«عبدالناصر» ورفض شروط البنك الدولى.. درس فى الاعتماد على الذات

20/07/2016 - 1:54:44

تقرير: أميرة جاد

بقدر انشغاله بتأسيس جمهورية حقيقية لها مؤسساتها لتخلف لنظام الملكى الذى قامت ثورة ٢٣ يوليو ضده، اهتم جمال عبد الناصر بقضايا التنمية ليعوض الشعب عن سنوات الإقطاع والاستعباد التى عاشها مع أيام الاحتلال المتباينة التى مرت بها مصر حتى حكم الملك فاروق..


وقد أعطى عبدالناصر دروسا فى التنمية الاقتصادية اعترفت بها المؤسسات المالية الدولية، وخير شاهد على ذلك قصة بناء السد العالى وآليات تمويله وكيفية تعامل جمال عبدالناصر مع البنك الدولى وقتها وانتباهه إلى عدم رغبة الغرب فى تنمية مصر.


قصة انسحاب البنك الدولى من تمويل السد العالى والتحديات التى واجهتها مصر وقت بناء السد من قبل البنك الدولى و الولايات المتحدة الأمريكية و إنجلترا كشف عنها عبدالناصر نفسه فى خطابه الذى ألقاه فى الإسكندرية بمؤتمر الاتحاد الاشتراكى احتفالاً بالعيد الرابع عشر للثورة فى عام ١٩٦٦ وقال فيه: «من عشر سنوات كان هناك عرض بتمويل السد العالى.. عرض من أمريكا وإنجلترا والبنك الدولى، وكانت أمريكا تعطينا معونة وإنجلترا تعطينا معونة، كانت معونة أمريكا حوالى ٧٠ مليون دولار، وكانت معونة بريطانيا حوالى ١٤ مليون دولار - يعنى ٥ ملايين جنيه - وكانت قروض البنك الدولى حولى ٢٠٠ مليون دولار، سرنا معهم فى مفاوضات طويلة وصعبة من أجل الاتفاق على تمويل السد العالى - الكلام دا كان من قبل ١٠ سنوات - وكانت هناك شروط صعبة، وكانت هناك شروط الغرض منها أن نخضع ماليتنا كلها للتفتيش الغربى وللسيطرة الغربية وللشروط الغربية. وكنا نعارض هذه الشروط».


ومضى عبد الناصر يقول فى الخطاب: «كنت أحس دائماً وإحنا بنتفاوض إن مافيش نية أبداً لتمويل السد العالى»، وقبل يوليو سنة ٥٦ أو فى أوائل يوليو سنة ٥٦ قابلت سفيرنا فى أمريكا، وقال لى إن إحنا بنتشدد جداً فى موقفنا، وإن إحنا لو قبلنا شرطين من الشروط الأمريكية فإن أمريكا ستوافق على إعطائنا المعونة، وبذلك البنك الدولى حيدينا المعونة، وأنا قلت لسفيرنا فى هذا اليوم إن أنا على ثقة كاملة من إننا لو قبلنا الشرطين اللى بتقول عليهم أو أكتر منهم، فنحن لن نحصل على أى معونة. المطلوب إخضاعنا إخضاعاً كاملاً، وفى نفس الوقت المطلوب التضييق علينا اقتصادياً».


واصل عبد الناصر حديثه عن الحوار بينه وسفير مصر فى واشنطن، بالقول: «قلت لسفيرنا إنك تقدر ترجع أمريكا وتقابل وزير الخارجية الأمريكية وتقول له إن إحنا موافقين على الشرطين، ولكنى قلت له فى نفس الوقت إن أنا على ثقة من إنك بعد ما تقول هذا الكلام مش حتوافق أمريكا على أى قرض لتمويل السد العالى. وذهب سفيرنا إلى أمريكا، وراح قابل «المستر دالاس» وزير الخارجية الأمريكية، وقال له: إن الحكومة المصرية وافقت على الشرطين اللى كنتم بتتكلموا عليهم، و كان رد وزير الخارجية الأمريكية: نحن نأسف، ولن نستطيع تمويل السد العالى. وبعد كده طلعوا بيان قالوا فيه: إن أمريكا لن تستطيع أن تساهم فى تمويل السد العالى، وتسحب تمويل السد العالى، لأن الموقف الاقتصادى فى مصر غير سليم، وأن تمويل السد العالى سيساعد على زيادة التضخم، وقالوا كلاما عرضوا فيه بنا، وعرضوا فيه باقتصادنا.. لم يسحبوا بس تمويل السد العالى، ولكن عرضوا باقتصادنا.. عرضوا بنا.. وأنا فى هذا الوقت كنت فى بريونى - كان يوم ١٩ يوليو سنة ١٩٥٦ - ورجعت من بريونى بالليل، وأول حاجة عرفتها فى المطار كان قرار أمريكا بسحب تمويل السد العالى. وفى اليوم التالى صدر قرار من بريطانيا بسحب تمويل السد العالى، وفى اليوم الثالث صدر قرار من البنك الدولى بسحب عرض إعطائنا قرضا للسد العالى».


