ناصر والقومية العربية.. من الأفكار النظرية إلى السياسات العملية

20/07/2016 - 1:30:14

بقلم: د. حسن أبوطالب

يتميز تراث عبد الناصر السياسى بثراء عجيب، ما زال الكثير من أصدائه يعيش بيننا حتى ولو لم نذكر الاسم أو تجاهلنا العنوان عرضا، وحين نتحدث عن ناصر كزعيم خالد فنحن نعنى مصر فى حقبة بذاتها وما بعدها، البلد القاعدة صاحبة الدور والمكانة والقيادة، وحتى فى أكثر اللحظات حزنا التى مرت على مصر، أثناء العدوان الثلاثى ١٩٥٦ أو الانقلاب على الوحدة المصرية السورية ١٩٦١، أو ما بعد هزيمة ٦٧ أو لحظة وفاة القائد سبتمبر١٩٧٠، كانت النظرات من كل اتجاه تتطلع إلى كلمة الشعب المصرى التى صنعت بدورها كلمة القائد.


ثراء التراث الناصرى فكرا وتطبيقا اشتبك مع كافة القضايا التى تفرض نفسها على الأمة حين ترغب فى إعادة بناء نفسها لنفسها وللعالم أجمع، القريب منه أو البعيد على السواء، قضايا شملت هوية الوطن والشعب، والعدالة الاجتماعية وحقوق الفقراء، وتحفيز الطبقة الوسطى، وتجديد المكانة من حيث الأسس والتحركات، وتطبيق سياسات تنموية شاملة تعيد صياغة المعادلات الاجتماعية فى الداخل وتصنع الدور فى الإقليم والمحيط الأكبر، وبناء القوة مُمثلة فى جيش وطنى مخلص فى أدائه ويقظ فى إدراك المخاطر ومستعد لها، وكذلك متطور فيما يملك من أسلحة ومعدات وفى التدريب المستمر عليها وحُسن استخدامها.


تطبيق ناصرى .. تنمية الداخل ودور عروبى فى الخارج


الأكثر من ذلك جاء التطبيق الناصرى ليمزج مزجا عضويا بين بناء مصر تنمويا وتشكيل دور عروبى وإقليمى وإفريقى ودولى خارجيا، فى ظل إدراك أن الحرية الحقيقية للشعوب تبدأ بنهضتها وتنميتها ذاتيا، وقدرتها على الاستفادة القصوى من مواردها المتاحة، جنبا إلى جنب دفع الشعوب والمجتمعات إلى التحرر من ضغوط القوى الاستعمارية أولا، وأن تتحد فيما بينها ثانيا حفاظا على حريتها وثرواتها معا وإلى الأبد.


هذا المزيج بين تحرير الداخل متمثلا فى التنمية والتصنيع والعدالة الاجتماعية والارتقاء بالوعى عبر التعليم والثقافة والفنون، وتحرير الخارج القريب ممثلا فى تحرير البلدان العربية القريبة والبلدان الإفريقية البعيدة، أى الربط بين التنمية والحرية هو الذى أعطى التراث السياسى الناصرى، رغم الكبوات التى تعرض لها أحيانا، طابعا خاصا وجوهرا يمكن الرجوع إليه والاستفادة منه، وذلك رغم التغير الكبير فى مفردات الحياة المعاصرة مقارنة بما كان فى الخمسينيات والستينيات من القرن الماضى. فرغم كل شىء لا يمكن لأمة أن تعيش قدرها بدون حرية لها ولمن يجاورها، وبدون تنمية تلقى بظلالها على كل الفئات والطبقات لديها وتناظرها تنمية قريبة من الأسس والتوجهات لدى الجوار.


