٢٣ يوليو.. وإفريقيا

20/07/2016 - 1:21:15

بقلم: أد. السيد فليفل

مشكلة السطور التى تلى هذا العنوان أننى أستطيع أن أسترسل فيها إلى الأبد، فما أحب إلى القلب من النظر إلى مرحلة من تاريخ الوطن كان فيها فاعلا وكان الرئيس فيها رجلا. والسؤال الآن هو كيف السبيل إلى الاختصار.


التاريخ علم مجيد وواحد من أنفع العلوم التى تعين الأمم على التعاطى مع الحياة ومستجداتها، فهو الذاكرة التى لا يعيش الناس فيها بل يستلهمون منها المسار إلى المستقبل، وهو أشبه شىء بمرآة السائق التى تكشف له القادمين من الخلف لا ليرجع القهقرى بل لينطلق إلى الأمام، وكان العرب بصفة خاصة من أمهر الشعوب فى إدراك قيمة هذا العلم وتوظيفه، أما وقد حل شهر يوليو المجيد شهر الثورة المجيدة، ثورة ٢٣ يوليو، فقد آن لنا أن نتدبر ما مضى ونتفكر فيه متأملين ما كان فيه من دروس نحتاجها فى يومنا هذا كى ننطلق إلى الغد.


ويدور حديثنا حول ثورة يوليو الضرورة وصلتها بحياة الشعب المصري، وحول ثورة يوليو الدور، وحول ثورة يوليو وإفريقيا.


ثورة يوليو الضرورة


حاول عدد من الكارهين لثورة يوليو اقتياد رؤانا إلى منهج متساقط يتحدث بشكل متهافت حول إيجابياتها وسلبياتها، فمكثوا يعددون هذه الإيجابيات وتلك السلبيات ما أوصل الشباب الذى يطالعهم إلى نتائج حسابية لا تقوم على تقييم تاريخى صحيح لتلك الثورة الكبيرة. وقد خرج للرد على هؤلاء مجموعة أخرى من الناس فأنتجوا ما يمكن تسميته بعراك الديكة التاريخى حيث يذكر أحدهم الإصلاح الزراعى كميزة لثورة يوليو فيرد الآخر عليه بتفتيت الملكية الزراعية، وتكلم أحدهم عن قيادة حركة التحرر فيذكره الآخر بنكسة يونيو، وهكذا دواليك فى كل إنجاز تقابله معضلة.


ولا شك أن المؤرخ يجب أن يكون أعمق فى نظرته من هذا النمط العقيم من الحوار الذى يجسد سطحية كاملة فى تناول حدث عملاق وكبير بحجم ثورة ٢٣ يوليو، والتى نراها أنها كانت ضرورة ملحة لإجراء تغيير كامل فى حياة المجتمع المصرى بعد أن وصل إلى طريق مسدود بحيث لم تعد الحكومات المتعاقبة قبل الثورة تملك رؤية للمستقبل المصرى ولا إرادة حقيقية للعمل. ومن الممكن اعتبار أن الأجيال السابقة على ثورة يوليو قد أهانت ثورة ١٩١٩ إهانة بالغة وأنكرت الإنجاز الشعبى الكبير الذى جرى خلالها بالقبول باستمرار الاحتلال البريطانى الذى هبت ضده وضيعت معنى الاستقلال بالقبول بالتحفظات الأربعة، كما ضيعت معنى الجلاء بالموافقة على اتفاقية ١٩٣٦، لكن نظام ما قبل يوليو بكامله من ملكه إلى برلمانه إلى وزاراته تعرض للطمة مريرة تمثلت فى حادث ٤ فبراير ١٩٤٢ والذى قضى المصريون من بعده عقدا من الزمان يعلمون أن القرار للسفارة (البريطانية) وليس للوزارة (المصرية) ولا حتى للملك، إذ بينما كان الملك يفقد شرعية وجوده والاحترام المفترض له بنزقه وتصرفاته كان تدوير المقاعد الوزارية بينما حكومات الأقلية وحزب الأغلبية مؤشرا على أن ما يسمى بليبرالية ما قبل يوليو كانت فشلا تاما فى التطبيق الليبرالي؛ فحزب الأغلبية (الوفد) حكم أقل من سبع سنوات من جملة ٢٩ سنة فالديمقراطية إذن كانت منقوصة زمنا، ولم تعبر صناديق الانتخاب عن إرادة الأغلبية لأن الأغلبية لم تحكم.


