من ثورة يوليو إلى ثورة يونيه .. الإخوان والجيش

20/07/2016 - 2:34:09

بقلم : ثروت الخرباوى

الحلم الذى عاش الإخوان من أجله هو «حلم الحكم» إذ يكاد أبناء جماعة الإخوان يتفقون فى المشاعر والرؤى والطموحات، يزعمون أن مشاعرهم هذه دين، وطموحاتهم دين، ورؤاهم دين، أليسوا هم فى ظنهم «قلب الدين وجوهرته النقية» وكيف لقلب الدين هذا ألا يصل للحكم، وقد اتفق معهم فى شيئ واحد هو أنهم «قلب الدين» بمعنى الانقلاب عليه لا مضغة القلب، وتبا لهؤلاء الذين جعلوا الدين «جماعة» ثم جعلوا للجماعة طريقا واحدا لا طريق سواه هو طريق الحكم.


وهل هناك أدل على ذلك من أن هذه الجماعة «المزعجة» منذ أن اندلعت فى عشرينيات القرن العشرين، وهى تبحث عن الحكم... تشوق له وتتوق إليه وتحاول أنتتنسم عبيره ولو بالاقتراب من الحكام والملوك والرؤساء والتخلى عن طموحات الشعوب، لأن طموحات الإخوان فى تقديرهم أكثر قداسة وأهم من أى شيء آخر.


وكانت المشكلة الأكبر هى هذا الظن الذى تغلغل فى شرايين قادة الإخوان بأنهم هم وجماعتهم الإسلام نفسه والإسلام هم، ولكى يُقام الإسلام يجب أن يصلوا بأعينهم وأفكارهم إلى الحكم! حينها سيكون الإسلام قد حكم! دعك من الشعارات التى رفعتها تلك الجماعة التى أتلفها الهوى، فشعاراتها وقت الاستضعاف كانت للتصدير لا للتطبيق، للتجارة لا للحقيقة، وحين وقعت الواقعة اكتشفنا جميعا أن جماعة الإخوان التى كانت تزعم أنها «تتاجر مع الله» إذا بنا نراها وهى تتاجر بالله! بل وتعتبره ـ سبحانه ـ بضاعة تعرضها على المخدوعين لكى يقعوا فى مصيدتها، هل هناك فى عيوةن المخدوعين أغلى من أن ترفع الجماعة شعار «فى سبيل الله قمنا» وهى فى عيون الحقيقة تمارس «فى سبيل الله كذبنا وقتلنا وسرقنا»! أما الحقيقة الكبرى فهى أنها عاشت عمرها كله تطبق شعارها السرى «فى سبيل الحكم قمنا»!.


ولكى يصل الإخوان للحكم يجب أن تكون لديهم قوة، فحسن البنا فى رسائله كان يقول لهم «الإسلام ليس نظرية يؤمن بها من يشاء ويرفضها من يشاء، ولكن الإسلام حكم والحكم لا يقوم إلا بالقوة» ثم أضاف البنا قائلا:»وذات يوم سنستخدم القوة لامحالة وسنتحمل نتائجها»!.


إذن فكرة الحكم هى الفكرة الأعلى عند تلك «العصابة» والوصول إليه يتطلب القوة، والقوة لا تكون إلا بالسلاح، وكان طريق السلاح الأول لحسن البنا هو حين أنشأ التنظيم السرى عام ١٩٣٩، إذ لكى يتم تكوين الفرد الإخوانى الذى سيساعد الجماعة على الوصول للحكم يجب أن يكون الطريق إلى ذلك طريقا عسكريا، فالإخوانى هو فرد فى جيش، واحد فى جماعة، لا يجوز له أن يفكر بعيدا عن قياداته، ولا يجوز له أن يبرم أمرا بعيدا عن مسئوله، حتى لو كان هذا الأمر من شئون حياته الخاصة، وهذا الفرد العسكرى سيتم تأهيله روحيا عن طريق تلقينه عقيدة زائفة، ثم سيتم تدريبه بدنيا إلى أن يصل إلى مرحلة التدريب بالسلاح، من أجل هذا كله اعتبر البنا أن التنظيم السرى هو ابنه البكري، ومن الغريب أنه أخفى خبر هذا التنظيم عن قيادات الجماعة، التى كانت تشاركه فى إدارة الدفة، وجعل الخبر فقط عند بعض رجال ائتمنهم على سر ذلك التنظيم المسلح، إلى أن افتضح أمر التنظيم المسرى المسلح أمام العالم عندما قاموا باغتيال المستشار أحمد الخازندار عام ١٩٤٨ وقتها دخل البنا فى صفقة تجارة بالوطنية حيث زعم أنه شكل تنظيمه السرى من أجل الدفاع عن فلسطين ومقاومة الاحتلال الانجليزي، وكم من الجرائم ترتكب للآن باسم فلسطين، وكم من الجرائم ارتكبت باسم الدفاع عن مصر!.


كان الشيطان حاضرا فى مشاهد حسن البنا كلها، فاوحى له شرا بأن يكون جيشه المسلح موازيا للجيش المصري، حتى إذا حان الوقت ودقت ساعة العمل المسلح اصطدم السيف الإخوانى بالسيف المصري، ولكن هل كان هذا يكفي؟! أدرك البنا أن إمكانية السلاح ستصب قطعالمصلحة الجيش المصري، ساعتها لن يكون هناك أى تكافؤ، إذن ما الحل؟.


