من ناصر إلى السيسى: هذا الزعيم.. من ذاك الزعيم!

20/07/2016 - 2:23:55

بقلم: أحمد النجمي

.. بمجرد أن تقرأ العنوان سيتبادر إلى ذهنك المثل العربى القديم: «هذا الشبل من ذاك الأسد».. وهو أمر مقصود من كاتب هذه السطور، مقصود فى مضمونه لا فى ألفاظه، الأسد ملك.. وقد عاش خالد الذكر الزعيم «جمال عبدالناصر» ضد الملوك والملكية، بل إنه هو الذى حوّل مصر من (مملكة)إلى جمهورية، و «السيسي» ليس شبلًا، بل رئيس له قدره الكبير واحترامه وقيمته التى سيسجلها التاريخ، غير أن فى هذا المثل العربى القديم ما يستدعى اتخاذه عنوانًا للمقال.. فبين الرجلين - ناصر والسيسى - أمور متشابهات، تجعل استخدامنا لهذا القول القديم فى محله تمامًا، فالزعامات التاريخية تلتقى فى أمور رئيسية، هى التى تجعلها جديرة بالزعامة!


من «الناحية النظرية»، لا توجد زعامات.. يفترض أن التاريخ لا يحركه أفراد لمجرد أن لديهم «مزايا خاصة»، مثل الكاريزما، والثقافة، والقدرة على الإقناع، والقدرة على اتخاذ القرار الصائب، لا يعترف المنظرون المختصون بالتاريخ من الناحية العلمية النظرية بهذا.. وينظرون إلى فكرة الزعامة بوصفها (ادعاء ديكتاتوريًا)لتبرير استبداد الحاكم، ويقولون بفكرة (الطليعة).. التى تتصدر المشهد، لتثور.. وتقدم الحكام من صفوفها، تلك التى تعبر عن المقهوين والكادحين.


والقول هذا لا يجانبه الصواب.. لكن ما يجانبه الصواب - حقًا - أن هذه الطليعة تقدم قائدًا من صفوفها يتصدر المشهد، وأن هذا القائد.. يأخذ هذه الطليعة إلى (الموقع التاريخي)، الذى كانت تتطلع إليه، فى قيادة الشعب.. وأن هذا القائد أيضًا يحقق ما كانت ترنو إليه هذه الطليعة من آمال وطنية داخلية وخارجية.


لا نرى تناقضًا - إذن - بين فكرة الطليعة وفكرة الزعامة.. كما لا نرى تناقضًا بين (الزعامة) «والديمقراطية» بمفهومها السياسى (الحريات تحديدًا)، وإلا لما كان «سعد زغلول» فى العقدين الثانى والثالث من القرن العشرين زعيمًا تاريخيًا معتبرًا، وهو من هو فى المطالبة بالحريات الحزبية والبرلمانية والدستورية لهذا الشعب.. كذلك «جمال عبدالناصر» الذى قدم «الديمقراطية الاجتماعية» للمصريين، لينقذهم من إنحراف الديمقراطية السياسية طيلة الفترة من (١٩٢٣)حيث تم وضع أول دستور ينتقد للحريات فى مصر، إلى ٢٣ يوليو (١٩٥٢)، حين قامت ثورة يوليو المجيدة.. هذه الديمقراطية التى كانت مجرد لعبة للإقطاعيين والباشوات والبكوات وكبار ملاك الأراضى الزراعية.. وبالتالى كانت ديمقراطية الأغنياء والميسورين وحدهم، أما الفقراء.. فهم مجرد «أصوات انتخابية» يتم شراؤها فى المواسم البرلمانية.. حتى (الوفد)الحزب الذى كانت له شعبية واسعة فى الشارع فى نفس الفترة التى أشرنا إليها، سيطرت عليه فى الأربعينيات نفس هذه الطبقة، فؤاد سراج الدين وأصدقائه الذين جلبهم إلى الصفوف الأولى للوفد الأمر الذى ضرب شعبية الحزب رويدًا رويدًا وجعله يتراجع - بوضوح - لصالح التنظيمات الشيوعية، والإخوان، ومصر الفتاة فى الأربعينات .


فأية ديمقراطية هذه التى كان مطلوبًا من ناصر ورفاقه الاستمرار فيها بعد ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢؟.. لقد تمخضت - تاريخيًا - عن وهم كبير، مثل (العجل)الذى اتخذه قوم موسي.. !