على أن الأصعب أن ديمقراطية ما قبل يوليو كانت منقوصة قيمة، فلا ديمقراطية مع الاحتلال، بل إن الادعاء بوجود ممارسة ديمقراطية فى ظل الاحتلال هو تبرير لوجوده، وتلك نقيصة يتحمل حزب الأغلبية عنها، فبدلا من قيادة الجماهير لإتمام ما بدأته الثورة المصرية فى عام ١٩١٩ قاد الجماهير للقبول بالأمر الواقع. والغريب أن شعار الاستقلال التام أو الموت الزؤام صاحت به الجماهير وحدها ولم يتبن إياه أى مسئول سياسى من حزب الأغلبية، بل إن الذى جاء على أسنة الرماح البريطانية هو زعيم الأغلبية النحاس باشا، وبينما الشعب يتجرع مرارة الإهانة التى تعرض لها مليك البلاد كان الكرسى أهم من الكرامة الوطنية.


على أن الأكثر صعوبة من ذلك كله أن دوائر المصالح للاستعمار البريطانى ومصانعه لإنتاج الغزل والنسيج كانت مرتبطة بمنتجى القطن من المزارع المصرية من كبار الأثرياء جميعهم، ومنهم حزب الأغلبية وقادته. ولقد أدى هذا الاشتباك فى المصالح إلى تعطل دوران عجلة الحركة الوطنية إلى الحد الذى اعتبرت النخبة الحاكمة أداة من أدوات الاستمرار الاستعمارى على أرض الكنانة. أما من حيث الواقع الاجتماعى قبل يوليو فقد كان مريرا ذلك أن الأغلبية المصرية كانت مطحونة بالمعنى اللفظى للكلمة، إذ إنها ضمت ٧٥٪ من الشعب المصرى يمشون حفاة واكتفى أثرياء البلاد بأن تبرعوا لهم فى إطار ما عرف باسم «مشروع القرش» بما يكفل لهم حذاء، وهو ما لم يتحقق حتى صنع عبد الناصر أحذية البلاستيك بعد الثورة لتقى الفلاحين من الحفاء. وقد وصلنا فى الحلقة الأخيرة قبل الثورة – أعنى السنوات من ١٩٤٧ لعام ١٩٥٢- إلى حد أن فقد قرابة النصف مليون مصرى حياتهم تحت أوبئة مثل الكوليرا والبلاجرا مما ضرب الريف المصرى بكوارث إنسانية تحاول أجهزة الإعلام منذ أواخر عهد الرئيس السادات عدم عرض صورها التى جسدها أحد الأفلام المصرية فى هذا الوقت مع ترك المجال للهجوم على ثورة يوليو وعلى عبد الناصر عسى أن ينسى الشعب ما كان من مآسى ما قبل يوليو ومن مآثر ما بعد يوليو. وتجسد وثيقة أمريكية صدرت فى يناير ١٩٥٢ حالة مصر قبل الثورة حيث تصف الشعب المصرى وصفا اعتذر عنه لكن نقله هو الوحيد الذى يجسد الحقيقة التى كانت قائمة من علاقات بين الأغنياء والفقراء إذ قالت بأن المصريين أصبحوا أشبه بحمار أعياه ما يحمله له صاحبه، فعجز عن التقدم إلى الأمام بينما صاحبه لا يكف عن ضربه حتى يتقدم إلى الأمام. بل إن هذه الوثيقة ذكرت صراحة أن مصر توشك أن تكون بيئة مناظرة لبيئة العنف الماركسى الأحمر الدموى فى الصين.


