صفحات مجهولة فى علاقة الإخوان مع ناصر والثورة

20/07/2016 - 2:32:21

بقلم : أحمد بان

مع اللحظات الأولى التى حملت أنباء انقلاب فى تركيا على أردوغان وحكومة العدالة والتنمية، ارتعدت فرائص الإخوان المقيمين فى تركيا، متوجسين من اللحظات القادمة أو القاتمة التى تنتظرهم إذا مضى الانقلاب إلى نهايته، ولم يسترد الإخوان أنفاسهم، إلا مع تأكدهم أن الانقلاب لم ينجح، وعلى الفور بدأت مواقعهم فى التهليل والتكبير واعتبار ما جرى نصرا مؤزرا لهم على الانقلابيين لكن المؤكد وفق ما أكده لى بعضهم أن الانقلاب سواء نجح أم فشل فلن تكون إقامتهم فى تركيا كما كانت، وقد يقلب لهم أردوغان ظهر المجن بعد أن أدرك أن حمولتهم قد تغرق سفينته هو، أو على حد ما ذكر مستشاره السياسى فى حديث صحفى منذ شهرين، والذى قال فيه إن الإخوان أفشلوا الديمقراطية فى مصر، ويكادون أن يفشلوها فى تركيا، هل كانت نبوءة؟، على كل إذا أقدم أردوغان بالفعل على التنكر للإخوان فقد يصفونه ساعتها بالعلمانية والعمالة للغرب، وقد يتحول الانقلاب إلى ثورة أو العكس، ففى عرف الإخوان تبقى الثورة ثورة ما دامت تحقق مصالحهم وتمضى على طريقتهم، أما إذا خاصمت طموحاتهم فهى انقلاب وعدوان على الديمقراطية التى يتشدقون بمقولاتها دون أن يمارسوها حتى فى إدارة التنظيم، وبالأحرى إدارة الدولة التى ابتليت بإدراتهم لعام كاشف فى تجربة الإخوان مع ثورة يوليو العديد من المحطات الجديرة بالتوقف، منها تحرير حقيقة علاقة الإخوان بالثورة وناصر.


ليس سرا أن العديد من قيادات جماعة الإخوان وربما أعضاؤها يعتبرون أن جمال عبدالناصر كان إخوانيا خان الجماعة ولم ينفذ تعهداته لها، والتى كانت تدور حول اعتبار الثورة وسيلة لتمكين الجماعة من حكم مصر وتطبيق تصورهم عن الشريعة، وليس وسيلة لتمكين الشعب من نيل حقوقه فى العدل والحرية والمساواة، لكن المؤكد ووفق شهادات لثقات من قيادات الجماعة التاريخية، أن عبدالناصر كان يعرف موقع الجماعة فى الحياة السياسية منذ وقت باكر، ويدرك تأثيرها، لذا نفذ إليها وهو يريد أن يكون له موطئ قدم داخلها هى وكل الكيانات السياسية المؤثرة فى مصر، ظل الإخوان يعتقدون أن ناصر واحد منهم بنفس اليقين الذى كان لدى الشيوعيين أن عبدالناصر معهم، لكن المؤكد أن عبدالناصر كان مع مصر وحدها لاينبض قلبه سوى بحبها ولا يخلص لأحد سواها.


تأملوا معى تلك الشهادة لأحد رجال الرعيل الأول للإخوان المسلمين الراحل دكتور حسان حتحوت أحد المقربين لحسن البنا يقول «كان هناك تفاهم كامل بين فريق الضباط الأحرار الذى يجتمع مع فريق الإخوان، وكانت الشخصية الرئيسية فى الفريق الأول جمال عبدالناصر وكان عبدالناصر نفسه فى السابق من الإخوان وأعطى البيعة لحسن البنا، ثم اقتنع وأقنع أنه من الأفضل أن يستقل بالنشاط فى الجيش، لأن هناك عناصر أخرى أيضا ثائرة على الوضع وترحب بالانضمام لتنظيم يرتب لثورة ولكن لايربطهم شىء بالإخوان لا عقائديا ولاسلوكيا «تأملوا دقة الألفاظ ودلالاتها»، وكان عبدالناصر نفسه فى السابق من الإخوان «ثم» اقتنع وأقنع أنه من الأفضل أن يستقل النشاط فى الجيش “كلام محدد وبالغ الدقة والوضوح، فى أن ناصر أراد الاستقلال بالتنظيم الذى يتحدث حتحوت عنه باعتباره فريقا مقابل فريق آخر، كما يكشف بوضوح أن الإعداد والتنسيق كان لانقلاب تحول إلى ثورة حضروا بعض المراحل والمفاصل الهامة فى التحضير لها، على نحو ما يكشف عبداللطيف البغدادى فى مذكراته يقول «فى نهاية أكتوبر ١٩٤٩ كان أول اجتماع لهذه المجموعة عندما أصبح عددها ثمانية (عبدالمنعم عبدالرؤوف، جمال عبدالناصر، كمال الدين حسين، خالد محيى الدين، حسن إبراهيم، عبدالحكيم عامر، صلاح سالم، عبداللطيف البغدادى)، وكان الهدف واحدا وهو القيام بانقلاب لتغيير نظام الحكم، وهذه رواية أخرى تؤكد أن الاتصال بين الإخوان وناصر فى التدبير للثورة بدأ مبكرا، حيث يذكر أيضا أنه تم إسقاط عضوية عبدالمنعم عبدالرؤوف من اللجنة التأسيسية للضباط الأحرار، التى أطلق عليها بعد قيام الثورة مجلس قيادة الثورة وذلك لنشاطه ومحاولاته المتعددة لضم بعض الضباط الأحرار إلى جماعة الإخوان المسلمين، كما يذكر أيضا أنه تم انتخاب عبدالناصر رئيسا للجنة فى اقتراع سرى وكانت هذه المجموعة هى القيادة العليا للتنظيم.


