تجربة جمال عبد الناصر فى بناء اقتصاد وطنى

20/07/2016 - 2:06:51

بقلم - د. عاصم الدسوقى

فى ذكرى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ هناك الكثير والكثير مما يمكن قوله والتذكير به من باب المقارنة بين حالة مصر الناصرية وحالتها بعد التخلى عن مبادئ الثورة وأهدافها منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين وخاصة فيما يتعلق بالسياسات الاقتصادية وتداعياتها الاجتماعية والثقافية، هذا التخلى الذى بدت أول نتائجه سريعا فى مظاهرات ١٨-١٩ يناير ١٩٧٧ حين أعلنت الحكومة رفع الدعم عن سلع استهلاكية أساسية (الأرز والسكر والجاز..) استجابة لشروط صندوق النقد الدولي، فانتفضت الجماهير محتجة، فما كان من السادات إلا أن وصف ما حدث بأنه "انتفاضة الحرامية"، وتراجعت الحكومة عن رفع الأسعار، الحكومة تعلمت من هذا الدرس ألا تعلن مقدما عن رفع سعر سلعة ما، وأصبح الأمر يتم فى الخفاء ويفاجأ الجمهور بارتفاع الأسعار "دكاكيني" فى إطار آليات العرض والطلب وقانون السوق الحر (سياسات الانفتاح)، وأصبح الشعب دون ظهير يحميه.


واستمر الحال على ذلك المنوال أكثر من ثلاثين عاما. فلما استحكمت الأزمة وضاقت حلقاتها دون أمل، انطلقت الثورة فى ٢٥ يناير ٢٠١١، وطالب المتظاهرون: بالحرية والكرامة والعدل والمساوة. ومن المعروف بداهة أن من يطالب بشىء ما معناه أنه يفتقده، إذا لا يوجد من يطالب بشيء موجود أصلا. ثم تكرر الأمر مرة أخرى فى ٣٠ يونيه ٢٠١٣ حين لم تشعر الجماهير بأى تغيير نحو تحقيق مطالبها فى الكرامة والعدل والمساواة.


وعلى هذا يكون من المناسب عند الحديث عن ذكرى ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ أن نتناول الجانب الاقتصادى فى سياسات جمال عبد الناصر والتى كان من شأنها إحداث درجة كبيرة من التماسك الاجتماعى بين المصريين بحيث لم تُقم مظاهرة زمن حكمه لها مطالب اجتماعية، إذ من المعروف أن المظاهرة الوحيدة التى قامت فى عهده كانت فى فبراير ١٩٦٨ احتجاجا على الأحكام "الخفيفة" التى صدرت بحق ضباط وقيادات سلاح الطيران فى عدوان يونيه ١٩٦٧، واستجاب عبد الناصر وقرر إعادة المحاكمة ونبه على شعراوى جمعة وزير الداخلية ألا يطلق رصاصة على المتظاهرين ..


على كل حال .. قبل أن يخوض جمال عبد الناصر تجربة بناء اقتصاد وطنى يدعم من شأن الاستقلال السياسى الذى تحققت أركانه بالاتفاق مع الإنجليز على الجلاء عن البلاد، كانت مصر قد مرت بتجربة سابقة فى بناء اقتصاد مستقل على يد محمد على باشا الذى تولى حكم مصر (١٨٠٥-١٨٤٩). ورغم أنه كان مجرد والٍ تابع للسلطان العثماني، إلا أنه كان يختلف عن الذين سبقوه من ولاة، إذ لم يكتفِ بتحصيل الضرائب وإرسالها إلى السلطان بل لقد أدار كل الأنشطة الاقتصادية بمعرفته فيما عرف بنظام "الاحتكار"، ولم يعد يستورد أية منتجات أوربية إلا بعض مستلزمات الإنتاج فى الوقت الذى كانت أوربا الصناعية بحاجة إلى السوق الخارجية لتصريف المنتجات الزائدة والحصول على المادة الخام الرخيصة.


