عبد الناصر ثورة يوليو ودهس المحتفلين فى نيس بالثورة الفرنسية ونابليون

20/07/2016 - 1:13:06

بقلم : حسنين كروم

لا أعرف لماذا تبادر إلى ذهنى على الفور تذكر الزعيم خالد الذكر جمال عبد الناصر وثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ وأنا أتابع مأساة دهس الشاحنة الناس على شاطئ مدينة نيس الفرنسية، الذين كانوا يحتفلون بذكرى الثورة الفرنسية واقتحام سجن الباستيل، وهذا اليوم هو العيد الوطنى لفرنسا منذ أكثر من مائتى سنة، ولا يزال نشيدها حتى الآن هو نشيد الثورة، ولا يزال العالم يحتفل معها بهذه الثورة، باعتبارها التى نشرت شعارات الحرية والعدالة والمساواة، وحيث لا يزال الفرنسيون حتى الآن يعتبرون الجنرال نابليون بونابرت بطلهم القومي، هذا على الرغم من أن الثورة الفرنسية شهدت عنفا لا مثيل له، سواء فى إعدام الملك لويس السادس عشر وزوجته مارى أنطوانيث وأفراد من الأسرة والعشرات من القساوسة.


ثم انقلبت على نفسها، ودارت المذابح فيما بين قادتها، إلى أن استقر الأمر للجنرال بونابرت الذى قضى على الفوضي، وكون جيشا جبارا، ودخل فى حروب لاحتلال البلاد الأخري، وتصادم مع إنجلترا أكبر قوة عسكرية فى العالم وقتها، وهاجم روسيا القبرصية، واحتل مصر والشام اللتين كانتا خاضعتين للدولة العثمانية، وفى النهاية تمت هزيمته وخسرت فرنسا الحرب وتم احتلالها، وعادت إليها الملكية مرة أخري، وقبض على نابليون، وتم نفيه إلى جزيرة مهجورة هى سانت هيلانة، ومات فيها، وبعدها انتفض الفرنسيون وطردوا أسرة البربون وأعادوا الجمهورية والاحتفال بالثورة وبنابليون، الذى يعتبر حتى الآن بطلهم القومي، وهو التقليد المتبع حاليا، وكل عام يحتفلون بالثورة فى الرابع عشر من شهر يوليو الذى وقعت فيه حادثة الدهس .


تبادر إلى ذهنى مقولة أن الشعوب لا تنسى تاريخها ونضالها، ولا تخون قادتها المخلصين لها، رغم أخطائهم التى قد يكون يعضها فادحا، وهل هناك أفدح مما حدث من الثورة الفرنسية، ومن المصير الذى انتهى إليه نابليون ؟ لذلك لم أندهش من استمرار المصريين باعتبار ثورة ٢٣ يوليو سنة ١٩٥٢ من أعز ذكرياتهم واعتبار زعيمها خالد الذكر جمال عبد الناصر بطلهم القومى لا فى مصر ولكن فى العالم العربى كله، بل وفى أفريقيا بالذات بسبب التغييرات الهائلة التى أحدثتها فى مصر والعالم دون حروب أو غزوات، إنما مساعدات، وهى الدولة الفقيرة للشعوب المستعمرة فى أفريقيا للتخلص من الاستعمارين البريطانى والفرنسي، ولدرجة أن الأفارقة كانوا لا يعرفون مصر إلا من خلال عبد الناصر. وتكتسب ثورة يوليو وعبد الناصر أهميتها الكبرى من أنها كانت سلمية، فلم تعدم الملك فاروق، وإنما تركته يرحل معززا مكرما إلى إيطاليا على اليخت الملكى من المحروسة وإطلاق واحد وعشرين قذيفة تحية له، ووقف رئيس مجلس قيادة الثورة وقتها اللواء محمد نجيب لتحيته، ولا هى أعدمت أحدا من السياسيين القدامى الذين تعاونوا مع الملك، فعينت رئيس الديوان الملكى على ماهر رئيسا للوزراء لفترة، واستعانت بغيره أيضا، ولا هى عندما قامت بحركة التأميمات سجنت أصحاب مصانع أممتها، بل أبقت عليهم على رأس شركاتهم مثل عثمان أحمد عثمان والعبد ولم تصطدم بأحد إلا ردا على بدئه بالصدام والتآمر، وبدأت فى إنشاء تنظيمات سياسية فتحتها للجميع بدءا من هيئة التحرير والاتحاد القومى والاتحاد الاشتراكي، وأنا هنا لا أدافع عن هذه التنظيمات، لأنه لا ديمقراطية دون أحزاب سياسية، لكن عبد الناصر كان الأكثر استقامة وصراحة عندما أعلن أنه لا ديمقراطية لأعداء الشعب، وأن التنظيمات التى ينشئها فيها متسع للجميع .


