أقامت ١٢٠٠ مصنع فى معظم المجالات التصنيع هو الحل .. درس ثورة يوليو

20/07/2016 - 2:03:25

تحليل يكتبه: محمد حبيب

نالت الصناعة اهتماما كبيرا بعد ثورة ٢٣ يوليو، فمشروع الرئيس جمال عبدالناصر لنهضة مصر كان يقوم على نقل المجتمع المصري من مجتمع راكد ومتخلف إلى مجتمع نام ومتطور، وهذا الهدف لم يكن من الممكن تحقيقه إلا من خلال «الإصلاح الزراعى، ومجانية التعليم، وتعظيم التصنيع .. « هذه المبادئ الثلاثة الأساسية التى طبقتها ثورة يوليو، وكان من نتائجها إنشاء مئات المصانع والشركات وإقامة عدد من القلاع الصناعية الكبرى في المحلة الكبرى وكفر الدوار وشبرا الخيمة وفي حلوان ومجمع الألومنيوم بنجع حمادى، والمصانع الحربية، والمشاريع الضخمة كالسد العالي، مشروعات ضخمة ساهمت بشكل كبير في الارتقاء بالمجتمع المصري وزيادة مساهمة الصناعة في الناتج القومى وتحقيق نسبة نمو خلال الفترة من عام ١٩٥٧ – ١٩٦٧ بلغت ٧ ٪ سنويا، ما يعنى أن مصر استطاعت فى عشر سنوات من عصر عبد الناصر أن تحقق تنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر الزعيم.


قبل ثورة يوليو كان المجتمع المصري مجتمعا زراعيا، يعمل بالزراعة معظم المصريين (نحو ١٦ مليونا من أصل ١٩ مليونا هم عدد السكان عند قيام الثورة )، وكان هؤلاء المزارعون لا يحصلون على عائد مجز من الزراعة ، يتحصلون علي الفتات بينما العوائد تذهب لجيوب الإقطاعيين الذين كانوا يحصلون على هذه العوائد في شراء أراض فقط وليس الاتجاه للتصنيع وتحقيق قيمة مضافة للاقتصاد وقتها، لذا كان لابد من إصلاح هذا الوضع بإصدار قانون الإصلاح الزراعى الأول الذي صدر فى ٩ سبتمبر ١٩٥٢، وحددت المادة الأولى الحد الأقصى للملكية الزراعية بـ٢٠٠ فدان للفرد، وتوزيع الأراضي الزائدة على صغار الفلاحين بواقع ٢ إلى ٥ أفدنة، على أن يسددوا ثمن هذه الأراضي على أقساط لمدة ثلاثين عاما، كما تم إنشاء الجمعيات الزراعية فى كل قرى مصر، وبعدها تم البدأ في أضخم وأهم مشروعات الثورة “السد العالى” من أجل الزراعة فى المقام الأول، والذى وفر كميات المياه اللازمة لتحويل رى الحياض إلى رى دائم، وبفضله تم استصلاح ما يقرب من ٢ مليون فدان، واستطاعت مصر فى عهد عبد الناصر أن تحقق الاكتفاء الذاتى من كل محاصيلها الزراعية ما عدا القمح الذى حققت منه ٨٠٪ من احتياجاتها.


وبعد أن نظم عبد الناصر القطاع الزراعي وعمل على تطويره، اتجه إلى تطوير القطاع الصناعي، وذلك لأن نصيب الصناعة ١٠٪ من الإنتاج القومى، وكنا نستورد كل شىء .. كان فقط لدينا في مصر بعض الصناعات مثل مصانع السكر ومصانع غزل ونسيج محدودة، من هنا كان لابد من الاهتمام بالصناعة فهى عصب الاقتصاد، ومبكرا تم إنشاء المجلس القومى للإنتاج، لعمل دراسات جدوى للصناعات التى تحتاجها مصر لكى ينمو الاقتصاد المصري، وهذا المجلس دشن مشروع شركة الحديد والصلب وشركات أخرى مساهمة كانت النواة الأساسية لتأسيس القطاع العام، كما صدرت خطة الاستثمارات العامة فى يوليو ١٩٥٣ وهى خطة طموحة لمدة ٤ سنوات بدأت بمقتضاها الدولة باستصلاح الأراضى وبناء مشروعات الصناعات الثقيلة كالحديد والصلب، وشركة الأسمدة “كيما”، ومصانع إطارات السيارات الكاوتشوك، ومصانع عربات السكك الحديدية “سيماف”، ومصانع الكابلات الكهربائية.