انتهت علاقة الإخوان بهذا التنظيم مع مطلع عام ١٩٥٠ ووفاة محمود لبيب وحسن البنا قبل ذلك بعام، بينما ظل بعض الأعضاء من الإخوان داخل تنظيم الضباط الأحرار بصفتهم ضباطا فى الجيش وليس بصفتهم الإخوانية، وهم عبدالمنعم عبدالرؤوف، أبوالمكارم عبدالحى، حسين حمودة، معروف الحضرى، عبدالكريم عطية، فؤاد جاسر، ومضى قطار الثورة إلى غايته حتى نجحت الثورة وكان قائدها الفعلى هو جمال عبدالناصر، حتى وهى خلية صغيرة للإخوان داخل الجيش كان عبدالناصر ضابطا وطنيا متأجج الشعور، محبا لبلده، يؤرقه الواقع، ولايجد طريقا للحل، على نحو ما يوثق الدكتور حسان حتحوت فى شهادته عن تلك الفترة يقول:


“فى مرة أوفدت إلى أسيوط لمحاضرة فى شعبة الإخوان وأخرى فى المسجد، وكان فى محاضرة المسجد عدد من ضباط الجيش من معسكر منقباد، وبعد المحاضرة تنحى بى أحد الضباط جانبا وأدار معى حوارا سألنى فيه: أنتم يا إخوان هيئة قوية، فلماذا لاتقومون بانقلاب تخلصون به البلاد من الملك والأحزاب وهذا الفساد الشامل؟، فقلت له إن الخلل الحقيقى هو فى وعى الشعب ونضجه الفكرى والسياسى والأخلاقى، وهذا ما يعمل من أجله الإخوان، ولكننى أستغرب منك هذا السؤال وأنت تعلم أن الذى سيهب لسحق هذا الانقلاب هو أنتم ياضباط الجيش، ومضت سنوات طويلة جدا قبل أن تنبعث إلى ذاكرتى ملامح هذا الضابط كان وجه جمال عبدالناصر « إذن الرجل وفق تلك الشهادة كانت لديه أفكار وطنية واضحة، مضى مخلصا لها فهل أخلص الإخوان لمهمتهم التى حددها حتحوت فى رفع وعى الشعب وإنضاجه فكريا وأخلاقيا وسياسيا أم مضوا فى طريق آخر، يناهضون كل من سعى لإخراج مصر من وهدة التخلف والتبعية والفساد.؟!


وعندما نجحت الثورة وشرع ناصر ينظم الجيش ويرتب نظامه السياسى بما يحقق أهداف الثورة، فى محيط معادٍ لأهداف الإنجليز فى القنال والأحزاب القديمة والإقطاع الذى تضرر من الثورة يتربص بها الدوائر ويدير ثورة مضادة لها، فاتح ناصر رفيقه من الإخوان فى ضرورة ترك تنظيم الإخوان وتحرير الولاء للثورة وللجيش، فكان موقف عبدالرؤوف وفقا لما قاله هو عن نفسه فى مذكراته «قلت له إننى جندى، وفكرى وولائى للجماعة ومكتب الإرشاد ولن أترك الجماعة «، ظل عبدالناصر طوال أكثر من عام ونصف العام يستحثه بكل الوسائل والطرق على ترك الإخوان والإخلاص للثورة وللجيش، ولم يكن النظام الجديد ليتسامح مع فكرة وجود خلايا لحزب أو حركة فى الجيش لذا لم يجد ناصر بداً من إقالته بعد عام ونصف العام على نجاح الثورة، ليبدأ الفصل الأخطر فى علاقة الإخوان بالثورة وهو ربما موضوع مقالنا القادم.