ألهمه شيطانه بالوسيلة، فكان أن ظل أكثر من خمسة أعوام تالية لإنشاء التنظيم السرى يفكر فى طريقة تمكنه من التغلغل فى الجيش المصري، فأخذ يسعى للتعرف على بعض ضباط الجيش ومحاولة التأثير عليهم وضمهم لتنظيمه، ومن خلال الصاغ محمود لبيب كانت بداية الدخول للجيش المصري، ثم نجح فى تجنيد آخرين من الجيش مع محمود لبيب، ثم أنشأ فى الجماعة عام ١٩٤٤ «قسم الوحدات» وهو القسم المختص بتجنيد وأخونة الضباط وصف الضباط فى الجيش والشرطة، وكان أول من أشرف على هذا القسم هو صلاح شادي، وعاونه فى مهمته الصاغ محمود لبيب ومعهما كل من عبد المنعم عبد الرؤوف وحسين حمودة، ثم قام حسن البنا بعد ذلك بترقية الصاغ محمود لبيب فجعله وكيلا للجماعة للشئون العسكرية، ومن أجل أن يكتسب التنظيم السرى مهارات قتالية قام قسم الوحدات عن طريق ضباطه بتدريب الشباب المضلل الذى انخرط فى «التنظيم السرى» والذى كان يظن أنه يجاهد فى سبيل الله.


وللتاريخ أشهد أن أحد رموز التنظيم السرى وهو أحمد عادل كمال ـ وهو لا يزال على قيد الحياة ـ قال لى منذ سنوات: كنا مجموعة من الشباب متقد العاطفة الدينية لا نحمل أى علم شرعي، ونتلقى تدريبات على يد بعض ضباط من الجيش المصرى كانوا أعضاء فى قسم الوحدات بالجماعة، وكنا نُقبل على هذه التدريبات على ظن منا بأنها طريقنا إلى الجنة! ثم استطرد قائلا: «وبعد أكثر من نصف قرن أدركت أننا كنا نسير فى طريق الشر ونحن لا ندري».


نعود إلى قسم الوحدات الذى من خلاله قامت صلة قوية بين الإخوان وتنظيم الضباط الأحرار، حيث انتظم خالد محيى الدين وكمال الدين حسين لفترة فى فعاليات قسم الوحدات، وفى ذات الوقت قامت صلة قوية بين حسن البنا وجمال عبد الناصر، وهذه الصلة لا تزال إلى الآن تثير جدلا بين من يرفضها كلية وبين من يغالى فيدعى أن عبد الناصر كان عضوا فاعلا فى تنظيم الإخوان.


والحقيقة التى نستطيع أن نستخرجها من الأوراق التى بعثرها التاريخ هى أن الضابط الشاب جمال عبد الناصر كان قد تخرج من الكلية الحربية عام ١٩٣٧، ويذكر التاريخ أن عبد الناصر آنذاك كان يتقد حماسة إلا أن حماسته لم تكن ممنهجة، نعم كان يحمل أفكارا وطنية إلا أنه كان يبحث عن طريقه وسط غابة كثيفة من التنظيمات والأحزاب والتكوينات، لذلك سعى إلى معظم الأحزاب السياسية فى رحلة البحث عن الذات الوطنية، فدخل أولا جمعية «مصر الفتاة» ثم سرعان ما هجرها واتجه مثل الأغلبية إلى حزب الوفد،إلا أنه وجده لا يُشبع طموحاته الشخصية والوطنية فاتجه صوب التجمعات الشيوعية الحديدية التى كانت حديث العالم وقتها، وكان أن انضم لحزب حدتو الشيوعى.


وكأنه كان يترقب كل الطرق ويدرس كل الخريطة السياسية دراسة عملية وبقى له لكى تتم دراسته أن يسبر غور الإخوان، وفى منتصف الأربعينات ومن خلال الإخوانيين اليوزباشى عبد المنعم عبد الرءوف والملازم أول حسين حمودة تعرف عبد الناصر على الشيخ حسن البنا وقامت بينهما علاقة وثيقة وصلت إلى حد الصداقة الشخصية، إلا أن الحد الموثوق فيه هو أن عبد الناصر لم يلتحق بتنظيم الإخوان وإن كان قد حدث بعض التماس بينهما، وأغلب الظن أن عبد الناصر وهو بصدد التخطيط لثورة يوليو كان يحاول قراءة القوى الفاعلة والمؤثرة من الداخل، لذلك سمح لنفسه ببعض الاقتراب من الإخوان، إلا أنه اقتراب لا يرقى إلى مستوى العضوية الكاملة فى الجماعة، وقد ذكر عبد الناصر بعد ذلك خبر صداقته مع حسن البنا وقصتها بل وقصته مع الإخوان وكان ذلك فى خطبة ألقاها فى نوفمبر من عام ١٩٦٥... وفى خطبته هذه أقر عبد الناصر أن بعض أصدقائه من الإخوان حاولوا ضمه إلى الجماعة، إلا أنه لم يفعل، وأقر أيضا أن الجماعة عرضت عليه مساعدته فى حماية الثورة فى يومها الأول، وطلبوا منه مدهم بأسلحة إلا أنه وافق على المساعدة ورفض مدهم بالأسلحة.


نتوقف لحظة لنعود بالزمن إلى حرب ١٩٤٨ تلك الحرب التى ادعى الإخوان أنهم قاتلوا فيها دفاعا عن فلسطين ضد عصابات الصهاينة، والحقيقة هى أنهم قاتلوا فيها فعلا ولكن بشكل رمزى تدريبي، فلم يتجاوز عدد المتطوعين من الإخوان عن مائة فرد تجمعوا كلهم فى المناطق الدفاعية لمنطقة غزة، ولم يذهبوا إلى مواقع القتال الحقيقية، أما الذين ذهبوا بالفعل إلى المواقع القتالية فهم المتطوعون من جمعية «مصر الفتاة» وعشرات من الشباب الذين تطوعوا بشكل فردي، وقد كتب «أحمد حسين» صاحب مصر الفتاة هذا الأمر فى مقال هاجم فيه حسن البنا واتهمه بالاتجار بالقضية الفلسطينية وحرب فلسطين ليحقق مصالح لتنظيمه!.