عزيز صدقى


وعهد الرئيس جمال عبدالناصر بملف الصناعة إلى المهندس عزيز صدقى، حيث اختاره وزيرا للصناعة عام ١٩٥٦ وكان عمره وقتها ٣٦ عاما فقط، كان عزيز صدقى عائدا من أمريكا بعد حصوله على رسالة الدكتوراه، عن «حتمية التصنيع فى مصر» وكان صدقى يرى أن إمكانية التوسع الزراعى مرتبطة بأشياء ليس فى أيدينا منها توافر المياه اللازمة وهى لدينا محدودة بموارد النيل المحدد كمياتها، ومن ثم عند حد معين تتوقف عملية التوسع فى الزراعة، لذا لابد من الصناعة.. وهذا معنى رسالة الدكتوراه التى حصل عليها عزيز صدقى وطبقها في مصر فكان يذهب إلى أن التصنيع ليس شهوة.. هو فرض حتمي.. وعلينا أن نعرف أنه ليس أمامنا إلا التصنيع..


قرأ عبدالناصر رسالة الدكتوراه لعزيز صدقى واختاره وزيرا للصناعة ، حيث التقى ما فيها بتفكير ناصر حول حتمية التصنيع وأنه الطريق الوحيد لتقدمنا، وبالفعل بدأ صدقى عمله من أرضية المجلس القومى للإنتاج، وبدأت عملية التصنيع, وكانت خطوته الأولى صدور برنامج التصنيع فى عام ١٩٥٧ وتم تخصيص مبلغ ١٢ مليون جنيه كأول ميزانية للتصنيع .. وبدأت المسيرة الصناعية حيث أنشا عزيز صدقى لجانا وضعت برنامج السنوات الخمس الأولى ، وأنشأت تلك اللجان برنامج التنظيم الصناعى ورغم أن هذا البرنامج كان مقدرا له ٥ سنوات إلا أنه تم تنفيذه في ٣ سنوات واستطاع عزيز صدقى أن ينشئ أكثر من ألف مصنع.


يتذكر عزيز صدقى « لرقم الألف مصنع قصة.. كان فيه مؤتمر فى ميدان عابدين، وأثناء إلقاء جمال عبدالناصر لخطابه قال.. عزيز صدقى بيقول إنه اتبنى ألف مصنع، وأنا أطلب منه أنه ينشر بيانا بالمصانع اللى اتعملت.. وبالفعل نفذنا ما قاله ونشرنا بيانا باسم كل مصنع وتاريخه ومكانه وتكاليفه،وأهدافه، واتضح أنهم أكثر من ألف مصنع..طبعا أضيف بعد ذلك لهذا العدد الكثير.. جمال عبدالناصر فعل هذا كله فى السنوات القليلة التى حكم فيها مصر.. وعلينا أن نقيس ماذا فعل غيره وحدث بعده؟


في ندوة عقدتها معه المصور عام ١٩٨٢ حكى الدكتور عزيز صدقى قصة لها ألف معنى وذلك عندما تم تعيينه وزيرا للصناعة في ١ يوليو ١٩٥٦ يقول» وخلال هذه الفترة حدثت معارك قناة السويس وبرغم العدوان الثلاثي بدأت وعملت اللجان التى وضعت برنامج السنوات الخمس الأولى وأنشأت اللجان التى عملت قانون التنظيم الصناعى، حدث العدوان ولكننا لم نتوقف. وقال عبدالناصر تعليقا على ذلك - وهذا لم يذع من قبل- إنه برغم العدوان استمر العمل ولم يتأثر . الحرب تبدأ وتنتهى ولكن الصناعة هى الباقية».


ولكن يدور التساؤل من أين تم تمويل إنشاء هذه المصانع؟ يجيب عزيز صدقى في ذات الندوة بالمصور..أول مبلغ اعتمدته الدولة للصناعة كان ١٢ مليون جنيه في ميزانية سنة ١٩٥٨، وهذه أول مرة تساهم فيها الدولة بأموالها في إقامة الصناعة، أى بداية التطبيق الاشتراكى في مصر، لأن أساس التطبيق الاشتراكى هو تكوين القطاع العام وكان هذا قبل التأميم الذي تم بعد ذلك. والقطاع العام اتجه في شريحة كبيرة كانت حصيلة التأميم ..ثم من الاستثمارات التى وضعتها الدولة في مشروعات التنمية الإنتاجية مثل الحديد والصلب .. ولكى أنفذ البرنامج كان لابد من تشجيع الناس على وضع أموالها في الصناعة. كنت أدعو الناس، وكانت البلاد تتنافس على الأماكن التى تقام فيها المصانع، فكنت أقول لهم : كونوا رأس المال المطلوب وأنا مستعد للمساعدة .. وبالفعل كانوا يأتون ومعهم رأس المال ويتنافسون عندى في المكتب.. وسرنا في هذا الطريق، والبرنامج الذي كان مقدرا له ٥ سنوات للتنفيذ وقيل إننى أحلم .. تم تنفيذه في ٣ سنوات».