ويقول مؤرخ ألمانى آخر (ميللر) إن ثورة يوليو كان من اللازم أن تحدث وأن يكون للجيش المصرى فيها دور كبير لسبب بسيط هو أنه – بفضل دفعة الضباط التى التحقت بالخدمة فى سنة ١٩٣٦ ومنهم ناصر والشافعى والسادات- الجهة الوحيدة التى كانت تتحرك من خارج إطار دوائر المصالح النخبوية الضيقة المسيطرة على البلاد. والسؤال الآن إذا كانت الأمور بهذا الوضوح فهل كان من الممكن أن يقوم الجيش بما قام به وأن يؤيده الشعب وألا يصدر قانون للإصلاح الزراعى فى مطلع الثورة، هل كان منطقيا أن يجرى التغيير السياسى ولا يجرى التغيير الاقتصادى والاجتماعي؟ فلماذا تحرك الضباط إذن؟ اللهم إلا لإجراء هذا التغيير.


وبعض الحانقين على يوليو يقولون بأنه لم يكن لدى جمال عبد الناصر برنامج وكان الأولى أن يقولوا إنه لم يكن للثورة برنامج، إلا أنهم استهدفوا ناصرا لأنه أكثر من يكرهون لسبب بسيط أنه أكثر من أحبه الشعب المصرى من بين قادة يوليو.


والواقع أن هذا التغيير أنقذ مصر من الشيوعية الدموية الحمراء فى الريف، والواقع أيضا أن عبد الناصر ظل صابرا ورفاقه من أجل أن تقبل جماعات المصالح الرأسمالية من ملاك الأراضى على الاستثمار فى الصناعة نظرا لحاجة البلاد الماسة إلى التحول الصناعى إزاء ما يجرى فى إسرائيل من تقدم علمى وتكنولوجى فى هذا الوقت. فلما استبان له عجزهم عن تصنيع البلاد أجرى التحول الاشتراكى فى عام ١٩٦١، وأمم المصانع لكى تنتقل مصر إلى الصناعات الكبرى والثقيلة باعتبار ذلك ضرورة تتطلبها الأوضاع الداخلية من ناحية لاستيعاب العمالة والخريجين، وضرورة أيضا لمجابهة إسرائيل ومنافستها، فلم يكن معقولا كما قال ناصر أن ينافس إسرائيل بينما تخرج هى ثلاثة آلاف مهندس فى العام وتخرج مصر مائتى مهندس، ومن ثم كانت مجانية التعليم قضية أمن قومى ونقطة فاصلة فى المواجهة مع الصهيونية.


وبهذا كانت الثورة ضرورة وكان التحول إلى ما نفذته مصلحة وطنية عامة لا فئوية تخص الضباط، ولا طبقية تخص الفقراء، وبالتأكيد لم تكن مرضا نفسيا امتلك الرجل نتيجة لإحساسه بالفقر، وقد كان بوسعه، وقد وصل إلى رتبة البكباشى وصار يحمل لقب البك، أن يعيش كما عاش المترفون، لكن للوطن نداء جاذبا استجاب له الرجل على نحو يحظى بالاحترام فلا يلومن إلا نفسه كل خائر القوى ضعيف الإرادة متهافت النفس إلى منافع الدنيا وأرباحها ومكاسبها، ولقد قدم الدليل على صدقه حين عاش ومات لا يملك فى مصر إلا راتبه.