ولكن ما قصة المهمة التدريبية هذه؟ فلنربط الأحداث والأفكار بعضها البعض، نعرف أن حسن البنا كان يسعى لإنشاء جيش، وجيشه لا يمكن أن تقوم له قائمة إلا إذا اشترك فى حرب، لا يفقد فيها جنوده، ولكن يكتسب فيها خبرات قتالية، لذلك عندما عاد هذا الجيش الإخوانى يحمل قصصا خرافية عن قتال خرافى للصهاينة، «بحيث لو صدقت قصصهم لكن التاريخ قد تغير حتما، ولكنا الآن نقرا عن سذاجة هؤلاء الصهاينة الذين حاولوا احتلال فلسطين ولم يستطيعوا بسبب جنود الإخوان الذين كانت الملائكة تقاتل معهم!».


المهم عاد الإخوان ليُنشأ لهم البنا معسكرا تدريبيا فى صحراء العباسية «مدينة نصر فيما بعد» وليصبح الشاب «مهدى عاكف» أحد الكوادر التى تتولى تدريب العائدين من فلسطين على رياضات الملاكمة والمصارعة، وحين اكتشف رئيس الوزراء النقراشى باشا خبر هذا الجيش الذى كان نواة لجيش مناوئ للجيش المصرى أصدر قراره التاريخى بحل جماعة الإخوان ومصادرة أملاكها وأموالها، ولأن هذا الأمر دونه الموت فكان الموت، حيث قام التنظيم السرى بقتل النقراشى جزاء وفاقا على قراره، ومن بعد ذلك بأزمان يتذكر الجميع أنه كانت هناك عدة قضايا شهيرة فى مصر فى فترة الثمانينات والتسعينات أطلق عليها الإعلام «العائدون من أفغانستان» و»العائدون من ألبانيا» و»العائدون من البوسنة» وغيرها، وكان الكل يظن أن جماعة الإخوان بعيدة كل البعد عن هذه التنظيمات الدينية الجهادية، ولكن الحقيقة أنها كانت هي، نعم كانت هى الراعية والداعمة والممولة، فكل هذه التنظيمات كانت هى جيش الإخوان، وحين كان الكل يظن أن تنظيم «القاعدة» بعيد كل البعد عن الإخوان كانت الاتفاقات تتم بينهما بشكل سرى وخاص، إذ أن صاحب فكرة إنشاء «القاعدة» هو مصطفى مشهور المُكَنى بين التنظيمات الإرهابية بـ «أبو هاني» وأظن أنه بات يقينا لدى الجميع أن جيش حماس الفلسطينى ما هو إلا جيش للإخوان تم تكوينه ليكون ساعدا للإخوان فى مصر لا لكى يكون حربا على اليهود الصهاينة!.


نعود إلى جمال عبد الناصر لنعيد ما قاله فى خطبته التى ألقاها فى نوفمبر من عام ١٩٦٥، قال «الجماعة عرضت على مساعدتى فى حماية الثورة فى يومها الأول، وطلبوا منى أن أقوم بمدهم بأسلحة لكننى وافقت على المساعدة ورفضت مدهم بالأسلحة» هل عرفنا الآن لماذا رفض جمال عبد الناصر مدهم بالأسلحة؟ لأنه يعرف خباياهم ويدرك رغبتهم العارمة فى إنشاء جيش مناوئ للجيش المصري، والأسلحة ستكون مددا لهم، ثم هل علمنا لماذا قام عبد الناصر بعد احتدام الخلاف بينه وبين الإخوان بالأمر بتفتيش بيت محمد فرغلى عضو مكتب الإرشاد ورئيس كتيبة الإخوان فى حرب فلسطين؟ لأن محمد فرغلى كان يخفى فى حديقة بيته مخزنا للأسلحة كانت جماعته الإرهابية على وشك توزيعه على جيش الإخوان للسيطرة على القاهرة ومن ثم إسقاط حكم جمال عبد الناصر وثورة يوليو، ولكن يد عبد الناصر كانت سباقة.


رغما عنى سأنتقل فى مقالى نقلة نوعية إلى مسألة فكرية لا نستطيع أن نتجاهلها، وقد ظهرت تلك المسألة الفكرية فى عقل الإخوان الخالى فى زمن سيد قطب، وأصبحت أمرا حاكما عندهم، ففى الطبعة الأولى من كتاب سيد قطب «معالم فى الطريق» قال قطب فى المقدمة «إن الجيش فى الدولة له عقيدة جاهلية لأنه يحمى الأوطان فى حين أن الجيش الإسلامى ينبغى أن يحمى الإسلام، وأن القضاء يحكم بغير ما أنزل الله، وأن الشرطة تحمى الحاكم وتنفذ أحكام القضاء الجاهلية، لذلك فإن عقيدة تلك المؤسسات هى عقيدة جاهلية، ومن كانت عقيدته جاهلية ينبغى هدمه ثم إنشاء بدلا منه مؤسسات ذات عقيدة إسلامية خالصة» فانتقل قطب بذلك من اعتبار الجيش المصرى مجرد وسيلة من وسائل القوة لا يمكن أن يقوم الحكم الإسلامى إلا بها، ومن ثم يجب السيطرة عليها إلى أن هذه الوسيلة فى حد ذاتها هى وسيلة فاسدة لجاهليتها ولا محيص عن أمرين، أولا أن يكون اختراق الجيش ليس فقط للسيطرة على مقاليد الأمور به، ولكن لتغيير عقيدته على مهل لتكون متفقة مع عقيدة الإخوان، والأمر الثانى هو إنشاء الجيش الإسلامى البديل الذى سيكون فى يوم ما فى مواجهة حتمية مع الكيان الذى لم يخضع للجماعة من الجيش المصري!.


