تؤدي واجبك في حبك لنا واحترامك لوجودنا، على الأب أيضا أن يفعل نفس الشيء وهو أن يعلم أبناءه كيف يحترمون أمهم، وكيف يقدرون لها تعبها معهم، الأب الذي يفعل هذا يكبر أكثر في عيون الصغار، والأم التي تسير على نفس المنوال تصبح شيئا عظيما لديهم، فالوالدان كل منهما يرسخ لقيمة الأمومة والأبوة لدى الصغير فيكبر وقد عرف لكل قدره، وعرف كيف يقوم بواجبه في الحياة، عرف أنه الحياة أب وأم، عرف كيف سيصبح أبا مسئولا أو أما واعية، عرف أنه يستحق حبهما ويستحقان تقديره وامتنانه وعطفه.