٢٣ يوليو ١٩٥٢ ثورة جيش أم ثورة شعب؟

20/07/2016 - 2:26:24

بقلم: لواء نصر سالم

فى صباح الثالث والعشرين من شهر يوليو عام ١٩٥٢ استهلت الإذاعة المصرية برامجها بالبيان الأول للثورة.. موجهًا إلى شعب مصر.. جاء فيه:


“اجتازت مصر فترة عصيبة فى تاريخها الأخير، من الرشوة، والفساد، وعدم استقرار الحكم، ولقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون المغرضون فى هزيمتنا فى حرب فلسطين عام ١٩٤٨.


أما فترة ما بعد هذه الحرب، فقد تضافرت فيها عوامل الفساد، وتآمر الخونة على الجيش، وتولى أمرهم، إما جاهل أو خائن أو فاسد، حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا فى داخل الجيش، رجال نثق فى قدرتهم وفى خلقهم، وفى وطنيتهم، ولابد أن مصر كلها ستتلقى هذا الخبر بالابتهاج والترحيب.


أما من رأينا اعتقالهم من رجال الجيش السابقين فهؤلاء لن ينالهم ضرر، وسيطلق سراحهم فى الوقت المناسب، وإنى أؤكد للشعب المصرى، أن الجيش اليوم أصبح يعمل لصالح الوطن، فى ظل الدستور، مجردًا من أى غاية.


بعد هذا البيان جرت فى النهر مياه كثيرة.. حتى الساعة السادسة والنصف من مساء يوم ٢٦ يوليو ١٩٥٢ .. أذيع البيان التاريخى بتنازل الملك فاروق عن العرش ومغادرته البلاد.


استقبل الشعب المصرى هذا البيان بفرحة غامرة وبحماسة تفوق الوصف ومن تلك اللحظة تحول واقع الثورة من مجرد “حركة فى الجيش للقضاء على الفساد” إلى ثورة كاملة من أجل خير مصر، حيث أعلنت الثورة مبادئها فى ستة أهداف هى:


١- القضاء على الاستعمار وأعوانه


٢- القضاء على الإقطاع


٣- القضاء على الاحتكار وسيطرة رأس المال على الحكم


٤- إقامة جيش وطنى قوى


٥- إقامة عدالة اجتماعية


٦- إقامة حياة ديمقراطية سليمة


لم تكن هذه المبادئ كلها، من أجل تحقيق أى مكاسب للجيش، حتى المبدأ الخاص “بإقامة جيش وطنى قوى” فإنه من أجل حماية الوطن والحفاظ على مقدراته ومكاسبه” بل كانت كلها من أجل الوطن والمواطنين وبهذا مست قلوب الشعب المصرى وتوجهت نحو أهدافه التى كان يراها مستحيلة فى عهد الملكية، لذا كان تفاعل الشعب مع الثوار بلا حدود، ولم تشهد مصر كلها بجميع ربوعها أى نوع من المقاومة للثورة، بل كان التأييد عارما من الشعب، ومتحفظًا بعض الشىء من القيادات الحزبية المختلفة التى كانت تتوقع إطاحة الثورة بها، وتقبل جميع الإجراءات التى قام بها الجيش والشرطة من أجل حفظ النظام وتأمين الممتلكات وحماية الأجانب هكذا ظهرت الثورة فأين كانت جذورها وأسبابها.