لم يكن تراث عبد الناصر فى مجالى التنمية والحرية مجرد إطار نظري براق، بل كان أسلوب حياة وطريقة للعمل، يدعمهما رؤية كبرى للعالم انطلاقا من الإيمان بالقومية العربية المناهضة للرجعية والتفتت القُطرى، وجوهرها السعى الدؤوب نحو بناء الوحدة العربية وتحرير فلسطين من ربق الاستعمار الصهيونى الإسرائيلى، والحق هنا أن المجتمع المصرى فى تاريخه المعاصر كان مُحملا بأفكار وحدوية عربية منذ العشرينيات من القرن العشرين، ولكنه كان فاقدا للطريقة التى يحول فيها قناعاته الفكرية بجدوى وضرورة الوحدة العربية إلى طريقة حكم وأسلوب للسياسة الخارجية.


روابط مصرية عربية فى كل المجالات


لقد كانت فترة الثلاثينيات شاهدة على العديد من المبارزات الفكرية الصاخبة بشأن هوية مصر، هل هى فرعونية أم متوسطية تتطلع إلى الشمال الأوربى لتستنسخ تجربته، أم هى متعلقة بالجامعة الإسلامية أم هى بلد عربى قائد، وفى الفترة نفسها تبلور اهتمام مصرى عربى مشترك بإقامة علاقات وروابط مهنية وثقافية واجتماعية مختلفة الأشكال والمستويات، حيث عُقدت العديد من المؤتمرات التى أسست أشكالا من الروابط المهنية على الصعيد العربى، ومنها المؤتمر الطبى الأول فى القاهرة ١٩٢٨، والمؤتمر الأول للآداب والفنون فى القاهرة ١٩٢٩، والمؤتمر الصناعى الزراعى الأول فى القاهرة ١٩٣٦، ومؤتمر الطلاب العرب الأول ١٩٣٦، والمؤتمر البرلمانى العربى الأول ١٩٣٨، ومؤتمر المهندسين العرب الأول فى الإسكندرية ١٩٤٥، وغيرها من المؤتمرات التى احتضنتها القاهرة فى هذه المرحلة والتى جسدت جهودا شعبية مصرية عربية لتعميق الروابط المشتركة انطلاقا من قناعات راسخة وقوية بوحدة المصير العربى، وأهمية التعبير عن هذه الوحدة من خلال مؤسسات تتسم بالديمومة والفاعلية.


كذلك تكونت فى عقد الثلاثينيات عدة جمعيات واتحادات، نادت صراحة بأفكار قومية عربية، وروجت للوحدة العربية وأن تكون مصر مركزا لها، ومن أمثلتها الرابطة العربية ١٩٣٦، وجماعة الوحدة العربية والاتحاد العربى ١٩٤٢، وجماعة أدباء العروبة ومقرها القاهرة وشارك فى عضويتها عدد من الأدباء العرب، كما تم إنشاء المجمع اللغوى العربى ١٩٣٢، وعين فيه أدباء وعلماء عرب من مختلف الأقطار، وعلى صعيد الحياة الحزبية تشكل حزب مصر الفتاة فى ديسمبر ١٩٣٦، وهو أول حزب مصرى ينص فى برنامجه على فكرة عروبة مصر وتوحيد الأمم العربية سياسيا واقتصاديا وعسكريا وتشريعيا وتحريرها من كل نفوذ أجنبى، وتشكل أيضا تنظيم «جبهة مصر» فى نهاية الأربعينيات، وجاء فى برنامجه العمل على تدعيم الجامعة العربية وتمكين أواصر المودة والإخاء بين الشعوب العربية.


وهناك العديد من الروابط والجمعيات التى تشكلت فى هذه المرحلة واشتبكت مع كل القضايا العربية الساخنة التى اندلعت فى ذلك الوقت، لاسيما ما تعلق بدعم جهود المقاومة الوطنية فى كل من ليبيا والجزائر وفلسطين، ويُعد إنشاء الجامعة العربية وأن تكون مصر مقرا لها فى العام ١٩٤٥ بإجماع عربى من الدول المؤسِسة، وأن يكون أمينها العام مصرى الجنسية أحد أكثر الأشكال التنظيمية والمؤسسية على الصعيد العربى تعبيرا عن التشابك العضوى والمصيرى، فى حدود الواقع الدولى والعربى آنذاك، بين مصر والبلدان العربية سواء التى كانت مستقلة آنذاك أو تلك التى كانت تجاهد من أجل الاستقلال.