ولما كانت إنجلترا أكثر القوى الصناعية تضررا من سياسات محمد على الاقتصادية فقد أسرعت بعقد اتفاقية مع السلطان العثمانى فى أغسطس ١٨٣٨ (بلطة ليمان نسبة إلى المكان الذى عقدت فيه فى ضواحى استانبول) لإرغام باشا مصر على فتح السوق المصرية أمام المنتجات الإنجليزية مقابل تحصيل رسوم جمركية من ٣-٩٪ حسب الجدول، لكن محمد على رفض تنفيذ الاتفاقية وقال: "إن تنفيذها معناه أن أنقض الغزل الذى أنسجه"، وهى عبارة لها مغزاها، إذ إن فتح السوق المصرية أمام المنتجات الإنجليزية الأكثر جودة من شأنه أن يؤدى إلى كساد الصناعات المحلية الوليدة. وهذا ما حدث إذ انتهى الأمر بتحالف أوربا مع السلطان العثمانى للقضاء على محمد على بمقتضى تسوية لندن المشهورة (يوليو ١٨٤٠) التى قررت أن محمد على ملزم بتطبيق الاتفاقيات التى يعقدها السلطان مع أية دولة وتلك إشارة إلى اتفاقية بلطة ليمان حتى لا تكون مصر قوة اقتصادية تستغنى عن إنجلترا.


وبالقضاء على سياسة محمد على الاقتصادية بدأ عصر الانفتاح الأول الذى أدى إلى دخول الاستثمارات الأوربية من كل صوب وحدب وتراكمت الديون وانتهى الأمر بالاحتلال البريطانى لمصر (١٨٨٢) ليؤكد تبعية السوق المصرية فى الإنتاج والاستهلاك للسوق الرأسمالية العالمية (أوربا). فقد فرضت السلطات البريطانية على المنسوجات القطنية ضريبة مقدارها ٨٪ تعادل الرسوم الجمركية التى كانت تفرض على الواردات من تلك المنسوجات، مما أدى إلى كساد صناعة غزل القطن ونسجه، وفرضت على السكر المصرى ضريبة استهلاك فارتفع سعره وتساوى مع سعر السكر المستورد، وفرضت عــلى الصادرات المصرية رسوماً قدرها (١.٢٥٪) مما أدى إلى ارتفاع سعرها فى السوق الخارجية فلا تجد مشترياً لها. وأكثر من هذا أن المستثمرين الأجانب فى مصر أحجموا عن استثمار أموالهم فى الصناعة، حتى يفسحوا المجال لتسويق منتجات بلادهم فى مصر. ففى مطلع القرن العشرين بلغ رأس مال الشركات الأجنبية المساهمة فى مصر ٤٥ مليوناً من الجنيهات، لم يزد نصيب المستثمر منها فى الصناعة على ٤ ملايين فقط.


وأمام هذه المنافسة غير المتكافئة، وعجز الحكومة المصرية عن حماية الصناعات المحلية لم يعد أمام الحكومة سوى بيع ما تملكه من مغازل القطن ومعامل النسيج، وإغلاق مصانع المدافع والذخيرة وبيع أدواتها. وأصبحت تعتمد فى تمويل الجيش بالمهمات والذخيرة على الشراء من انجلترا. وأصبحت البضائع المستوردة تشكل نسبة كبيرة من استهلاك المصريين، حتى لقد كان اللورد كرومر (المعتمد البريطانى فى مصر) يفخر فى آخر تقاريره السنوية عن مصر لعام ١٩٠٥ بقوله: "إن المنسوجات الأوربية حلت محل المنسوجات الأهلية، وإن الدكاكين المحلية أصبحت تبيع كل ما هو أوربى الإنتاج".


وارتفع شأن رءوس الأموال المستثمرة فى مجال الشركات والبنوك الخاصة، وخلال الفترة من ١٩٠٠–١٩٠٧ أنشئت فى مصر أكثر من ١٦٠ شركة وبنكاً تعمل جميعها فى دائرة المعاملات المالية واستصلاح الأراضى واستغلالها، وتسليف الفلاحين. وبلغت نسبة الأجانب فى هذه المشروعات ٩٢٪. وكان أخطرها على الاقتصاد المصرى إنشاء البنك الأهلى (٢٥ يونيه ١٨٩٨) بامتياز لمدة ٥٠ سنة تنتهى فى ١٩٤٨، وهو مشروع انجليزى احتكر إصدار الأوراق المالية المصرية وكافة الأعمال المصرفية مما أدى الى ارتباط العملة المصرية بالعملة الإنجليزية، بحيث كانت أية هزة فى العملة الإنجليزية تؤثر على العملة المصرية. ومع ذلك فقد امتثلت الحكومة المصرية للضغط البريطانى ووافقت فى ١٩٤٠ على مد امتياز البنك لمدة ٤٠ عاما أخرى (تنتهى فى ١٩٨٨)، وتم إطلاق يده فى إصدار البنكنوت دون رصيد ذهبى مما زاد فى معدل التضخم، وازداد العجز فى الميزان التجارى بشكل ملحوظ، ففى عام ١٩٤٦ كان ١٤ مليون جنيه بلغ ٣٩ مليونا عام ١٩٥١.