نبتت الجذور فى أعماق المعاناة المصرية، خلال الحرب العالمية الثانية، وما تلاها من تصاعد للحركات الوطنية، وتعدد خلاياها، ولكن دون تنظيم أو تعاون بينها وإن انعكست فى تصاعد المقاومة ضد قوات الاحتلال، وأعوانه، فكان مقتل “أمين عثمان” أبرز عملاء الاستعمار فى مصر فى يناير ١٩٤٦، كذلك تصاعد الكفاح المسلح ضد جنود الاحتلال البريطانى داخل البلاد، مما أدى إلى قرار الحكومة البريطانية بإجلاء قواتها من القاهرة والإسكندرية، ليعاد تمركزها بمنطقة قناة السويس عام ١٩٤٧.. وسرعان ما انعكست ردود فعل أحداث حرب فلسطين على القضية الوطنية نفسها، وأصبحت محور اهتمام المواطنين جميعًا، وارتبطت بالتحرر الوطنى بوصفه جزءًا لا يتجزأ من قضية الجلاء وتحرير الوطن.


وقد زاد الإحساس لدى الجيش والشعب تدريجيًا، بأن الملك متورط فى أسباب الهزيمة فى تلك الحرب، وقد أكد ذلك، عدم القيام بمحاولات محسوسة لإعادة تنظيم الجيش الذى عاد من فلسطين وتسليحه وسادت فى مصر حالة من عدم الاستقرار.


كان الموقف يتطلب ظهور قيادات جديدة غير قيادات الأحزاب القائمة فى الوقت الذى كان الوعى القومى للشعب يزداد ارتفاعًا.


ولم يكن الجيش بمعزل عن الشعب، فقامت فى صفوفه تنظيمات سرية، حيث شهدت الفترة التى أعقبت معاهدة ١٩٣٦ وزيادة أعداد الجيش ودخول ضباط من العناصر الشعبية بعد أن كانت حكرًا على طبقات معينة، فكان من هؤلاء الضباط طلائع ثورة يوليو.


بدأ تنظيم الضباط الأحرار فى النصف الثانى من عام ١٩٤٩.


وأصدر منشوره الأول فى خريف عام ١٩٥٠ يحذر فيه ضباط الجيش من أن ينساقوا إلى حرب أخرى، دون استعداد ودون سلاح أو بأسلحة فاسدة، وحذر المنشور الملك من التدخل لمنع استمرار التحقيق العادل فى قضية الأسلحة الفاسدة، وإلا فإن عرشه يصبح مهددًا.


- بعد تعثر المفاوضات المصرية مع الإنجليز وإعلان الحكومة المصرية فى ٨ أكتوبر ١٩٥١ إلغاء معاهدة ١٩٣٦، تفجر الغضب الشعبى، وبدأت على الفور عمليات فدائية ضد قوات الاحتلال فى منطقة القناة، وبدأ عدد من الضباط الأحرار فى الاشتراك فى هذه العمليات فى ٣١ ديسمبر ١٩٥١ أجريت الانتخابات الشهيرة لأول مرة فى تاريخ الجيش المصرى لنادى الضباط بالزمالك، وقام الضباط بانتخاب اللواء محمد نجيب رئيسًا لمجلس إدارته وكذا انتخاب أغلب أعضاء مجلس الإدارة من الضباط الأحرار، وأقصوا الضباط المعروفين بانتمائهم للسراى أو رئاسة الجيش، الأمر الذى أغضب الملك وأدى به إلى حل مجلس إدارة النادى فى ١٦ يوليو ١٩٥٢ أى قبل الثورة بأسبوع واحد.


- مع بداية عام ١٩٥٢وصل التفاهم بين الملك والحكومة إلى طريق مسدود وبدأت الأمور تخرج من يد الملك فاروق رويدًا رويدًا، فى الوقت الذى كانت أعمال المقاومة ضد الاحتلال تتصاعد، وكان البطش الإنجليزى يتزايد، وقد وضح ذلك فى الأحداث الدرامية فى قرية كفر عبده فى السويس عام ١٩٥١ وأحداث الإسماعيلية ضد البوليس المصرى فى ٢٥ يناير ١٩٥٢ والتى أعقبها مباشرة حريق القاهرة فى ٢٦ يناير ١٩٥٢ حيث كان الملك فاروق متورطًا فى تدبيرها “لمنع وصول الأسلحة للفدائيين”


لم يكن هناك مخرج يعيد الأمور إلى نصابها إلا من خلال عمل حاسم يقوم به الجيش الذى أصبح محط الأنظار ومعقد آمال الشعب والأجدر على هذه المهمة واستشعر الضباط الأحرار عظم المهمة المعلقة فى رقابهم من أبناء الشعب.. فكانت الثورة.