إذن فلا تناقض - أيضًا - بين الديمقراطية والزعامة!


هنا يتبادر سؤال٬ طليعة الشعب فى ١٩٥٢ كيف كانت.. وهو العام الذى ولدت فيه زعامة جمال عبدالناصر وأطاحت فيه الثورة بالملك وأعوانه؟ وطليعة الشعب فى ٢٠١٣ كيف كانت.. وهو العام الذى ولدت فيه زعامة عبدالفتاح السيسى بدءًا من يوم ٣ يوليو حين أعلن بيان الخلاص من حكم «المحظورة»؟


أيضًا كيف كانت (الحالة الديمقراطية)فى مصر عشية قيام ثورة ٢٣ يوليو - التى ولدت منها زعامة ناصر - وكيف كانت (الحالة الديمقراطية)فى مصر عشية قيام ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ التى ولدت منها زعامة السيسي؟


وعلى منوال هذين السؤالين يمكن نسج المزيد من الأسئلة: كاريزما عبدالناصر وكاريزما السيسي؟ نشأة عبدالناصر فى القاهرة التاريخية ونشأة السيسى فى نفس المنطقة؟ الظرف الإقليمى والدولى المعقد الذى جاء فيه ناصر إلى حكم مصر، والظرف الإقليمى والدولى المعقد، الذى جاء فيه السيسى إلى نفس كرسى الحكم؟ الطموح الداخلى نحو التنمية والعدالة الاجتماعية لدى ناصر ولدى السيسي.. ؟


إننا هنا لا نفتش عن أسئلة تثبت أجوبتها تطابق الشخصيتين أو حتى التشابه الشديد بينهما، لكنه (التاريخ)يحقق معادلاته الخاصة، ويطبق قواعده الصارمة التى أفرزت من قبل زعامات مصرية: محمد على باشا، أحمد عرابى باشا، سعد باشا زغلول.. ثم جاء بجمال عبدالناصر، ثم يأتى الآن بعبدالفتاح السيسي.. التاريخ يثبت هذا التطابق من خلال قراءته، فقراءة التاريخ ليست كقراءة سائر أنواع المعرفة.. !


الطليعة


كانت الطليعة المصرية حين قام ناصر ورفاقه لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، مجهزة تمامًا للفكرة الثورية.. كان هناك الكثير من التنظيمات الشيوعية تحت الأرض، التى تعمل على إنضاج الفكرة الثورية وتراقبها وتغذيها، وكان هناك الإخوان ومصر الفتاة, الوفد نفسه كان فيه ما عرف آنذاك بـ«الطليعة الوفدية»، التى كانت أفكارها أكثر تقدمية من أفكار الحزب الأصلى.. كان من أشهر رموزها الناقد الكبير د. محمد مندور، وكان هناك عشرات الآلاف من الشبان الوطنيين الذى يتحرقون شوقًا للخلاص من فساد وعبث الملك المخلوع (فاروق)والاحتلال البريطانى الجاثم فوق صدور المصريين - آنذاك فى ١٩٥٢ - نحو سبعين عامًا.. إلى جانب هذه الطليعة كانت هناك أحزاب تعمل فوق الأرض، وتتداول مقاعد مجلس النواب، ولم تكن فى الحقيقة تمثل أصحاب المصالح من الناخبين، أى الفقراء والطبقة المتوسطة، قدر تمثيلها لطبقتها هي.. الأغنياء وكبار الملاك والبكوات والباشوات.. تلك كانت (النخبة)المغايرة بطبيعتها - تمامًا - للطليعة!


على هذه (التركيبة)قامت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢.. والتى لم تلتحم بـ(الطليعة)إلا بالتدريج.. ناصر قام بهذا الالتحام عبر التجربة الناصرية، من (الإصلاح الزراعي) و(إلغاء الألقاب) إلى (مجانية التعليم) ثم (تأميم قناة السويس) ثم (صد العدوان الثلاثي) ثم خوض تجربة (الميثاق) ثم (القوانين الاشتراكية) وصولًا إلى (التصنيع) فى الستينيات، حتى حلت التنظيمات الماركسية نفسها قبل حلول منتصف الستينيات، بعد أن لم تعد هناك تناقضات رئيسية بينها وبين الدولة المصرية فى عهد جمال عبدالناصر.