***


تلك مقدمة ضرورية طالت قليلا لنعرف أن الاقتصاد المصرى عشية ثورة يوليو كان اقتصادا تابعا للسوق الرأسمالية العالمية ترتب عليه تبعية القرار السياسى حسب مقتضى الحال .. فماذا فعل جمال عبد الناصر؟.


حين تسلم الثوار خزانة الحكومة وجدوا عجزا قدره ٢٥ مليون جنيه ووجدوا رصيدا احتياطيا هبط من ٧٥ مليونا إلى ١٦ مليونا فقط، وزاد من حجم الأزمة أن بريطانيا أحجمت عن شراء القطن المصرى عقب قيام الثورة فورا وأصدرت تعليمات سرية بعدم قبول طلبات الاستيراد من إنجلترا، إلا إذا تم دفع الثمن كاملا وبالإسترليني، فضلا عن التوقف عن القيام بعمليات التأمين على الصادرات إلى مصر فأحجم المصدرون الإنجليز عن المغامرة، ولم تزد مشتريات بريطانيا من القطن موسم ١٩٥٢ (شهر أكتوبر) على ٢٪ وذلك من باب فرض حصار اقتصادى على مصر. وبدأت حكومة الثورة العمل مبكرا لعلاج العجز ففى ١٢ أغسطس ١٩٥٢ تقرر فرض ضريبة ١٠٪ على المبالغ والتحويلات المرخص بها للمسافر إلى الخارج، وتقرر زيادة الضريبة على الإيرادات العامة بالنسبة للشرائح العليا، وعلى الأرباح التجارية والصناعية والمهن الحرة، وفرضت ضريبة على التركات (١٨/٨/١٩٥٢).


وفى ٩ سبتمبر (١٩٥٢) صدر قانون الإصلاح الزراعى لتجريد كبار ملاك الأراضى الزراعية من سلاح قوتهم السياسية، وضبط علاقات الإيجار. وكان وضع الملكية الزراعية فى مصر سببا رئيسيا للبؤس الاجتماعى للفلاحين فى مصر وهم الأغلبية العظمى من المصريين، ففى عام ١٩٥٢ عشية الإصلاح الزراعى كان المالكون لأكثر من ٢٠٠ فدان أقل من ١ ٪ من إجمالى عدد ملاك الأراضى الزراعية ويملكون ٣٠٪ من إجمالى مساحة الأرض الزراعية، فى حين بلغت نسبة الذين يملكون أقل من خمسة أفدنة ٩٤,٣٪ بنسبة ٣٥٪ من إجمالى المساحة. أما نسبة الـ ٣٥٪ الباقية من جملة مساحة الأرض الزراعية فتوزعت بين ملكيات أقل من ٢٠٠ فدان إلى أكثر من خمسة أفدنة وبلغت نسبتهم ٥,٦٪ . أما عدد الأسر المعدمة فى الريف فكانت فى ازدياد ملحوظ، ففى عام ١٩٢٩ كانت نسبتهم ٢٤٪ ارتفعت فى عام ١٩٣٩ إلى ٣٨٪ ثم إلى ٤٤٪ عام ١٩٥٠. وعلى هذا استهدف القانون تعديل ميزان ملكية الأرض بتوزيع الأرض الزائدة على حد الملكية على صغار المستأجرين وصغار الملاك لأقل من خمسة أفدنة (المادة التاسعة من القانون رقم ١٧٨ لسنة ١٩٥٢).