ثورة يوليو الدور


كانت مصر قبل الثورة مملكة تدعى السيادة على السودان، بينما كانت هى والسودان محتلتان بقرابة المائة ألف جندى بريطاني، وكانت نهبا لقوى الحلفاء الذين أقاموا على أرضها خلال الحرب العالمية الثانية ودفعت ثمنا فادحا فى حرب لا ناقة لها فيها ولا جمل على حد قول إمام الأزهر وقتئذ الشيخ مصطفى المراغي، وسرعان ما اضطر عبد الناصر إلى أن يأخذ القرارات بعدما عجز محمد نجيب عن القيام بهذا الدور، وهنا طرح ناصر بسرعة فائقة مجموعة من الأفكار حول مصر وصلتها بكل من العروبة والإسلام وإفريقيا عبر ما سماه «الدوائر الثلاث للحركة المصرية» فى السياسة الخارجية. على أن القائد الشاب- وبعد عامين فقط مما سجله عن ذلك فى كتاب فلسفة الثورة- سرعان ما أضاف بعدا جديدا هو تضمان الشعوب الأفروآسيوية وحركة الحياد الإيجابى وعدم الانحياز وهو ما جعل مصر بؤرة لدوائر حركة متقاطعة فى العالم العربى وفى إفريقيا وفى الدول الإسلامية وفى آسيا، بل لقد اجتمع ما اصطلح عليه بعد ذلك بالعالم الثالث على قيادة الرجل لحركة دولية تقف شامخة بين قوتين عظميين متنافستين هما الولايات المتحدة ومن ورائها الدول الغربية، والاتحاد السوفيتى ومن ورائها الدول الاشتراكية. وفى عمر الخامسة والثلاثين كان الرجل رمزا لهذا العالم الثالث، وفى الأربعين كان من الوسطاء الذين يصونون العالم من الاحتمال النووى خلال الأزمة الكوبية الخاصة بالصواريخ السوفيتية الموجهة إلى الولايات المتحدة الأمريكية.


وقد حاول بعض الحاقدين على الرجل تحميله مسئولية تفكيك دولة وادى النيل، أى وحدة مصر والسودان، وذلك رغم أن المسئول المباشر عن هذا الملف كان محمد نجيب والسيد صلاح سالم وعدد من المعاونين، وأن عبدالناصر لم يتدخل فيه إلا فى المراحل الأخيرة وحاول بكل السبل استبقاء وحدة السودان مع مصر، لكن الحقيقة الكبرى كانت أن حكومات ما قبل الثورة لم تراع السودان ولم تدخله فى إطار حركتها ضد الاستعمار البريطاني، ولما تشكل الوفد المصرى فى غضون ثورة ١٩١٩ لم يضم إليه سودانيا واحدا، ولما قامت ثورة ١٩٢٤ فى السودان لم يجرؤ الساسة على مطالبة الجيش المصرى هناك بدعم أشقائه، ثم إنهم كانوا يراقبون حركة مؤتمر الخريجين ونشأة الأحزاب السياسية فى السودان والمطالبة بالاستقلال ولم ينخرطوا بها ولم يتفاعلوا معها كأنها لم تكن شيئا يستحق الاهتمام. ثم أقدم للقارئ مفاجأة أن وزير خارجية الوفد الدكتور محمد صلاح الدين كان قد أدلى بتصريح مفاده أن مصر تقدر رغبة السودانيين فى الحكم الذاتي، وأنها يمكن أن تتفهم الفصل بين مسارى الجلاء والسودان، ما يعنى أنه توصل إلى قناعة تقوم على الاعتراف بالحركة الوطنية السودانية وبحق السودانيين فى تقرير مصيرهم. ولم يقدم أو يؤخر قول زعيم الوفد مصطفى النحاس أن الدكتور محمد صلاح الدين إنما يعبر عن رأيه الشخصى وليس عن رأى حزب الوفد فالنتيجة كانت واحدة، إذ مضى السودانيون فى الطريق إلى نهايته.