أما التركيبة التى قامت عليها ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ فكانت مختلفة.. فى (النخبة) أفراد وأسماء السياسيين وتيارات وائتلافات ثورية وسياسية، وهناك (المحظورة) فى سدة الحكم - لأول مرة - برئاسة المعزول (مرسي)، والأحزاب السياسية انخرط جزء منها فى «جبهة الإنقاذ الوطني» ضد حكم المحظورة، أما (الطليعة) فلم تكن مسيسة، مطالبها لا تتعدى الحريات والعدل الاجتماعي، لاحظ أنه قد مضى ١٦ عامًا على ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وتغيرت الدنيا وسقطت أيديولوجيات كثيرة، أما الجيش فعقيدته الوحيدة إنقاذ الدولة وتحريرها من هذه السلطة المنحرفة التى أخذت تلك الدولة فى اتجاه دينى وأخذت تقصى خصومها السياسيين عن المشهد.. !


إذن.. لم تقف الطليعة مع ثورة يوليو - ناصر - ولا هى وقفت إلى جانب ثورة يونيه - السيسى - بل إن طليعة (يونيه) إن جاز تسميتها بالطليعة ناصبت السيسى ودولة الثورة العداء، صحيح أن هذا حدث مع ناصر.. لكن الظروف كانت مختلفة.. المهم، هو هذا التطابق إلى حد بعيد بين الرجلين، كلاهما تزعم ثورة ليست لها طليعة متفقة على أهداف موحدة أو خطة وطنية لها هيكل واحد.. فكان أن اتجه الزعيمان - ناصر والسيسى - إلى القاعدة العريضة: الشعب.. !


الحالة الديمقراطية


حين اندلعت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢.. كانت هناك ديمقراطية شكلية.. أحزاب تتداول السلطة فى لعبة انتخابية صار «الملك» هو اللاعب الأول فيها، أبسط دليل على هذا.. هو أن الفترة من إقرار دستور ١٩٢٣ الديمقراطى حتى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ «٢٩ عامًا تحديدًا» لم يتول فيها «الوفد» - الحزب صاحب الشعبية الأكبر بين المصريين، والذى لا يأتى للحكم سوى بانتخابات نزيهة - إلا نحو ٧ سنوات وبضعة أشهر، حكمها متفرقة وليست كتلة واحدة.. !


الغريب أن هذه الأحزاب التى كان معظمها طوع بنان الملك، ويرحب ترحيبًا حارًا بخروقات الدستور التى كان الملك مدمنًا عليها، هى التى أخذت تطالب بـ «عودة الديمقراطية» بعد ٢٣ يوليو ١٩٥٢، قبل أن يصدر قرار رسمى بحلها، فلم تكن فى حقيقتها إلا جماعات مصالح يمسك بقيادتها باشاوات وبكوات من المستفيدين اقتصاديًا واجتماعيًا من الأوضاع الفاسدة التى كان الملك يوفرها لهم.. !


هكذا كانت «الحالة الديمقراطية» المزرية عشية قيام ناصر ورفاقه بثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢.. أما نظيرتها حال قيام ثورة ٣٠ يونيه ٢٠١٣ التى انحاز لها الجيش بقيادة «السيسى» فلم تكن أفضل.. إن لم تكن أسوأ.. ! كانت هناك أيضًا ديمقراطية شكلية، يتم فيها استغلال الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية المتردية للناخبين، وعرفت الانتخابات البرلمانية التى تمت فى أواخر ٢٠١١ وأفضت بـ»الحرية والعدالة» - حزب جماعة الإخوان المحظورة - إلى الأغلبية، بـ«انتخابات الزيت والسكر»، كونهم وزعوا على الناخبين كميات هائلة منهما، أما الانتخابات الرئاسية.. فقد فازوا بها عبر «خطة إرهابية» محكمة أفاضت الصحف والمجلات والفضائيات والمواقع الإلكترونية فى شرحها.. وفيما عدا الإخوان، خلت الساحة من أى لاعب سياسى محترف، فقد كان الإخوان فى حقيقتهم الوجه الآخر من نفس العملة الفاسدة المنحطة، التى حكمت فى عصر المخلوع «مبارك»: الحزب الوطنى.. والفرق بينهما لم يكن سوى اللحية.. ! لم يلغ السيسى الحياة الديمقراطية، على العكس دعمها ويدعمها، تم عمل دستور هو الأفضل فى تاريخ الدساتير المصرية إلى الآن «دستور يناير ٢٠١٤»، ثم جرى انتخاب السيسى الذى حظى - من قبل انتخابه - بشعبية نادرة كاسحة، تم انتخاب برلمان.. والإجراءات الثلاثة تمت تحت إشراف قضائى كامل ونزاهة مشهودة، لكن تبقى «الحالة الحزبية» الحالية شديدة الشبه بعصر ما قبل ٢٣ يوليو، كثير من الأحزاب بعيدة عن قواعدها الشعبية المفترضة، وكثير منها يشكل «جماعات مصالح» لاتعى دقة المرحلة!