وبفعل سياسات الإصلاح الزراعى انخفضت نسبة الأسر المعدمة فى الريف من ٤٤٪ عام ١٩٥٠ من إجمالى عدد أسر الريف كما سبقت الإشارة إلى ٣٠٪ عام ١٩٦١، ثم إلى ٢٨٪ عام ١٩٦٥. ثم عادت للارتفاع فى مطلع السبعينيات إلى ٣٣٪ بسبب توقف برامج الإصلاح الزراعى بعد رحيل عبد الناصر.


ولقد كان لتحديد إيجار الأرض الزراعية بسبعة أمثال الضريبة (٢١ جنيها للفدان)، وتحديد "المزارعة" بنصف المحصول، تأثيره الكبير على الانتعاش الاقتصادى لصغار المستأجرين، إذ تمكنوا من الانتفاع الحقيقى بجزء من ناتج قوة عملهم لينفقوه على احتياجاتهم الاجتماعية وكان قبل ذلك يذهب إلى جيب المالك حيث كان إيجار الفدان قبل الثورة يتراوح بين ٢٥-٦٠ جنيها للفدان الواحد. ثم تقرر إلغاء الوقف الأهلى (١٤ سبتمبر ١٩٥٢) وكان وجوده مثار سخرية الأعمال الدرامية (راجع على سبيل المثال أفلام نجيب الريحانى ومسرحياته)، كما كان إلغاؤه أملا عند المفكرين الإصلاحيين من قبل لأن الأعيان الموقوفة تحول دون تداولها واستثمارها اقتصاديا.


وخلال ثمانية عشر عاما (١٩٥٢-١٩٧٠) وبفعل الإصلاح الزراعى تغيرت أحوال الزراعة المصرية، فقد زادت مساحة الأراضى المزروعة حوالى مليونى فدان نتيجة عمليات الاستصلاح.


كما اهتمت حكومة الثورة بأبناء الفلاحين من عمال الورش والمصانع حيث تقرر إلغاء الفصل التعسفى للعمال وكان أصحاب المصانع يمارسونه دون حسيب أو رقيب بحيث لم يكن العامل يأمن على يومه. كما تقرر إنشاء صندوق للتأمين وآخر للإدخار للعمال (٣١ أغسطس ١٩٥٥) تحول إلى مؤسسة للتأمين ضد الشيخوخة والوفاة والعجز وأمراض المهنة والبطالة والمرض. كما نظم القانون التعويض عن إصابة العمل (١٨ ديسمبر ١٩٥٨)، ثم صدر قانون جديد للعمل (٥ أبريل ١٩٥٩). كما تقرر من قبل وفى ١٧ سبتمبر ١٩٥٢ تخفيض إيجارات المساكن ١٥٪ للمبانى التى أنشئت منذ أول يناير ١٩٤٤، وقد قصد به التيسير على عمال المدن والحرفيين والموظفين نظرا لثبات الأجور والمرتبات.


ثم بدأت حكومة الثورة توجه أنظارها إلى الإنتاج والخدمات بما يهدف إلى إنعاش الوضع الاقتصادى وتقويته فتم إنشاء المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومى (١٢ أكتوبر ١٩٥٢) ومهمته بحث المشروعات التى تتعلق بالتنمية زراعيا وصناعيا وتجاريا. وفى نوفمبر ١٩٥٢ تقرر تعطيل بورصة عقود القطن بالإسكندرية على أن تتولى الحكومة شراء القطن وبيعه لحسابها وترد لمنتجيه ما قد تحصل عليه من أرباح. وكان التلاعب بأسعار القطن والمضاربة عليه قد بلغ مبلغا فى عام ١٩٥١ أثار الرأى العام زمن حكومة الوفد الأخيرة (١٩٥٠-١٩٥٢)، ثم أعيد افتتاح البورصة فى سبتمبر ١٩٥٥ بسياسة جديدة تضمن حدا أدنى للأسعار.