«كان باين إن الغرب لا يريد لنا أن نقوى، ولا يسمح لنا بأى حال من الأحوال أن نخرج من مناطق النفوذ»، هكذا أكد عبد الناصر فى خطابه، متابعًا: «الغرب كان بيعتبر المنطقة تقليدياً داخل مناطق النفوذ، الموقع الإستراتيجى موقع مهم له، بترول المنطقة فى البلاد العربية داخل ضمن احتكاراته، صداقات الاستعمار وارتباطاته فى البلاد العربية وأعوان الاستعمار فى البلاد العربية كان عايز يحميها. طبعاً إسرائيل أيضاً كان عايز يثبت وضعها، ولا يعطى أى بلد عربى من القوة ما يمكنه من أن يهدد إسرائيل. وفى نفس الوقت كان الحكام الرجعيون فى البلاد العربية يعملون مع الاستعمار جنباً إلى جنب، وكان الاستعمار يعتبرهم ألعوبة فى إيديه.. كنا نقدر فى هذا الوقت ان احنا سنستطيع أن نأخذ من قنال السويس حوالى ٦٠ مليون جنيه، وكنا بناخد بس مليون جنيه، و٥٩ مليون جنيه بيروحوا للشركة الإنجليزية - الفرنسية. وعلى هذا الأساس قررنا فى هذا الوقت أن يكون ردنا على سحب تمويل السد العالى تأميم قناة السويس، وأممت قناة السويس يوم ٢٦ يوليو سنة ١٩٥٦».


ومن واقع التاريخ، فإن البنك الدولى أحجم عن تمويل بناء السد العالى لرفض عبدالناصر لشروط البنك، واعتبارها «مجحفة». وهى الشروط التى يقول عنها سامى شرف، سكرتير عبدالناصر الشخصى للمعلومات فى أوراقه: « فى الوقت الذى كانت فيه المفاوضات حول تمويل السد العالى تتخذ هذا المسار الإيجابى على السطح كانت العلاقات السياسية بين مصر من جانب وكل من الولايات المتحدة وبريطانيا من جانب آخر تتخذ مسارا مختلفا بسبب معركة الأحلاف وصفقة الأسلحة والاعتداءات الإسرائيلية على غزة وغيرها.. بدا واضحا حرص الدولتين على امتلاك أوراق ضغط على ثورة يوليو تتعارض والإستراتيجية التى انتهجتها الأخيرة بشأن استقلالية قرارها والإصرار على استكمال التحرر من أية ضغوط أجنبية وجاءت الشروط التى وضعتها الدولتان لتنفيذ اتفاق تمويل السد العالى مؤكدة لهذا الاتجاه، فقد اقترن العرض السابق بشروط عدة.


ومن الشروط التى ذكرها شرف «أن تركز مصر برنامجها التنموى على السد العالى بتحويل ثلث دخلها القومى ولمدة عشر سنوات لهذا المشروع مع فرض رقابة على المشروعات الاقتصادية الأخري»، و الثانى يتمثل فى وضع ضوابط للحد من زيادة التضخم والإنفاق الحكومي، وفرض رقابة على مصروفات الحكومة المصرية وعلى الاتفاقيات الأجنبية أو الديون الخارجية. وألا تقبل مصر قروضا أخرى أو تعقد اتفاقيات فى هذا الشأن إلا بعد موافقة البنك الدولي. أما الشرط الثالث فيتمثل فى الاحتفاظ بحق إعادة النظر فى التمويل فى حالات الضرورة.


و يضيف سامى شرف فى أوراقة المنشورة بعنوان «قصة بناء السد العالي»: هذه الشروط أثارت غضب الرئيس عبدالناصر، إذ رأها أشبه بالوضع الذى كان سائدا فى عهد الخديوى إسماعيل، وأنتج ذلك كله حالة فقدان الثقة فى إمكانية معاونة الولايات المتحدة فى تنفيذ المشروع، وانتهى الرئيس إلى تقدير موقف اقتنع به بهذا المعنى، لكنه حرص على تفادى المواجهة لآخر لحظة حتى يتكشف الموقف الأمريكى بوضوح وجلاء وصراحة فى ضوء الرسائل المتكررة التى حملتها القنوات الخلفية والزيارات الرسمية للمسئولين الأمريكيين، والتى أكدت حقيقة واحدة هى إصرار الجانب الأمريكى على التحكم فى سياسات الثورة ودفعها إلى مسار يخدم الإستراتيجية الأمريكية ومصالح الغرب فى الأساس، وخاصة فيما يتعلق بالتفاهم مع “إسرائيل”، وكان ذلك يجرى بتنسيق محكم مع الجانب البريطاني».


رفض عبد الناصر شروط الغرب لتمويل بناء السد، لكنه بناه، ورد على الغرب بتأميم القناة للحصول على إيراداتها لتمويل بناء السد إلى جانب الاستعانة بالروس بدلا من الأمريكان و البريطانيين للاستفاده من خبراتهم فى المجالات الهندسية. وقد كان إنشاء السد العالى واحدا من أهم دروس التنمية الاقتصادية الذاتية التى أعطاها عبدالناصر للحكام القادمين بعده. حتى وإن لم يلتزموا بها.