وعقب العدوان الثلاثى تم تمصير وتأميم الأموال البريطانية والفرنسية فى مصر، إنشاء المؤسسة الاقتصادية عام ١٩٥٧، التى تعتبر النواة الأولى للقطاع العام ، وآلت إليها كل المؤسسات الأجنبية الممصرة، وفى ١٣ فبراير ١٩٦٠، أمم الرئيس عبد الناصر بنك مصر أكبر مصرف تجارى فى البلاد وكل الشركات الصناعية المرتبطة، بعدما سقط هذا الصرح العملاق تحت سيطرة الاحتكارات البريطانية والأمريكية، استرده عبد الناصر لمصر، وفى يوليو ١٩٦١، صدرت القرارات الاشتراكية وبدا واضحا أن النظام يتجه نحو نوع من الاقتصاد المخطط تحت إشراف الدولة وبقيادة القطاع العام.


واستطاعت مصر عبر تلك الإجراءات تحقيق نسبة نمو من عام ١٩٥٧ – ١٩٦٧ بلغت ما يقرب من ٧ ٪ سنويا، ما يعنى أن مصر استطاعت فى عشر سنوات من عصر عبد الناصر أن تحقق تنمية تماثل أربعة أضعاف ما استطاعت تحقيقه فى الأربعين سنة السابقة على عصر الزعيم، متفوقة على العديد من الدول الصناعية الكبرى، مثل إيطاليا التى حققت نسبة نمو تقدر بـ٤.٥ ٪ فقط فى نفس الفترة الزمنية.


١٢٠٠ مصنع


إنشاء المصانع والتى وصلت لنحو ١٢٠٠ مصنعا في عهد ثورة يوليو كان أصعب مما نحن عليه الآن ، فهناك حاليا بنية أساسية وعمال وخبرات، أما بعد يوليو فكانت مرحلة بداية من الصفر بما فيها من صعوبات تتمثل فى البحث عن الكفاءات والكوادر، وتأسيس البنى اللازمة يعنى كل شيء كان من مرحلة الصفر.. لكنها انطلقت بقوة بهدف توفير الإنتاج الصناعي لكل السلع المطلوبة والأساسية، وهو ما يحقق ٣ أهداف مهمة، أول هدف من أهداف التصنيع هو إتاحة فرص عمل لأكبر عدد ممكن ووصل عدد العاملين فى القطاع العام فى عهد ناصر إلى نحو ٩٠٠ ألف عامل .. أما النقطة الثانية فهى أن الصناعة بطبيعتها تعطى دخلا يرفع من مستوى الدخل العام وهذا هو هدف ثان من الأهداف الاجتماعية للصناعة،أما الأمر الثالث فهو الاستقلال الاقتصادي.. وعدم الاعتماد على الخارج، فحتى أثناء حرب أكتوبر ١٩٧٣ كانت مصر تعتمد على نفسها اقتصاديا..


يقول عزيز صدقى في حوار معه نشر عام ٢٠٠٤ «أذكر أنه قبل حرب ١٩٧٣ طلبنى الرئيس السادات لتجهيز الدولة لدخول الحرب.. وكنا نعيش فى ظل حصار اقتصادي، والوضع الاقتصادى بشكل عام كان سيئا، وفى ظل هذا كان مطلوبا منى إعداد الدولة اقتصاديا للحرب، وذلك بالتعامل على أنه فور بدء الحرب لن نستطيع شراء أى شيء من الخارج وقد يستمر ذلك شهرا أو اثنين أو ثلاثة، مما يعنى حتمية توفير احتياجات البلد كاملة من الداخل، وبالدراسة توصلنا إلى أن ننتج بما يجعلنا نستمر فى الاعتماد على أنفسنا لمدة ٤ أشهر دون استيراد حتى ولو شمعة من الخارج، والأهم أن كل هذا تم دون أن يشعر الشعب بأى شيء.. لم تكن هناك بطاقة..أو طابور.. كانت الخطة الموضوعة هى الاعتماد على طاقتنا المحلية فى توفير كل الاحتياجات وعمل مخزون استراتيجى للسلع بالشكل الذى أدخلنا الحرب وخرجنا منها دون حدوث أى أزمات داخلية..