وفى الوقت نفسه عملت حكومة الثورة على اجتذاب رأس المال الأجنبى للمساهمة فى عمليات التنمية الشاملة وليس فقط فى مجال الخدمات، فتقرر بالقانون رقم ١٢٠ لسنة ١٩٥٢ تخفيض نسبة رأس المال المخصص للمصريين فى الشركات إلى ٤٩٪ بدلا من ٥١٪ كما كان قد تقرر من قبل فى عام ١٩٤٧. وأكثر من هذا تقرر السماح بإعادة تحويل رأس المال الأجنبى إلى الخارج فى حدود ٢٠٪ سنويا من قيمته بعد خمس سنوات من تاريخ وروده. كما أجاز لصاحب المال أن يطلب إعادة تحويله بالكامل إلى الخارج إذا حالت دون استثماره صعوبات عملية (٢ أبريل ١٩٥٣).


كما تم تشجيع رأس المال المصرى للمساهمة أيضا فى التنمية حين تقرر جواز إعفاء الشركات المساهمة وشركات التوصية من الضرائب على الأرباح التجارية والصناعية والقيم المنقولة لمدة سبع سنوات إذا كان غرضها إنشاء مشروع لازم لدعم الاقتصاد القومى فى الصناعة أو التعدين أو القوى المحركة (قانون رقم ٤٣ لسنة ١٩٥٣). وفى إطار سياسة التشجيع تم تخفيض الرسوم الجمركية على استيراد الآلات والمواد الخام وإلغاء بعضها، وزيادتها على المواد الكمالية والمصنوعات التى لها نظير فى البلاد حماية للصناعة الوطنية.


وإلى جانب المجلس الدائم لتنمية الإنتاج القومى تقرر إنشاء مجلس دائم للخدمات العامة (١٧ أكتوبر ١٩٥٣) لوضع الخطط الرئيسية للتعليم والصحة والعمران وبمقتضاه تكونت الوحدات المجمعة فى الريف والأحياء الشعبية. وبدأ تشجيع البحث العلمى لتستند إليه سياسة الدولة إذ تم إنشاء المعهد القومى للبحوث (١٩٥٣) تحول إلى المركز القومى (١٩٥٥)، وأنشئت مؤسسة الطاقة الذرية عام ١٩٦٠ نجحت فى ١٩٦١ فى إنشاء أول مفاعل نووى لإنتاج النظائر المشعة. كما أنشئت عدة معاهد نوعية للبحث العلمي: معهد الصحراء، وعلوم البحار والمصايد، وبحوث البناء، والأرصاد. ومن نتائج هذه الدراسات كان مشروع الوادى الجديد الموازى للوادى القائم، وذلك بإصلاح الأراضى البور الممتدة من منخفض القطارة غرب النيل إلى جنوبى أسوان ومساحتها ١٠ ملايين فدان، وكذا مصانع الحديد والصلب بحلوان وسلسلة المصانع الحربية ومجمع الألومنيوم بأسيوط.


وبفضل تقييد الاستيراد وتخفيض رسوم التصدير على غالبية السلع وفتح أسواق فى بلاد مختلفة تحسن الميزان التجارى وكان العجز فيه عام ١٩٥٢ قد بلغ ٧٢ مليون جنيه انخفض فى ١٩٥٣ إلى ٣٧ مليون جنيه وإلى ٢٠ مليونا وستمائة ألف جنيه فى عام ١٩٥٤ ثم ارتفع عام ١٩٥٥ إلى ٤١ مليونا وثلاثمائة ألف جنيه بسبب زيادة استيراد أدوات الإنتاج كالعدد والآلات والأنوال والعدادات الكهربائية وأدوات البناء، ثم ارتفع فى عام ١٩٥٦ إلى ٤٣ مليونا وثمانمائة ألف جنيه، ثم انخفض فى ١٩٥٧ إلى ١١ مليونا وهو أقل عجز منذ عام ١٩٤١.


وفى أعقاب تأميم قناة السويس (٢٦ يوليو ١٩٥٦) قرر عبد الناصر أن تقوم الدولة بكامل الدور الاقتصادى فى الاستثمار. وكانت البداية فرض الحراسة على المؤسسات الإنجليزية والفرنسية وعددها ١٥٠٠ مؤسسة من بنوك وشركات تأمين وبترول وتعدين فى أعقاب العدوان الثلاثى فى أكتوبر-نوفمبر ١٩٥٦، وتأسست وزارة الصناعة لتوجيه شئون التصنيع واستغلال الثروة المعدنية. وبعد انسحاب القوات المعتدية فى ٢٣ ديسمبر ١٩٥٦ تم إنشاء مجلس التخطيط الأعلى (١٣ يناير ١٩٥٧) ليتولى تحديد الأهداف الاقتصادية والاجتماعية للدولة وإقرار خطط التنمية فى مراحلها المختلفة تفرعت منه لجنة التخطيط القومى لإعداد الخطة العامة للتنمية، ثم تم دمج كل من مجلس تنمية الإنتاج القومى ومجلس الخدمات العامة.