وتتلخص أسباب الثورة فى الآتى:


١- أسباب سياسية: ترتبط بتحرير الوطن، وتحقيق سيادة البلاد واستقلالها وتصحيح الأوضاع الدستورية.


٢- أسباب اقتصادية: ترتبط بتحرير الاقتصاد الوطنى، وتوظيفه لخدمة قوى الشعب العاملة، والقضاء على الاستقلال وسوء توزيع الثروة والاتجاه إلى إدخال الثورة الصناعية للبلاد.


٣- أسباب اجتماعية تهدف إلى القضاء على الامتيازات الطبقية وتحرير المجتمع من الفساد، وتأكيد حق المواطن فى نيل حقوقه من التعليم والصحة والخدمات والأمن.


مواقف وردود الأفعال الخارجية من الثورة:


كان على أرض مصر حوالى ثمانين ألف جندى بريطانى


- كان الأسطول السادس الأمريكى يجوب البحر المتوسط شمالًا


- على الاتجاه الشمالى الشرقى كانت إسرائيل متربصة، مترصدة لاستغلال أى ظرف للعدوان على مصر وتحجيم قدراتها.


- كانت القواعد البريطانية والأمريكية تحيط بمصر من كل اتجاه.


- كان الموقف البريطانى هو الأهم أثناء الثورة وقد اتسمت ردود فعله بالترقب والمتابعة وعدم الرغبة فى التدخل لحماية الملك فاروق، أو الاصطدام بالجيش المصرى، واعتبرت الحكومة البريطانية أن ما يجرى فى مصر شأن داخلى وقد قبلت فى ذلك بالنصيحة الأمريكية لها بعدم التدخل.


- موقف الولايات المتحدة الأمريكية:


لم يكن للولايات المتحدة الأمريكية ثقل كبير فى المنطقة خلال تلك المرحلة، حيث كانت كل من بريطانيا وفرنسا هما المهيمنتان على المنطقة، ولكن الولايات المتحدة كانت لها تطلعات هيمنة على المناطق الاستراتيجية فى العالم ومنها مصر، لذلك فقد أبدت تعاطفها نحو الثورة فى خطوة أولى لبسط نفوذها وعرضت استعدادها للتعاون مع مصر سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.. ولكن الموقف تغير اعتبارًا من عام ١٩٥٥ بعد صفقة الأسلحة التشيكية لمصر.


موقف الاتحاد السوفيتى:


رغم الستار الحديدى الذى كان ينصبه حوله، إلا أنه اقترب من مصر بعد صفقة الأسلحة التشيكية ثم دوره فى المساندة السياسية لمصر فى حرب ٥٦ ثم بناء السد العالى.


موقف الدول العربية:


كان عدد الدول العربية المستقلة هى سبع دول بما فيها مصر وكان وقع الثورة متباينا من بلد لآخر، وقد انعكست آثار الثورة المصرية على كثير من الدول العربية، حيث كانت ثورة الجزائر فى نوفمبر ١٩٥٤، وثورة العراق فى ١٤ يوليو ١٩٥٨، وكذلك الثورة على الأوضاع فى لبنان فى أغسطس ١٩٥٨، ثم ثورة السودان فى ١٧ نوفمبر ١٩٥٨ ثم ثورة اليمن فى ٢٦ سبتمبر ١٩٦٢، وثورة ليبيا فى الفاتح من سبتمبر ١٩٦٩ كلها جاءت انعكاسا لانتشار الروح الثورية النابعة من الثورة المصرية.