عرفنا الآن العقيدة والوسيلة والتاريخ السابق على ثورة يوليو، ولكن ما الذى حدث بعد يوليو، ماذا فعلوا بعبد الناصر لكى يفعل بهم عبد الناصر؟ بعد ثورة يوليو استمر التعاون بين الإخوان وثوار الجيش المصرى وقائدهم جمال عبد الناصر، وكان عربون المحبة الذى قدمه عبد الناصر للإخوان هو عدم حل جمعيتهم، ثم عرض عليهم الاشتراك فى الوزارة، غير أن الإخوان كانت لهم وجهة نظر أخرى فاختلفوا مع عبد الناصر ومالوا بجانبهم إلى محمد نجيب الذى كان بالنسبة لهم مثل «فانوس علاء الدين» ولكنهم لم يدركوا أنه فانوس معطوب.


ومن ناحية أخرىطلب حسن الهضيبى من عبد الناصر وهو يظن أنه أوتى القوة والغلبة والسيطرة، وأن عبد الناصر هو الضعيف المهين، أقول طلب الهضيبى ـ كما ذكر الإخوان فى مذكراتهم ـ أن يكون لهم الحق فى تحديد الوزراء والوزارات، التى يرغبون فى إدارتها، وألا يكون لعبد الناصرـ رئيس الوزراء وقتها ـ أى دور فى الاختيار، وحينما رفض عبد الناصر هذا الطلب قام الهضيبى واقفا ـ وكان فى بيته وقال لعبدالناصر: انتهت المقابلة! وكان هذا هو الصدام الأول.


وسرعان ما بدأت الخلافات تترى، فرفض الإخوان مشروع الإصلاح الزراعي! ولو توقف الخلاف عند هذا الأمر لهان الخطب، ولكن كان الأنكى أنهم وقفوا بكل قوتهم فى مواجهة اتفاقية الجلاء التى كان يرغب عبد الناصر ـ والشعب المصرى ـ فى إتمامها! وحين اشتد الإخوان فى هجومهم على الاتفاقية، التى كانت بمثابة «الحلم الثوري» بالنسبة إلى عبد الناصر ورفاقه والشعب كله، كان الاصطدام الثاني، وكان رفض الإخوان لاتفاقية الجلاء جد غريب، ولكن لا غرابة لو علمنا أن جماعة الإخوان هى ابنة غير شرعية للمخابرات البريطانية، والمخابرات البريطانية كانت تسعى بقضها وقضيضها للادعاء على المستوى الدولى بأن الشعب المصرى لا يريد جلاء الإنجليز عن بلادهم، ولكى يكون لهذا الزعم ظل من الحقيقة كان ولا بد أن تخرج مظاهرات إخوانية ترفض اتفاقية الجلاء وتتهم عبد الناصر بالخيانة! ليس هذا الكلام من عندى ولكنه من مذكرات قيادات تلك الجماعة «الخائنة».


ولكى يحبط عبد الناصر ذلك المخطط «البريطاإخواني» قام باعتقال عدد كبير من الإخوان كان منهم المرشد «حسن الهضيبي» وزجهم فى المعتقلات فى رسالة واضحة منه أنه هو صاحب الكلمة، وهو الحاكم الوحيد للبلاد، وأنه لا يقبل أن يقف أحد مهما كان قدره ضد مشروعاته الثورية، إلا أن الإخوان لم يستوعبوا مغزى هذه الرسالة، فقد كانت للجماعة أولويات تختلف عن أولويات ثوار يوليو، فقد زعمت الجماعة أن قوانين تحديد ملكية الأراضى الزراعية مخالفة للشريعة الإسلامية وأن خيارهم الفقهى يرفضها وإن قبلتها خيارات فقهية أخرى، فى حين أن الحقيقة هى أن الأراضى التى يمتلكها كبار الملاك من الإخوان كانت تسد عين الشمس من كثرتها، فالمصلحة الشخصية هى التى كانت تحركهم لا الشريعة الإسلامية التى كانت بريئة من اختلاقاتهم الفقهية.


كما أن الجماعة كانت ترى أن اتفاقية الجلاء هى اتفاقية جائرة! وسبحان الله كيف تكون جائرة وهى تلزم المستعمر بحمل عصاه والرحيل! ورغم أن الوسطاء عقدوا لقاءً بين عبد الناصر وبعض قيادات الإخوان، حضره من الإخوان عبد العزيز كامل وحامد أبو النصر، وقد أورد يوسف القرضاوى تفصيلات هذا اللقاء فى مذكراته، وقد انتهوا فى لقائهم هذا إلى اتفاق هدنة مفادها أن يوافق الإخوان على هذه الاتفاقية ويمتنعوا عن «الحض على محاربتها ورفضها» ووقف المنشورات والمظاهرات التى كان الإخوان يدبرونها لتثوير الجماهير ضد هذه الاتفاقية، ويقوم عبد الناصر بالإفراج عن كل الإخوان المحبوسين، ونفذ عبد الناصر وعده وأفرج عن الإخوان، رغم أنه ذكر للحاضرين من الإخوان أن الهضيبى سيرفض هذا الاتفاق وهذه الهدنة، وكأن لسان حاله كان يقول «إن جماعة الإخوان لا عهد لها ولا وعد».