وعلى الرغم من نجاح ثورة ٢٣ يوليو فى توحيد الأحزاب الاتحادية المطالبة بخروج بريطانيا وبقاء الارتباط بمصر، وعلى الرغم من نجاح هذه الأحزاب فى انتخابات الحكم الذاتى سنة ١٩٥٣، إلا أن الواقع أن الاستقلاليين أنفسهم لم يجدوا صعوبة فى جذب الاتحاديين إليهم ويمم الجانبان شطر لندن وواشنطن اللتين وعدتاهم بنيل جنوب السودان مقابل القطيعة مع مصر. ولهذا أقول بأن من يقولون بأن عبد الناصر ضيع السودان فإنه يضيع الحقيقة التاريخية ويفتئت على الرجل الذى وصفه أحد المقربين إليه وقت اختيار السودانيين طريق الاستقلال بأنه مضى إلى منزله مغموما وأنه لم يخرج منه إلا بعد ثلاثة أيام عاده فيها الطبيب وأنه لما زاره فى بيته وجده معصوب الرأس كئيبا.


وتشير الباحثة حنان عزوز فى رسالتها للدكتوراه إلى أن الرئيس عبد الناصر أرسل إلى قادة السودان من الرشى المالية مبالغ كبيرة لكنهم تقاضوها ومضوا فى طريقهم. كما يشير البعض الآخر إلى أن استخدم آلية الصحافة، كما استخدم لغة الخطاب الحماسى الوطنى واستقبل فى بيته عشرات من القادة السودانيين، لكن الثمرة الاستقلالية كانت قد نضجت ولم يعد بالوسع تغيير الاتجاه.


ويشكل السودان نقطة بارزة فى تكوين مخيال شعبى للرئيس عبد الناصر، فالرجل الذى اتهم بأنه قطع السودان عن مصر قوبل وهو مهزوم فى الخرطوم استقبال الفاتحين وعطلت سيارة الملك فيصل أكثر من نصف ساعة حتى رأى بعينى رأسه -قبل أن يحضر مؤتمر الخرطوم فى عام ١٩٦٧- سيارة عبد الناصر تأتى محمولة على الأعناق، فماذا يريد الشانئون أن يتعلموا بعد هذا؟ والرجل الدور هو نفسه فى سوريا المحمول على الأعناق وهو نفسه فى الجزائر وفى المغرب وفى الجنوب العربى وفى فلسطين وفى العراق، فليس لشانئ بعد ذلك إلا أن يقال له «وقد خاب من حمل ظلما». وفى قلب إفريقيا، وبالقرب من الغابة أو الجبل أو منابع النيل، وفى الأكواخ البسيطة الفقيرة كنت تجد فى كينيا صورة جوموكينياتا وصورة جمال عبد الناصر. إحداهما إلى جوار الأخرى لا يزيد الإفريقى إلا تمسكا بهما رغم توالى الرؤساء هنا وهناك.


لقد جسد الرجل حركة التحرر الوطنى القومى والعربى والإفريقى والإنساني، وبالتالى جعل مصر فى قلب حركة تاريخية كبيرة على مستوى العالم، خرج فيها المستعمر القديم وانتهى بها عصر الهيمنة البيضاء، وطرح العرب والأفارقة أنفسهم على العالم وفى قلب الأمم المتحدة شعوبا حرة متكاتفة.


الثورة الدور والرجل الدور والوطن الدور تجسد أيضا فى توظيف القوى الناعمة فمن راديو مصر يعلن عن الثورة فى الجزائر ضد الاستعمار الفرنسي، ومن راديو صوت العرب يعلن عن ثورة الجنوب اليمنى ضد الاستعمار البريطاني، ومن الأزهر الشريف خرجت صيحة سنقاتل مقرونة بنداء الأذان إلى الجهاد «الله أكبر».