ومع قرار إنشاء مجلس التخطيط الأعلى (١٣ يناير ١٩٥٧) تم إنشاء المؤسسة الاقتصادية للإشراف على المؤسسات المؤممة. وفى اليوم التالى لإنشاء هذه المؤسسة تقرر تمصير البنوك (١٤ يناير) وكان رأس مال هذه البنوك فى آخر ديسمبر ١٩٥٦ مثلا لا يزيد عن ٥.٢ مليون جنيه ومع ذلك تتحكم فى نحو ١٠٠ مليون جنيه مصرى من جملة ودائع البنوك التجارية التى تزيد قليلا على ١٩٥ مليون جنيه وبلغت ودائع المصريين فيها من ٧٠-١٠٠ مليون جنيه. ثم تلا ذلك تمصير شركات التأمين وكان عددها ١٣٥ شركة حسب إحصاء ١٩٥٤ منها ١٢٣ شركة غير مصرية تملك ٢٠ مليون جنيه من مجموع أصول شركات التأمين وقدرها ٣٨ مليون جنيه. كما تم تمصير الوكالات التجارية وقصر مزاولة أعمالها على المصريين أو الشركات المساهمة بحيث تكون أسهمها للمصريين.


***


وكان لهذا الدور الاقتصادى للدولة نتائج ملحوظة ففى تقرير لمنظمة العمل الدولية عام ١٩٥٩ أثبت أن الدخل الفعلى للعامل المصرى ارتفع بنسبة ٢١٪، وفى عام ١٩٦٠ احتلت مصر المرتبة الثالثة فى المؤتمر العلمى العالمى الذى نظمته الأمم المتحدة بالنسبة لعدد الأبحاث العلمية التى تقدم بها علماؤها ونوقشت فى المؤتمر. ثم أقدمت حكومة الثورة على تأميم جميع وسائل الإنتاج الكبيرة الأجنبية والمصرية فى يوليو ١٩٦١ وإقامة القطاع العام للقيام بالمشروعات التى يتردد رأس المال الخاص فى إقامتها. ولم يكن القطاع العام يستهدف الربح وإنما كان يستهدف منع الاستغلال الرأسمالى ولهذا كانت السلعة تقدم للمستهلك بتكلفتها تقريبا، ولو كان يستهدف الربح لكان من السهل تسعير منتجاته تسعيرا رأسماليا. وقد سجلت الإحصاءات فى أبريل ١٩٦٢ أى بعد حوالى عشرة أشهر من التأميم زيادة قدرها ٩,٢٪ فى إنتاج الشركات المؤممة. وفى أول مايو ١٩٦٥ أعلن جمال عبد الناصر أن الخطة الخمسية الثانية سوف تبدأ فى يوليو وتستهدف الصناعة الثقيلة والادخار، وهذا معناه زيادة الإنتاج وتوفير النفقات بإنهاء استيراد المستلزمات الأساسية للإنتاج وتشجيع التصدير حتى يصبح الميزان التجارى فى صالح الدولة ويصبح الاستقلال مصونا.


وعلى هذا كان منتصف الستينيات قمة إنجازات ثورة يوليو فى بناء اقتصاد وطنى مستقل، وبدأ تنفيذ الخطة الخمسية الثانية التى استهدفت بناء قوة صناعية كبرى. لكن هذه القوة الصناعية المحتملة لمصر كانت هاجس الإمبريالية الأمريكية وكانت وراء سعى أمريكا لتصفيتها حتى تحتفظ بالسوق المصرية تابعة ومن ثم السوق العربية لصالح المنتجات الرأسمالية الأمريكية. ومن هنا تم تدمير تجربة عبد الناصر فى بناء اقتصاد وطنى مستقل وبرحيله بدأ عصر الانفتاح الثانى وعادت مصر سوقا للاستهلاك بعد أن كانت قلعة للإنتاج.