ويبدو أنه كان يعرفه أكثر من أعضاء الهيئة التأسيسية الحاضرين للقاء !! وحدث ما توقعه عبد الناصر فقد رفض الهضيبى الاتفاق، ويحدثنا التاريخ ـ غير المنكور من الطرفين ـ أن مظاهرات الإخوان الرافضة للاتفاقية استمرت، كما أن منشوراتهم التحريضية لم تتوقف، وكانت هذه المنشورات تصف عبد الناصر بالخائن الأكبر، وهو الأمر الذى أدى إلى ثورة شباب الإخوان على عبد الناصر واتهامه بالكفر والادعاء بأن أمه يهودية، ثم أخذوا فى التخطيط للتخلص منه ـ الغريب أن أى حاكم يختلف معه الحكام يشيعون أن أمه يهودية، ويبدو أنهم لا يحملون خيالا مجددا فى التلفيق لذلك يستعينون بالشائعات القديمة دائماـ وزاد الطين بلة أن المحامى الإخوانى هنداوى دوير، عضو شعبة إمبابة، والذى كان يوما ما أخا ليوسف لقرضاوى فى إحدى الأسر بمحافظة الغربية قد أضمر فى نفسه شرا، ولكى ينفذ خبيئة نفسه كان أن استعان بالقناص الإخوانى محمود عبد اللطيف وجهزه بالسلاح، وخطط معه لاغتيال جمال عبد الناصر لأنه فى نظرهم خائن وكافر وفقا لفتاوى مرشدهم، وحينما علم المرشد الهضيبى من يوسف طلعت مسئول التنظيم الخاص خبر هذا الأمر الذى يزمع أفراد النظام الخاص تنفيذه ركن إلى السلبية، وقال وفقا لشهادة ومذكرات القرضاوى لا شأن لى بهذا الأمر !.


وحين وصل الخبر إلى عبد العزيز كامل رئيس شعبة إمبابة والذى كانت تربطه صلات صداقة بعبد الناصر قام بتحذيره، ويبدو أن عبد الناصر كان قد رتب أموره ليفسد للإخوان خطتهم.


وفى مساء يوم ٢٦ أكتوبر من عام ١٩٥٤ وفى ميدان المنشية بالإسكندرية انطلقت رصاصة الإخوانى محمود عبد اللطيف فى اتجاه عبد الناصر وكانت رصاصة طائشة ضلت سبيلها ولكنها كانت هى رصاصة الرحمة ـ أو النقمة ـ التى قضت على علاقة عبد الناصر والجيش المصرى بالإخوان قضاءً مبرما، وكانت بمثابة انتحار رسمى للجماعة.


إذن هل يستطيع أحدنا تلخيص قصة الإخوان مع ثورة يوليو فى كلمة أو فى كلمتين، سيضطر حتما كاتب المقال إلى القيام بهذا التلخيص لذلك أقول: (اتفق الإخوان مع الجيش فى الثورة واختلفوا معهم فى السياسات والطموحات، وفشلوا فى السيطرة على الجيش وتغيير عقيدته ومن ثم استخدامه لحسابهم، وكان من ناتج فشلهم أن أسقطوا محمد نجيب ـ الذى كان قد توافق معهم ـ فى غيابات الجب، وسقطوا هم أيضا فى قعر بئر لا قرار له).


ثم عاد الإخوان للوجود، فقد أعطاهم الرئيس السادات رحمه الله قُبلة الحياة، وأفرج عنهم فى بداية السبعينيات، ثم ضخ فى شرايينهم دماء طلبة الجماعة الإسلامية، وكان يُعِدَّهم لكى يكونوا أداتهم فى القضاء على ميراث عبد الناصر، وغاب عنه وهو الأريب فى السياسة أن الإخوان لا عهد لهم ولا وعد ولا ذمة ولا دين، وعلى استحياء أخذت جماعة الإخوان تضع على وجهها قناع الرحمة واللين والمودة والوسطية والاعتدال، واستعانوا فى ذلك بالشيخ الهرم عمر التلمسانى الذى كان يحمل خطابا بسيطا ودودوا، وفى الخفاء أخذ الصقر مصطفى مشهور «أبو هاني» فى إعادة تكوين التنظيم السري، واجتمعت عصبة الشر عام ١٩٧٤ فى قليوب البلد فى بيت «الحاج أحمد حسانين» وكان فى الاجتماع التآمرى أئمة الشر أحمد حسانين صاحب الدار ومصطفى مشهور وحسنى عبد الباقى وحلمى عبد المجيد وأحمد الملط وصلاح شادي، واتفق الجمع على إعادة تكوين التنظيم السرى واستعادة قياداته، وفى ذات الوقت التخطيط لإعادة تكوين قسم الوحدات للمضى قدما فى خطة السيطرة على الجيش وتغيير عقيدته، وتم إسناد إدارة التنظيم السرى لمصطفى مشهور، أما قسم الوحدات فتم إسناده لصلاح شادي، ثم تم اختيار مرشد سرى هو حلمى عبد المجيد لكى يكون خلفا للهضيبى المتوفى منذ أشهر، مع تصدير عمر التلمسانى للرأى العام على أساس أنه متحدث رسمى باسم الجماعة، ولم يصبح التلمسانى مرشدا إلا فى يناير من عام ١٩٧٦، وللتاريخ أذكر أننى تعرفت على صلاح شادى عندما كنت فى الإخوان، وبعد أن مات تولى مسئولية قسم الوحدات بعده العميد متقاعد إبراهيم عزت، سكرتير مكتب الإرشاد، وكان إبراهيم عزت فى منطقتى الإخوانية، وكان كثيرا ما يحدثنى عن عمل الإخوان الدؤوب فى التسلل للجيش وتجنيد بعض ضباطه، وإخفاء هويتهم العقائدية عن طريق الزعم أنهم ينتسبون للطرق الصوفية، ومات إبراهيم عزت بعد أن تركت الإخوان فلم أعرف من الذى تولى بعده مسئولية هذا القسم.


