٢٣ يوليو جعلتهم «أصحاب أملاك».. للفقراء نصيب من الثورة

20/07/2016 - 1:44:37

  ناصر يوزع عقود تمليك الأراضى على الفلاحين المعدمين ناصر يوزع عقود تمليك الأراضى على الفلاحين المعدمين

تقرير: محمود أيوب

الفقراء.. والفقراء فقط يقدمون لأحبتهم «الحب المجانى».. تكفيهم كلمة طيبة لتصبح «رجلهم الأول».. تمرير شعور إليهم أنك تقف فى خندق واحد معهم لمواجهة الدنيا كفيل بأن يجعلوا صورتك فى أفضل مكان على جدران بيوتهم البسيطة كحياتهم.. هكذا فعل الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، وهكذا رد فقراء المحروسة عليه.


«عبدالناصر» الذى وقف فى ٢٢ فبراير من العام ١٩٦٢ يخطب فى ميدان الجمهورية، احتفالا بعيد الوحدة، هو الرئيس الذى قال: «الفقراء لهم الجنة.. طيب والفقراء دول مالهومش نصيب فى الدنيا؟! نصيبهم بس فى الآخرة، هم أيضًا عايزين نصيب صغير فى الدنيا ويدوقوا قصاده نصيب فى الجنة».


مشهد جنازة «عبدالناصر» فى الأول من أكتوبر من العام ١٩٧٠، وحده كفيل بأن يؤكد أن جمال عبدالناصر كان بالفعل «ناصر الفقراء»، فـ٦ملايين مواطن – وفقا لبعض الإحصائيات- حضروا الجنازة، ومنطقى ألا تكون الملايين الست تلك من أغنياء مصر، ففقراؤها كان لهم النصيب الأكبر من رعاية الزعيم.


«عبدالناصر» لم ينكر فى يوم من الأيام فقره، ودائمًا ما كان يؤكد لشعبه أنه فخور بأن عائلته من بنى مُر، التابعة لأحد مراكز محافظة أسيوط، عائلة تعمل وتزرع و»تقلع» من أجل عزة هذا الوطن وحريته، وأنه نشأ من عائلة فقيرة، وأنه سيستمر فقيرا حتى يموت فى هذا الوطن، وكما يقول الكاتب صبرى غنيم حاكيًا بعض مواقفه الإنسانية رغم طبيعته العسكريه أنه بكى من أجل طفل فقير حافى القدمين، وثار عندما علم بأمر موظف بسيط لم ينل حقه.


وفى سبيله لتحقيق العدالة الاجتماعية أصدر «ناصر» قانون الإصلاح الزراعي، بعد قيام ثورة ٢٣ يوليو بشهرين، والذى قضى على جزء كبير من الظلم الاجتماعى فى مصر قى الوقت الذى كان عددًا محدوداً من الأسر يملكون حوالى ٩٠٪ من الأراضى الزراعية، وبالتالى تم توزيع هذه الأراضى على فقراء الفلاحين والمعدمين بمعدل من ٣ إلى ٥ فدادين على كل أسرة، ثم أعيد توزيع الثروة الزراعية على مئات الآلاف من الأسر، ولهذا مثل قانون الإصلاح الزراعى ضربة قوية للاستغلال والظلم الاجتماعي.


« الاصلاح الزراعي» لم يكن القانون الوحيد الذى أنصف الفقراء، فقد أصدر جمال عبدالناصر قانون «العمل» الذى نص على وجود أسباب قوية لفصل العمال فى إطار القانون، بعد أن كان صاحب العمل يستطيع أن يستغنى عن العامل بدون أسباب.


ويعد الإنجاز الأكثر أهمية لثورة يوليو والذى صنع حراكًا اجتماعية هو مجانية التعليم والذى فتح الباب لابن الفلاح الفقير أن يحصل على الدكتوراه، والذى ساعد فى انتقال عدد كبير من الأسر الفقيرة إلى الطبقة الوسطى، وساهم فى تحسين المعيشة، فخرج المدرسون والمهندسون والأطباء وضباط الشرطة والقضاء بعد أن كانت الوظائف والمناصب المهمة بالوساطة والمحسوبية والرشوة، فالوظيفة قبل ثورة يوليو كانت وسيلة لرفع مستوى المعيشة والارتقاء بالوضع الاجتماعى للأسرة.


توفير فرص عمل للخريجين كان أيضا من أولويات الرئيس عبدالناصر للقضاء على البطالة، حيث أصدر قانوناً يلزم الدولة بتعيين الخريجين من الجامعات بالقطاع العام، فضلًا عن إنشاء أكثر من ألف مصنع، كل هذه القرارات كانت بمثابة نصره للفقراء، غير أنها غيرت الهيكل الاجتماعى للمجتمع خلال هذه الحقبة، فأزاحت الرأسمالية الأجنبية والرأسمالية الاحتكارية وكبار الملاك الزراعيين، وجاءت بفلاحى الإصلاح الزراعى وعمال القطاع العام والمتعلمين من أبناء الفلاحين.