أما الفترة التى حكم فيها الإخوان فكانت شديدة الشبه بما قبل ٢٣ يوليو.. مع الفارق بين أن يسيطر حزب مدنى مستنير له تاريخه كـ«الوفد» وأن يسيطر حزب رجعى إرهابى كالحرية والعدالة.. !


النشأة


كل من ناصر والسيسى نشأ فى «القاهرة التاريخية».. هذا المكان الذى يظنه الناس حيًا من أحياء القاهرة، مع أنه هو أساس العاصمة الحالية، وهو العاصمة التى أسسها الفاطميون وتوسع فيها المماليك.. وفى حى من أحيائها - الجمالية - نشأ كل من ناصر والسيسى وفى جزء من هذا الحى، تحديدًا «الخرنفش».. عاش جمال عبدالناصر بعضًا من سنوات الصبا، وعاش السيسى صباه وشبابه الأول.. من قيم أحياء القاهرة التاريخية - لمن لا يعرف - يتشبع أهلها، لا نبالغ إذا قلنا إن «الانفتاح» الذى قلب المنظومة الاجتماعية للمصريين ودمرها تدميرًا بالتدريج - منذ منتصف السبعينيات - كان أثره فى هذه المنطقة أبطأ قليلًا من غيرها، برغم عنف هذا الأثر.


قيم القاهرة التاريخية فى نشأة ناصر والسيسى تتشابه: احترام الكبار، العطف على الأطفال والمحتاجين، الاعتقاد الصوفى، الوقوف إلى جانب الحق والانتصار له «ما يعرف فى العامية بالجدعنة»، وقيم الشهامة والصراحة وأيضًا خفة الدم وحب المزاح «ما يعرف فى العامية بابن البلد».


لا يفوتنا هنا اختلاف الانتماء الطبقى لناصر والسيسى.. فبرغم تطابق جغرافية النشأة، وتطابق القيم - بالتالى - بين الاثنين.. إلا أن ناصر ابن «البوسطجى» ينتمى إلى الطبقات الفقيرة من المجتمع، والسيسى الذى كان والده من أكبر تجار العاديات والتحف فى «خان الخليلى» هو ابن شريحة عليا من الطبقة المتوسطة.. وهاتان الطبقتان عادة ما تربطهما قيم مشتركة، ولا ننسى أن نذكر أن من بين أهم هذه القيم.. حب الوطن، وإن ما خرجوا فى تظاهرات الثلاثينيات الوطنية - والتى شارك فيها ناصر قبل التحاقه بالكلية الحربية - ليسوا سوى آباء وأجداد من خرجوا فى تظاهرات ٣٠ يونيه التى أطاحت بالإخوان.. وحب الوطن هو الرابط بين تفكير الرجلين: «ناصر والسيسى».


الكاريزما


يلتقى السيسى مع ناصر أيضًا فى «الكاريزما» تلك التركيبة الشخصية الفريدة التى تختطف الأبصار والقلوب.. وتتعلق بها الجماهير.


فى تاريخ مصر الحديث والمعاصر.. هناك شخصيات لها كاريزما «لحظية»، أى تعيش للحظات بعينها، وتتمثل فى مواقف بعينها ثم تزول .. لكن تبقى شخصيات قليلة للغاية تتمتع بالكاريزما طوال الوقت.


ونذكر موقفًا واحدًا لناصر.. وآخر للسيسى تجسدت فيهما هذه الكاريزما كأقوى ما تكون.