وفى ٢٦ يوليو ١٩٥٦ تقرر أن نبنى السد العالى وأن نسترد القناة ورغم العدوان على مصر إلا أن الحقيقة الكبرى أن العالم بعد حرب السويس ١٩٥٦ ليس هو العالم قبلها حتى ليقول نيلسون مانديلا: إن ما جرى فى حرب السويس علمنا أن حجرا صغيرا فى أيدينا أقوى من أسلحة مستعمرين، وأن أخا شقيقا فى أقصى شمال إفريقيا استطاع أن يقول «لا»، وأن يسترد حقه، فانبثق أمامنا فجر الخلاص.» وبعد سبع وعشرين سنة فى السجن جاء مانديلا إلى القاهرة حيث وقف أمام قبر عبد الناصر يعتذر له عن تأخره فى الحضور لأنه كان فى السجن ويقول له: إننى حر الآن، شكرا لك فخامة الرئيس. لقد كان عبد الناصر قد رحل فى ذلك الوقت منذ عقدين من الزمان، لكن الدور المصرى كان قد تجسد فى رجل والرجل- رغم أنه مات- صار رمزا.


ثورة يوليو وإفريقيا


مثلما عرف ناصر بأنه بطل القومية العربية، عرف أيضا بأنه بطل إفريقيا. لقد جسد جمال عبد الناصر كفاح إفريقيا من أجل الاستقلال وارتبط بأشقائه من القادة الأفارقة ارتباطا وثيقا وقاتل معهم كتفا بكتف ويدا بيد قوى الاستعمار وضرب المثل على الإخلاص لفكرة التحرر الوطنى وعلى التواصل مع رموزها وعلى الاستجابة الدائمة لمتطلبات الكفاح ودفع الثمن الواجب من أجل أن ترى عينه بلدا إفريقيا يستقل من بعد بلد، ولقد صارت القاهرة قبلة لقادة العالم وفى القلب منهم القادة الأفارقة، بل إنه عندما طور الأزهر فى عام ١٩٦١ نقل أعداد الطلاب الوافدين من القارة الإفريقية من أقل من ٣٠٠ طالب إلى أكثر من سبعة آلاف طالب فى غضون ثلاث سنوات فقط. كما أصبحت الجامعات المصرية قبلة لآلاف الطلاب تحتضنهم من كل دول العالم وبصفة خاصة الدول الإفريقية الشقيقة.


ومن أعجب ما ذكر حول مكانة مصر فى إفريقيا ما رواه أحد الدبلوماسيين المصريين كان معتمدا فى أوغندا وخرج فى سفارى مع عشرات الدبلوماسيين وزوجاتهم فقطع طريقهم وأخذت منهم ممتلكاتهم وأموالهم وساعاتهم وجوازات سفرهم بمن فيهم السفير المصري، والذى فوجئ باللص يستدعيه بعد أخذت منه حاجياته لكى يردها إليه ويسأله هل لزوجتك أشياء هنا؟ وفوجئ بأنه يرد أيضا حاجيات زوجته، ولما سأله لماذا ترد لى أشيائى دون غيرى من السفراء قال له اللص: «لأنك من بلد ناصر الذى علمنا معنى الحرية، وأنا لا أستطيع سرقة واحد من أبناء مصر، أما هؤلاء الأوروبيون والأمريكان فإنهم اللصوص الذين يسرقوننا كل يوم».


والمسألة الرمزية فى روبن هود الإفريقى هذا أن الشعوب الأفريقية لا تنسى وأنها كانت تعجب كيف أن المصريين على مر السنين يتجاهلون عبدالناصر وكيف توجه حملات البغض والكراهية إلى الرجل الذى صنع إفريقيا الجديدة وقاتل فى سبيلها، ولا شك أن أخانا الإفريقى هذا قد سر خاطره وانتعشت ذاكرته ومضى فرحا وهو يرى فى ٢٥ يناير ٢٠١١ و٣٠ يونيو ٢٠١٣ كيف خرج المصريون يحملون صور عبد الناصر، لهذا كله أقول للرئيس السيسى إن التجربة ماثلة أمام ناظريك: رجل مات صغيرا، لكنه لا يزال يحيا بيننا، ورجل عاش طويلا لكن ذكراه ماتت وهو فى السلطة. وأنا أعرف أن اختيارك هو اختيار العزة والكرامة.