هذه الأشكال التنظيمية العابرة لحدود الدول العربية آنذاك، والمُنطلقة من القاهرة كانت بشكل أو بآخر امتدادا لحسم فكرى ثقافى لهوية مصر العربية حدث فى الوعى المصرى منذ مطلع الثلاثينيات فى القرن العشرين وخلالها، حيث شهدت الحياة الفكرة ما يشبه النزال والاحتشاد الفكرى أكثر من مرة بين دعاة عروبة مصر وأنصار فرعونية مصر، وشارك فى هذا النزال الفكرى مثقفون من سوريا وفلسطين والعراق ولبنان، دعموا عروبة مصر كمصير وهوية، وهو ما قابله المصريون بتأكيد وحدة المصير.


عبد الناصر وحسم هوية مصر العربية


ورغم الوعى المصرى العام بهوية مصر العربية، فإن ترجمة ذلك سياسيا من خلال النخبة الحاكمة آنذاك، فيما قبل ١٩٥٢ لم يكن يتجاوز فكرة التعاون وإقامة روابط مصلحية بين مصر والمجتمعات العربية، ولم يكن هناك اقتناع لدى النخبة السياسية العليا وقوامها الباشوات وكبار الإقطاعيين بأن مصر يمكن أن تكون الدولة لقاعدة لوحدة عربية، ولا شك أن الوجود الاستعمارى البريطانى آنذاك كان له تأثير فى بناء تلك الفجوة بين السياسة الخارجية المصرية قبل ١٩٥٢ وبين القناعات المصرية الشعبية، وحين جاء عبد الناصر كان السؤال ما هو حجم الإضافة التى يمكن أن يقدمها للأفكار والقناعات العروبية السائدة فى المجتمع المصرى والتى تجد صدى إيجابيا فى المنطقة العربية بشكل عام.


فى هذا السياق يمكن أن نرصد ثلاث مراحل، كل منها تقود إلى الأخرى، المرحلة الأولى وكانت فيها الأولوية لترتيب الشأن الداخلى وإنهاء الاحتلال البريطانى وإنهاء الجدل العام حول هوية مصر العربية، وهو ما تجسد فى دستور ١٩٥٦ وكتاب فلسفة الثورة للرئيس عبد الناصر نفسه. وفى تلك المرحلة تبلورت الرؤية القومية لعبد الناصر ممثلة فى ثلاث دوائر وهى العربية والإفريقية والإسلامية على أن تكون الدائرة العربية هى مركز الحركة المصرية من أجل الدفاع عن البلدان والمجتمعات العربية وتحريرها من الاستعمار والبدء بأشكال وَحدَوية مع البلدان المستقلة.


أما المرحلة الثانية فهى مرحلة المد الثورى الناصرى، استنادا إلى قناعات قومية عربية صريحة، وهى المرحلة التى تمتد من ١٩٥٧ إلى ١٩٦٧، وتعد تجربة الوحدة المصرية السورية التجسيد الأولى لهذه القناعات القومية، غير أن انتكاسة الانفصال أدت إلى إعادة تقييم سبل تحقيق الوحدة العربية وليس فكرة الوحدة العربية نفسها، فبدلا من أن تكون الوحدة قرارا فوقيا يمكن أن تتفاعل معه الشعوب إيجابيا لفترة من الزمن ولكنه لا يحصن الوحدة نفسها من المؤامرات الداخلية والخارجية للقوى المضادة، ومن ثم أخذت القناعات الناصرية الجديدة ترى أولوية بناء القناعات الشعبية كسند لقيام الوحدة، ومن هنا احتلت فكرة تحرير المجتمعات العربية من القناعات الرجعية أولوية قصوى فى الحركة المصرية داخليا وعربيا، ومن ثم تم الربط العضوى بين مواجهة القوى الرجعية فى الداخل والخارج وبين بناء وحدة عربية تطوعية. كما احتلت فكرة التدرج فى بناء الوحدة الركيزة الثانية فى الحركة الناصرية جنبا إلى جنب تؤكد الدور الاستعمارى التوسعى لإسرائيل ومركزية مواجهتها لتحرير فلسطين كآخر معاقل الاستعمار الاستيطانى.