يوم أعلن خالد الذكر جمال عبدالناصر تأميم قناة السويس فى ٢٦ يوليو ١٩٥٦، فتداعت له الجماهير المؤيدة من الإسكندرية إلى أسوان تؤيد - بحماس منقطع النظير - هذه الخطوة التى كانت فى ذلك الوقت من وراء الخيال، إذ يذكر المؤرخون، وعدد ممن عايشوا هذا الحدث التاريخى العظيم أن أحدًا من المصريين لم يعارض التأميم، حتى بقايا الوفد والإخوان التزموا الصمت، استيقظ الشعب كله من جديد ودبت فيه الروح وسرت فى شرايينه العزيمة بخطوة التأميم.


ويوم أعلن السيسى الاكتتاب الوطنى لتمويل حفر قناة السويس الجديدة دون مليم واحد من القوى الأجنبية التى كانت تتلمظ لهذا المشروع، وقدر الخبراء أن المصريين سيجمعون الرقم المطلوب «٦٠ مليار جنيه» فى شهور ربما تصل إلى سنة كاملة، فما كان من المصريين إلا أن جمعوه فى ٨ أيام وحسب.. فى ملحمة جديدة كتبت بحروف من نور فى سجلات التاريخ الوطنى لمصر.


نعود لنذكر موقفًا آخر.. وراءه «الكاريزما» التى تكسب «الزعيم» الثقة التامة لدى شعبه.. يوم واجه جمال عبدالناصر والقوات المسلحة الباسلة العدوان الثلاثى على مصر فى أكتوبر ١٩٥٦، وكيف التف الشعب كله حول زعيمه حتى اندحر العدوان، وخرجت الدولة المصرية منتصرة سياسيًا وبقوة.. ألا يحيلنا هذا إلى مواجهة الشعب المصرى كله للإرهاب الآن - سواء فى سيناء أو على حدودنا مع ليبيا أو هنا فى الداخل - فى اصطفاف فريد وراء (عبدالفتاح السيسى)؟! (كاريزما) السيسى تقنع الناس، وتجاربهم المتكررة معه تؤكد الثقة، مثلما أكدت ثقتهم بجمال عبدالناصر فى الخمسينيات والستينيات.. !


وفى هذا الركن من أركان التشابه بين الزعامتين تكتب آلاف السطور، التى نكتفى منها بما ذكرنا.. !


تحديات خارجية


ولدت زعامة جمال عبدالناصر وسط تحديات إقليمية ودولية جسيمة.. العالم يودع زمن الاستعمار القديم البريطانى- الفرنسى ويستقبل زمن (الحرب الباردة) بين القطبين الأمريكى والسوفيتى، والمنطقة القريبة لاتزال دول فيها- بما فيها مصر- تحت الاحتلال، وإفريقيا السمراء ترزح- بالكامل- تحت نير الاحتلال، وعدد من دول آسيا وأمريكا اللاتينية يخوض ثورات إما ضد الاستعمار أو ضد حكومات عميلة لهذا الاستعمار.. وكان قدر مصر أن تتصدى لهذا الوضع، وتدعم تغييره، وتنخرط- مباشرة، فى بعض الأحيان- فى عدد من حركات التحرر العربية (الجزائر، اليمن.. كمثال) أو فى إفريقيا (الكنغو مثلًا.. )، وتدعم حركات التحرر فى أمريكا اللاتينية (حسبك منها كاسترو وجيفارا.. ) وآسيا وغيرها.. وتؤسس (حركة عدم الانحياز) لتنأى مصر بإرادتها عن الاستمالة لهذا أو ذاك من القوى، وتقوم بتنويع مصادر السلاح لتبعد جيشها عن تقييد إرادته وتوجهاته، وتقيم علاقات مع الاتحاد السوفييتى، والكتلة الاشتراكية لتوازن علاقاتها الدولية مع الغرب.