ويضيف عزيز صدقى « حققنا بهذا الأمن الاقتصادى، ولو لم يكن لدينا هذه القدرة، كنا سنضطر إلى الاستيراد من الخارج لكى نحارب، وبالطبع كان من الممكن أن لا يحدث هذا، وبالتالى لا تكون هناك حرب».


ويؤكد « أبو الصناعة المصرية» على أن « القوة الاقتصادية يكملها معنى آخر، هو القوة السياسية اعتمادا على قدرتك الذاتية.. وفى كل هذه الأحوال، يبقى دور التصنيع هو الأساس.. إننا حاربنا في ١٩٧٣ معتمدين على إنتاجنا المحلى كاملا، ولم نستورد أى شيء ، ورغم ذلك اجتزنا الحرب، ولم يشعر الشعب المصرى بأى أزمة داخلية، وهذا دليل نجاح على أهمية وجود القاعدة الصناعية التى لبت احتياجات الشعب.. هل كان يمكن أن نحارب دون ذلك؟ هل كان يمكن أن نفكر فى الاعتماد على أنفسنا دون وجود هذه القاعدة الصناعية؟ يجب ألا نغفل كل هذا ونحن نقيم هذه المرحلة، ونستخلص منها أن الاعتماد على الذات هو الذى يمنح القوة لأى بلد، وأى حاكم.. والدليل كما قلت من قبل أننا دخلنا حرب أكتوبر وانتصرنا فيها وخرجنا منها، معتمدين على إنتاجنا الذاتي، ولم نستورد شيئا.


الاعتماد على الذات


ويؤكد عزيز صدقى في ذات الحوار المنشور قبل ١٢ عاما، «على أن الاعتماد على الذات.. أمر ليس صعبا ولا أن نقول إنه كان يمكن فى الخمسينيات والستينيات بينما الآن صعب الاعتماد على الذات ، مشيرا إلى أن الاعتماد على الذات تفعله الدول فى كل مكان وزمان، وما وصلنا إليه الآن أسبابه كثيرة، فى مقدمتها الاعتماد على الخارج، ومن المساوئ أن حصيلتنا من العملة الصعبة التى تأتى من التصدير وخلافه أقل من الوارد.. وعلاج هذه المشكلة لا يكون إلا بالاعتماد على الذات..لا يوجد حل آخر.. غير معقول هنفضل «نشحت» طول العمر.. الدول الكبرى اعتمدت أولا على الذات ثم انطلقت.. والاعتماد على الذات له أساليب متعددة منها..السياسية.. فطالما سنعتمد على الذات لابد من إجراءات تتخذ.. فعلى سبيال المثال إذا أردنا تكوين قدرة على الاستثمار، لا نبعثر الأموال فى استيراد بيض نعام، وسيارات مرسيدس.. وسلع ترفيهية أخرى كثيرة، تستنزف العملة الصعبة التى نحن فى احتياج إليها..


ويؤكد أن قرار الاعتماد على الذات يكمله قرار باتخاذ سياسات معينة تستهدف تحقيق نمو لتوفير القدرة الذاتية التى نحتاجها والبحث عن وسائل تقلل الاعتماد على الخارج، حتى لا تكون رقبتنا فى يده وهذه هى المهمة الحقيقية لحكم مصر.. كلما كنت أسير فى طريق مصر إسكندرية الزراعى أثناء رئاستى للوزارة، أو وزيرا للصناعة أشاهد الفلاحين منهم من يركب حماره، ومنهم من يسحب بقرته، ومنهم من يحمل فأسه..


وردا على سؤال حول تراجع جودة الصناعة خلال الخمسينيات والستينيات رد عزيز صدقى قائلا «هذا الكلام غير حقيقي، فمنتجاتنا كانت متميزة ونحن فتحنا أسواقا للتصدير فى أمريكا وآسيا والدول العربية».


الخلاصة أن مصانع مصر التى شيدتها ثورة يوليو هى قصة وطن، عاش تحديات هائلة، وقاوم بضراوة كل التدخلات الخارجية التى استهدفت استقلاله.. وأرادت أن تبقيه وطنا زراعيا ليس له علاقة بالصناعة من بعيد أو قريب. بالفعل فإن الانتقال بمصر إلى مرحلة التصنيع كان معجزة بكل المقاييس ، خطط لها الرئيس جمال عبدالناصر ونفذها الدكتور عزيز صدقى الذي لم يكن وزيرا عابرا فى تاريخ مصر، بل كان أهمهم على الإطلاق، واكتسب بجدارة لقب أبوالصناعة المصرية بعد أن سهر على تشييد أكبر قلعة صناعية فى تاريخ مصر وفى دول العالم النامى.