نعود مرة أخرى لفترة السبعينيات، حيث ظلت حركة الإخوان بطيئة فى الظاهر، متربصة، قلقة، إلا أنها كانت تدعم بكل قوة جيشا اعتبرت أنه هدية السماء لها هو تنظيم الجماعة الإسلامية ومعه تنظيم الجهاد، ثم كانت نهاية السادات قتلا برصاص الإخوان فى استعراض احتفالات اكتوبر، وهو الاحتفال الذى قُتل فيه السادات برصاص جيشه وسط جيشه، وظهر من هذه الجريمة التاريخية النكراء مدى قدرة الإخوان على التغلغل فى أوساط الجيش المصري، وكشف التاريخ بعد ذلك أن مشهور كان قد هرب من مصر قبل أحداث اعتقالات سبتمبر ببضعة أيام بعد أن وصل له خبر هذه الاعتقالاتعن طريق رجاله الذين دسهم حول السادات!.


وبعد أعوام طويلة جاء اعتراف من واحد من القيادات الشابة للإخوان، وهو أبو العلا ماضى الحائر بين حزبه وبين جماعته التى تربى فى أحضانها، والذى ضل بعد ثورة يناير السبيل، المهم أن أبو العلا ماضى قال فى صالون المسلمانى قبل عامين من ثورة يناير «إنه كان من تخطيط الإخوان وخططهم إنشاء تنظيم مسلح يدين بالولاء لجماعة الإخوان أو للنظام الخاص فيها فى أوائل الثمانينيات» ثم استطرد قائلا :»إنه كان هناك قيادى بنقابة الأطباء من أصدقاء الدكتور عصام العريان ــ رفض ماضى ذكر اسمه وواضح أنه يقصد عبد المنعم أبو الفتوح ــ كان يجند شبابا من مصر للمشاركة فى حرب أفغانستان فى أواخر الثمانينيات بإذن من مصطفى مشهور» مؤكدا على أنه «علم بذلك الأمر بعد عودة جثمان شاب مصرى من هناك إلى بلدته فى محافظة الشرقية، ورغم أن ثمة قرار كان قد صدر من الجماعة فى تلك المرحلة بعدم دخول الإخوان بشكل مباشر فى العمليات القتالية بأفغانستان، إلا أن جثمان هذا الأخ الشرقاوى الذى حضر قادة الإخوان جنازته كشف عن وجود تنظيم مسلح للإخوان، واتضح أن مصطفى مشهور هو الذى أعطى تعليمات سرية بتدريب شباب الجماعة على العمليات القتالية وإرسالهم إلى أفغانستان». 


وكانت المفاجأة أن أذاع أبو العلا سرا من الأسرار الدفينة فى قلب الإخوان وهو أن مصطفى مشهور قال له من قبل فى حضور قيادى آخر اسمه محى عيسى «إن للإخوان تنظيما داخل الجيش وإن الإخوان يخططون للوصول إلى الحكم من خلال هذا التنظيم».


ويقصد ابو العلا من كلامه أن قسم الوحدات كان يباشر نشاطه بشكل سرى داخل الجيش من أجل محاولة السيطرة عليه ذات يوم! انتهت شهادة الأخ أبو العلا ماضي، وبعد سنوات علمنا أن مصطفى مشهور هو الذى اتفق سرا مع شباب ثائر غر أحمق على إنشاء تنظيم القاعدة ليكون مواليا فى يوم ما للإخوان فى مصر عندما تحين فرصتهم لحكم مصر، وأظن أن جيش القاعدة فى سيناء حاليا يؤكد تبعية القاعدة وداعش وغيرها لجماعة الإخوان، ومن الغريب أن ينكر الجهلاء ذلك وكأن فى عيونهم عمى.


المهم أن دولة السادات انتهت وجاءت دولة مبارك، ولأن الإخوان إذا شبعوا اطمئنوا، وإذا جاعوا أنّوا فقد عاشوا مع مبارك فى فترة المرشد مصطفى مشهور بين الجوع والشبع، الاطمئنان والأنين، يكتب المرشد مصطفى مشهور مقالة فى جريدة الشعب عام ٢٠٠٠ يحيى فيها «موقف مبارك الوطني» من ضرب محطة الكهرباء بلبنان، فيرسل له مبارك زكريا عزمى مبعوثا ليطلب منه دخول الإخوان الانتخابات البرلمانية، وأنه سيسمح لهم بنجاح عدد معقول فيها، ثم يأتى ملك الموت ومفرق الجماعات ـ بما فيها جماعة الإخوان ـ فيقبض روح المرشد مصطفى مشهور، ويأتى المرشد مأمون الهضيبى الذى لم يلبث فى الإرشادية كثيرا، ويأتى من بعده المرشد مهدى عاكف، الذى تم الاتفاق معه على صفقة عام ٢٠٠٥ وهى الصفقة، التى أسفرت عن صدور بيان من الجماعة تدعو فيه الجماهير إلى عدم مقاطعة انتخابات الرئاسة حتى يكون المسلم إيجابيا، وكان أن دخل الإخوان بعد ذلك إلى عضوية البرلمان فرادى وجماعات، ونجحوا بثمانية وثمانين عضوا! وهو الأمر الذى يحتاج إلى تحليل مستقل.