وولدت زعامة عبدالفتاح السيسى وسط تحديات إقليمية ودولية جسيمة.. خارطة العالم كله قيد التغيير، وهناك مؤامرة دولية حقيقية على (الشرق الأوسط) تدور منذ خمس سنوات، حرب أهلية فى سوريا ومثلها فى اليمن وحرب ضد الإرهاب فى العراق وسقوط كامل للدولة فى ليبيا وإرهاب يضرب العالم كله دون استثناء باسم الدين.. وكان قدر مصر فى عصر السيسى أن تتصدى أيضًا لهذه الأوضاع، وهى الدولة العربية الوحيدة، التى خرجت سليمة الجسد من (الربيع العربى)، الذى حوله الاستعمار العالمى من حلم وطنى مشروع وشعبى إلى كابوس رهيب لتقسيم الدول العربية.. فإذا بمصر فى عصر السيسى تستقل بعلاقاتها الدولية عن نهج مبارك فى التبعية لواشنطن، وإذا بها تنوع مصادر السلاح، وإذا بها تتخذ مواقف إقليمية ودولية جديدة، بعد أن ظن الغرب أن مصر قد اختفت من الخارطة السياسية الدولية منذ قال السادات (٩٩ فى المائة من أوراق اللعبة فى يد أمريكا).. وها هو السيسى يسقط هذه المقولة ويواريها التراب.. وإذا به يواجه نفس العدو الذى واجهه ناصر: أمريكا وحلفاءها فى المنطقة من إسرائيل إلى تركيا والجديد (قطر) العربية مع الأسف.. وهو الصراع الذى تدور رحاه حتى الآن.. !


طموحات داخلية


يبدو المشروع التنموى لجمال عبدالناصر شامخًا يستعصى على الهدم ويستعصى على المحاكاة.. ناصر هو الذى أنشأ السد العالى، ومجمع الألومنيوم، ومصانع الحديد والصلب، ومفاعل أنشاص، ومؤسسات وشركات ومصانع القطاع العام، والمصانع الحربية، وهو الذى أمم قناة السويس، وأطلق مجانية التعليم، والثورة التى صنعها مع رفاقه هى التى قامت بالإصلاح الزراعى، وألغت الألقاب، وتحولت بالمجتمع إلى اتجاه اشتراكى له طبيعته الخاصة، وقاد ثورة ثقافية وإعلامية غير مسبوقة.. معتمدًا فى كل هذا على «الدولة» وليس على الأغنياء، الذين جرى تأميمهم فى أول الستينيات.


المشروع التنموى للسيسى يعتمد- بالأساس- على الدولة المصرية أيضًا.. وبالأخص على (القوات المسلحة)، ويمتد مشروعه التنموى هذا على نفس أرضية (ناصر): التنمية الدائمة.. أى التى يمتد أثرها لأجيال متعاقبة، بعيدًا عن (الفكرة الاستهلاكية )، فى زمن السيسى تم شق قناة السويس الجديدة فى زمن قياسى (عام واحد) وبتمويل وطنى شعبى مائة فى المائة، وتم إطلاق المشروع النووى (الضبعة) - الذى تتبقى بعض تفاصيله- وإطلاق مشروع المليون ونصف المليون فدان (الفرافرة) ومشروعات الإسكان الاجتماعى الضخمة، التى تحل مشكلتى العشوئيات والإسكان معًا (آخرها الأسمرات)، وثمة مشروعات فى الطريق لإنقاذ المصانع الضخمة (كالحديد والصلب بحلوان (.. لم يمد يده إلى أموال رجال الأعمال، ومن بينهم من نهب مصر فى زمن مبارك!


يتشابه- إلى درجة كبيرة- المشروع التنموى لناصر والسيسى فى عناصرهما، لكن تبقى تأثيرات الزمن والفارق فيه بالسنوات ٤٤ عامًا ما بين المشروعين١٩٧٠ حين توفى ناصر.. و٢٠١٤ حين تولى السيسى الرئاسة.


من زعامة ناصر- إذن- ولدت زعامة السيسى، من نفس الأرض المصرية الطيبة، ومن نفس الجغرافيا الفريدة فى القاهرة التاريخية، ومن نفس المؤسسة العريقة التى عاهدت الله على ألا تلد لمصر إلا الأبطال.. مؤسسة القوات المسلحة التى أنجبت أحمد عرابى أول ثائر مصرى حر فى تاريخنا، ثم جمال عبدالناصر العظيم الذى قاد أكبر ثورة حركت مصر فى الداخل والخارج إلى دورها التاريخى، ثم عبدالفتاح السيسى الذى يقود الآن مصر بنفس عزيمة وقوة ووطنية جمال عبدالناصر إلى الأمام.. مع اختلافات واضحة فى الظروف التاريخية بينهما.


حقًا.. إن هذا الزعيم من ذاك الزعيم!