وفى المرحلة الثالثة، وهى سنوات النكسة ١٩٦٧ إلى ١٩٧٠، تبدلت الأولويات حيث جاء هدف تحرير الأرض العربية المحتلة فى القمة، وربط ذلك بتعبئة الجهود والإمكانات العربية، ما استدعى سياسات مُهادنة ومراجعة مع الدول التى كانت محورا لنزاع سياسى عتيد.


نجاحات وإخفاقات ودروس تاريخية


هذه المراحل الثلاث، بما فيها من نجاحات وإخفاقات، عبرت بشكل عملى عن العلاقة بين تطور الفكرة العربية وجوهرها بناء وحدة عربية تسعى إليها وتحميها الشعوب العربية، وتطور سبل تحقيقها من خلال خوض تجارب فعلية، ومراجعة الإخفاقات وإعادة ترتيب الأولويات وفقا للتحديات التى فرضت نفسها بين الحين والآخر، لكن تظل الفكرة العروبية محورا أساسيا فى الفكر والحركة الناصرية.


لقد كان عبد الناصر أول زعيم وحاكم مصرى يؤكد بجلاء هوية مصر العربية واضعا إياها فى قلب الدائرة العربية، بل إن العلاقة بين مصر ومحيطها العربى هى علاقة الرأس بالجسد والقيادة بالجماهير، لكن الإنصاف التاريخى يدفعنا أيضا إلى القول إن ميراث عبد الناصر العروبى لم يكن مثاليا تماما، إذ فيه بعض الإخفاقات التى تُعد دروسا فى حد ذاتها لكل مؤمن بالوحدة العربية كمصير للشعوب العربية، فغياب التفاعل الشعبى الذى يتجاوز مظاهرات التأييد فى الوحدة المصرية السورية، يؤكد أن الوحدة العربية ليست صنيعة لقيادات وقرارات فوقية، بل هى أساسا مد شعبى يدفع القيادات إلى بناء وحدة تدوم وتعيش إلى الأبد. كذلك فإن الخطاب المباشر مع المواطنين العرب وإن كان له تأثيره فى الحشد ضد قوى الاستعمار فى حالات كليبيا والجزائر وغيرهما إبان مواجهتما الاستعمار، فقد كان فى حالات الدول العربية مثارا لشكوك حول نوايا عبد الناصر، مما شكل ركيزة لمقاومة الكثير من التحركات الناصرية وأدى بالتالى إلى تشتيت الجهود، بل والانخراط فى مواجهات دامية كما حدث فى اليمن بعد ١٩٦٢، ويظل الإخفاق الأكبر متمثلا فى غياب العمل على بناء تنظيم شعبى سياسى ذى طابع قومى على المستويين المصرى والعربى يجسد حركة شعبية عابرة للحدود تدفع إلى وحدة تطوعية وطبيعية معا.


هذه التجربة الناصرية بما لها وما عليها هى تجربة حية بكل المعانى، ورغم انقضاء أربعة عقود على نهايتها، فما زالت قادرة على شحذ الأفكار وبناء السياسات والمعانى، خاصة أن التحديات سواء فى مصر والعالم العربى برمته فى جوهرها وفى بعض تفاصيلها أيضا، لا تختلف كثيرا عما واجهته مصر الناصرية.