المرشد بديع هو الآخر ظل على سياسة الغزل العفيف لمبارك حتى قبيل ثورة يناير، فكلنا يذكر يوم أن قال بديع «مبارك أبو المصريين ونحن من أبنائه ونتمنى أن نجلس معه»، ولكن ذهبت دولة مبارك كما تذهب كل الدول، وقامت ثورة يناير، وإذا بالقوى السياسية والأحزاب متهاوية ضعيفة، وإذا بالثوار وقد تفرقوا، كل حزب بما لديهم فرحون، ولم يبق إلا الجيش فى مواجهة الإخوان.


ولذلك فإن السطر الثانى من قصة الإخوان مع الجيش سيكون حتما عن ثورة الخامس والعشرين من يناير، وكان من المؤسف أن تدعى تلك الجماعة «الخائنة» أن هذه الثورة ابنة الإخوان، وأنهم هم الذين أشعلوها منذ اليوم الأول!! وقال بعضهم إنه لولا الإخوان لفشلت الثورة !! وقال عصام العريان إن الجماعة كانت تخطط للثورة منذ أربع سنوات ــ والفاهم لشخصية عصام العريان يعرف أن كلامه عار من الصحة ــ ومن أسف فإن هذا الكلام بدأ يتردد قبل أن نقطف ثمار الثورة، وأى ادعاء بامتلاك ثورة يناير هو فى حقيقته سرقة علنية، فالثورة مملوكة لمصر كلها، ولا ينبغى لأحد أن يدعى أنه مالكها الحصري، ونفس الأمر ينطبق على ثورة يونيو، التى أطاحت بالإخوان، فهى أيضا ثورة الشعب وليست مملوكة لأحد على سبيل الحصر.


المهم أن الجيش بعد ثورة يناير قام باستدعاء الإخوان إلى علنية العمل وحرية تكوين الحزب، إذ ظهر الإخوان أمام الجميع بصورة منظمة قادرة على ضبط الشارع! لذلك لم يكن أمام الجيش إلا الاتفاق مع القوة المنظمة الوحيدة لإعادة الانضابط فى الشارع المصري، ولم يفهم الإخوان الرسالة التى أرسلها لهم الجيش بهذا التوافق المرحلي، وظنوا أنهم ملكوا زمام كل شيئ، وأنهم الأقوياء أصحاب الكثرة والغلبة والسيطرة، ومع اتفاق الإخوان مع المجلس العسكرى على كل التفصيلات كان ولا بد أن تنشا خلافات بين الإخوان والقوى السياسية الأخرى، خاصة القوى الثورية، خاصة أيضا فيما يتعلق ببعض الجُمَع الثورية، حيث حرَّموا أولا الاشتراك فى هذه الجُمَع واتهموا أصحابها بالخيانة والعمل وفقا لأجندة صهيونية، ثم إذا بهم يعودون ويشتركون فى الجُمَع التى نهوا عنها عندما وجدوا بعض إقبال جماهيرى عليها، فظهر للغادى والرائح أن مواقف الإخوان السياسية هى مواقف مكيافيلية... ويبدو أن إحساس القوة والكثرة يصيب الجسد الإخوانى بداء «حُنَين» وحُنَين هى الغزوة التى كاد المسلمون فيها أن يقعوا فى الهزيمة بسبب غرورهم بكثرتهم وإعجابهم بها.


قلت إن سياسة الجيش استدركت ما فات، وجلست الجماعة تحت شمس الوطن بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولكن تلك العصابة لم تنتبه لنفسها، ولم تتخلص من غرور القوة والاستعلاء، وعاشت فى وهم السيطرة التامة على الجيش وقياداته، ولكن يقينى أن الجيش الذى استدعى الجماعة للعمل السياسى العلنى كان يعلم طبيعتهم، ويعرف أنهم إذا ظهروا احترقوا، وإذا احترقوا فلن يخترقوا حتما سدة الحكم، وإذا اخترقوه فلن يكون ذلك إلا لأيام معدودة.


وكانت أيامهم المعدودة فى الحكم قد بدأت مع انتخابات البرلمان، حيث فازوا بأغلبية، ولم لا وهم أصحاب المنابر المتعددة، فى الإعلام والمساجد، وخطابهم الدينى برَّاق، وأموالهم لا حصر لها، ورشاويهم الانتخابية معروفة، فالزيت والسكر والمواد التموينية فى أيمانهم، وتذاكر الانتخابات فى يسارهم، والجيش يدير الانتخابات بأمانة تامة، ولكن التزوير ليس فى لجان الانتخابات فقط، ولكنه أيضا خارج اللجان الانتخابية عندما يتم التأثير فى الناخب بوسائل غير مشروعة. ولعلنى لا أذيع سرا عندما أقول أن انتخابات الرئاسة، التى قدم الإخوان فيها أنفسهم عن طريق البائس محمد مرسى وقع فيها تزوير فج، وكان التزوير عبر وسائل مختلفة، أليس منهم قضاة كشفوا عن أنفسهم وكانوا قد أشرفوا على عشرات من اللجان الانتخابية؟ أليس هؤلاء القضاة يؤمنون بأن الديمقراطية وسيلة جاهلية للإخوان أن يستعملوها للوصول للحكم ثم يجب بعد ذلك أن يغلقوا بأبها، ألم تخرج فتاوى إخوانية تلزم الأخ فى موقعه بتزوير الانتخابات ما استطاع إلى ذلك سبيلا، ترى ماذا كان يفعل قضاتهم فى لجانهم؟ هل كانوا يديرونها بنزاهة ويعطون صاحب كل حق حقه؟ ثم ألم يمنعوا ناخبين من الأقباط فى صعيد مصر من الذهاب للانتخابات بالقوة؟ ألم يستخدموا الرشاوى الانتخابية و»البطاقة الدوارة»؟ ألم نسمع عن التزوير المسبق لبطاقات إبداء الرأى المعروفة باسم قضية المطابع الأميرية؟