وخلال توليه الحكم وبفضل قراراته استطاعت مصر مضاعفة حجم الأرض المزروعة بمحاصيل رئيسية إستراتيجية وتحقيق الاكتفاء الذاتى منها، وعلى رأسها القطن طويل التيلة والقمح والأرز وقصب السكر والفول والعدس والبصل، فضلًا عن إنشاء هيئة «السلع التموينية» عام ١٩٦١ لتكون مسئولة عن توفير احتياجات الشعب المصري، سواء من الأسواق الداخلية أو بالاستيراد.


وتعقيبا على العلاقة المتينة التى كانت تربط الرئيس الراحل جمال عبدالناصر و»فقراء المحروسة»، والخطوات التى اتخذها لتحسين حالتهم الاقتصادية والاجتماعية، قال د. محمد عفيفى، أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب جامعة القاهرة: «عبدالناصر ومعظم الضباط الأحرار جاوءا من الطبقة الوسطى الصغيرة وليس من الطبقة الوسطى العليا، فعبدالناصر والده كان «بوسطجى» وهذا ليس عيبًا، فضلًا عن أنهم اشتركوا فى الحياة السياسية قبل قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، وبالتالى لم يكونوا بعيدين عن الحياة المدنية، لكن كانت لهم أدوار سياسية مهمة، وبالتالى كانوا يعلمون أبعاد المسألة الاجتماعية والأزمة التى كانت تعيشها مصر فى تلك الفترة، والحقيقة هم أولاد الفترة اللبيرالية والتى شهدت مشاريع لمعالجة المسألة الاجتماعية، فأيام الملكية طُرح مشروع «الإصلاح الزراعى»، وبالتالى جمال عبدالناصر تبنى هذه الأفكار، وكانت هناك حركة عمالية كبيرة موجودة قبل ثورة ٥٢ وكانت طرحت مطالب العمال، فثورة ٥٢ انحازت إلى الأفكار الاجتماعية المطروح قبل ٥٢ بعد أن كان يتم تهميش هذه الأفكار، فطه حسين قبل ٥٢ أعلن عن مجانية التعليم بشكل عام (ابتدائى - وثانوى)، ثم جاء عبدالناصر ليكمل مجانية التعليم فى التعليم (الجامعي)، إذن ما يميز ثورة ٥٢ هو انحيازها للأفكار الاجتماعية التى كانت مطروح لحل المسألة الطبقية.


وعن أهم القرارات التى أصدرها جمال عبدالناصر للفقراء قال، أستاذ التاريخ المعاصر»: بالطبع يأتى فى مقدمة القرارات التى انحاز فيها «عبدالناصر» للفقراء مشروع الإصلاح الزراعى، وهناك أيضًا قوانين يوليو الاشتراكية فيما بعد كانت فى صالح العمال، فضلًا عن مجانية التعليم التى كانت بلا شك فى صالح الطبقات الفقيرة تحت مسمى «ديمقراطية التعليم»، كل هذا ترتب عليه تغير طبقى كبير.


وحول تاثير هذه القرارات على الفقراء أضاف قائلا: الفلاحون المعدومون أصبحوا يمتلكون أرضا وتناقلت الألسنة وقتها وقتها أغنية «خمسة فدادين»، هذا بخلاف كثير من الآباء والأمهات المتعلمين الذين استفادوا من قانون الإصلاح الزراعى، كذلك قوانين يوليو الاشتراكية أنصفت العمال وحسنت من أوضاعهم بعد إلغاء الفصل التعسفى وتقليل ساعات العمل، وهو ما جعل للعمال وضعا مهما عن سابقه، أيضًا مجانية التعليم أتاحت لأبناء الفقراء منحة اجتماعية كبيرة بالنسب لهم، فخرج مفكرون وسياسيون وأساتذة كبار استفادوا من مجانية التعليم.


د. محمد عفيفى اختتم حديثه بقوله: «ثورة ٢٣ يوليو ونظامها أنصفت الفقراء وبشكل كبير لعبت دورا مهما جدًا فى القضاء على ملاك الأراضى الزراعية، هذا بخلاف احترام النظام للنقابات وحقوق العمال، فضلًا عن استفادة الجميع من مجانية التعليم، وبلا شك يمكن القول أيضا أن ثورة يوليو كانت الثورة الوحيدة التى انحازت إلى الفقراء وخلقت مجتمعًا جديدًا».