لا علينا، المهم أن مرسى نجح، وأخذ الإخوان يقعون فى كل خطأ لا يتصور أن يقع من حاكم واحد عبر عام واحد، إلا أنهم حاولوا فى ذات الوقت السيطرة على وزارة الداخلية وجهاز الأمن الوطني، ويحدثنا التاريخ القريب عن فشلهم الذريع فى هذا الأمر، لكن كان تخطيطهم الأكبر كان فى محاولة السيطرة على المخابرات العامة، ويحدثنا التاريخ الحديث أيضا عن أن خيرت الشاطر عاد من المخابرات بخفى حنين، عاد وهو يجرجر أذيال الخيبة، فلم يكن أمامهم إلا الإطاحة باللواء مراد موافي، وظنوا أنهم بعده سيسيطرون، ولكنهم أيضا عادوا بالخيبة الكبرى، وحين ظنوا أنهم نجحوا نجاحا كبيرا بتعيين الفريق عبد الفتاح السيسى وزيرا للدفاع كان ظنهم هما وبيلا وقع على رؤوسهم بعد حين، وأظن أنهم كانوا مثل اليهود وهم يمتدحون السيسى حينما اختاروه فقالوا عنه إنه المؤمن ابن المؤمن حافظ القرآن الأمين، وبعد أن وقف السيسى بالجيش مع ثورة الشعب قالوا عنه: الخائن اليهودى ابن اليهودية!! ويشهد التاريخ أن السيسى حينما كان وزيرا للدفاع حاول أن يرأب الصدع، وأن يُجلِس الإخوان مع الأحزاب والقوى السياسية لتنجح مصر فى أول تجربة ديمقراطية حقيقية، وحدد موعدا لهم للقاء فى دار الدفاع الجوي، وبعد أن وافق مرسى ووافقت الأحزاب إذا بمرسى يعتذر بناء على تعليمات وأوامر مشددة وصلت إليه من قياداته فى تلك الجماعة المغرورة.


كانت خطة الإخوان ترمى إلى تحريك كل القوى الجهادية التابعة لها من كل أنحاء العالم ووضعهم فى سيناء، فهى منطقة الخطر، فذهبت إليها الآلاف من القاعدة وداعش وحماس، ثم الجماعات المستولدة حديثا مثل أنصار بيت المقدس، وفى ذات الوقت أرسل الإخوان المئات من شبابهم إلى سوريا لينضم إلى الجيش الإسلامى الذى تم تشكيله من مرتزقة الجهاديين فى العالم، وكان السبب فى إرسالهم هو نفس السبب فى إرسال شباب الإربعينيات إلى فلسطين، لكى يتدربوا على قتال الجيوش، وحينما يعودون سيكونون قوة لجيشهم، وفتوة لكتائبهم، وأعرف من شباب الإخوان الذين سافروا هناك واحد اسمه «محمد عبد المجيد محرز» سافر هو ومجموعة من شباب الإخوان بعد أن تولوا تدريبات قتالية فى غزة، وحدث أن أصابته رصاصة فى رأسه فى أل معركة له هناك ضد الجيش السورى فمات على توه، وأقام له الإخوان فى القاهرة صلاة غائب فى مسجد السلام بمدينة نصر، حضر فيها العديد من قياداتهم، وأعرف أيضا أن عشرات من شبابهم قضوا نحبهم هناك، إلا أننى أعرف أيضا أن المئات منهم عادوا أحياء بعد أن أتموا تدريباتهم وأرسلهم الإخوان إلى سيناء مباشرة، هناك حيث الجيش الإخوانى الذى أطلقوا عليه «جيش النصر المنشود».


وفى ذات الوقت ظلت كتائبهم المسلحة فى القاهرة ومحافظات الوجه البحري، تنفذ جرائمهم بعد سقوطهم من فوق كرسى الحكم، أما من ظلوا يخرجون فى المظاهرات فهم الأفراد العاديون فى الجماعة، تستغل الجماعة حماسهم، وتضلل أفكارهم، وتخلق لهم واقعا بديلا يتيهون فيه وكأنهم يتعاطون المخدرات، وبعد أن قرر الإخوان إعادة بناء هياكلهم الإدارية مرة أخرى سحبوا شبابهم من المظاهرات، إلا أنهم ظلوا على تكليف شباب التنظيم السرى المسلح بالقيام بأعمال الإرهاب والقتل والترويع.


انتهت المقالة الطويلة، ولكن قبل النهاية أقول أن علاقة الإخوان بتنظيم القاعدة تستحق بحثا خاصا، وعلاقتهم بحماس تستحق بحثا تاليا، وعلاقتهم بداعش تستحق بحثا ثالثا، وعلاقتهم بأنصار بيت المقدس وباقى التوابع تستحق بحثا رابعا، ولكن المقالة لا تحتمل كل التفصيلات لذلك اكتفيت بالإشارات.


هل تعرف أين تقع مصر الآن؟ السؤال لا علاقة له بالجغرافية، ولكن له علاقة بواقع سيسطره التاريخ، مصر تقع بين جيش الإخوان الإرهابى المندس فى سيناء، وكتائب الإخوان المسلحة المندسة فى القاهرة ومحافظات الوجه البحري، وأفرادهم المخربين المندسين فى مؤسسات الوطن، ولكنها مع ذلك فى أعلى درجات الاطمئنان، وأقصى مراحل الحماية لأنها تقع فى قلب الجيش المصرى الوطنى الذى فشلت الجماعة الخائنة فى اختراقه أو تغيير عقيدته، لذلك ليس لنا إلا أن نهتف : الله، الجيش، الوطن.