ومن الملفت هنا هو الشعبية الكاسحة التى لقيتها ثورة يوليو فور الإعلان عنها أن الشعب لم يكن يعرف عن قادتها شيئا إلا معلومات نادرة عن اللواء محمد نجيب قائدها وأنور السادات بسبب محاكمته فى قضية مقتل وزير الأشغال أمين عثمان عام ١٩٤٦ بما يعنى أن الشعب كله كان منتظرا ثورة تطيح بالملكية، ولذلك كانت جماهير حزب الأغلبية الوفد أول من سارع بالتأييد، وهو ما يعكس حقيقة أن الوفد الذى كان عليه أن يطيح بالملك لم يفعلها ليضع نهاية لعبثه بالدستور والحياة السياسية، فالشعب كان يأتى بالوفد فى أى انتخابات بأغلبية ساحقة، ويشكل الوزارة ويستمر فيها شهورا أو سنة أو سنتين ثم يقيله الملك، ويأتى بحكومة من أحزاب الأقليات المؤيدة له تجرى انتخابات مزورة، ثم تضطرب الأوضاع فيقيل الملك الحكومة، ويجرى انتخابات يفوز بها الوفد بأغلبية ساحقة؛ ليستمر فى الحكم مدة، وتتكرر نفس اللعبة من أيام الملك فؤاد وابنه فاروق، بل وصل الأمر إلى تشكيل الملك فؤاد أحزابا سياسية مثل حزب الاتحاد برئاسة يحيى إبراهيم وحزب الشعب برئاسة إسماعيل صدقى بل وإلغاء دستور ١٩٢٣ ووضع دستور جديد عام ١٩٣٠ ووصلت الأمور إلى أن يشكل الملك فاروق تنظيما مسلحا هو الحرس الملكى الحديدى لاغتيال خصومه، بدأ باغتيال أمين عثمان وست محاولات فاشلة لاغتيال النحاس شارك السادات فى بعضها، وهذا ما يكشف عن أكذوبة أن مصر قبل ثورة يوليو كانت تتمتع بليبرالية عظيمة، والمهم فى الأمر كله أن حزب الوفد صاحب الأغلبية الشعبية الكاسحة قبل بهذا الأمر، دون أن يبادر بالإطاحة بالملك فاروق، وهو سؤال وجهته إلى صديقنا المرحوم فؤاد سراج من الأسباب التى دعت الحزب إلى عدم الإطاحة بالملك فاروق لوضع حد لهذا العبث، فقال أمران الأول أننا لا نريد مخالفة الدستور، والثانى الجيش كنا نخاف من انحياز الجيش له؛ لأنه أقسم على الولاء له، إلا أنه أخبرنى أن هذا السؤال من الممكن أن يجيبك عنه إبراهيم، وسألت صديقنا إبراهيم فرج عن أسباب عدم إقدام الوفد على عزل الملك فاروق، فقال فكرنا فى ذلك مرتين الأولي، ولم تكن جدية بعد تولى الوزارة فى فبراير سنة ١٩٤٢ والثانية فى وزارة ١٩٥٠ وكان التفكير فى عزله جديا، بل ووضعت خطة عزله فعلا وتم تكليف محمود سليمان غنام وزير التجارة بكتابتها، وهى لدى أسرته، وسوف أكلمهم لتسليمها لك، وما قاله إبراهيم فرج موجود فى كتابى “ ذكرياتى السياسية “، التى قمت بإعدادها له، وقد أخطأت عندما نسيت الاتصال بأسرة محمد سليمان غنام.


المهم أنه إذ كان حزب الأغلبية الشعبية الكاسحة لم يقم بالإطاحة بالملك فاروق لوقف عبثه بالدستور والإرادة الشعبية؛ فإنه فتح الطريق لأى قوة أخرى للإطاحة به، ولم يكن ممكنا طبعا أن تكون أحزاب الأقليات الموالية له، وإنما قوة أخرى لها قدرة على الحسم، فكان تنظيم الضباط الأحرار، ولذلك عندما تتم إذاعة البيان الأول للثورة صبيحة يوم ٢٣ يوليو نزل الشعب كله للشوارع مؤيدا دون أن يعرف من هم قادة الثورة ولا اتجاهاتهم؛ أى أن جماهير الوفد الكاسحة وحتى جماهير الأقليات هى التى نزلت مؤيدة الثورة منفصلة بذلك عن أحزابها التى أيدت فيما، ولا أريد الاسترسال فى ذلك أكثر من هذا، لكن لابد من ذكر حقيقة أنه لم يكن ممكنا أن يقوم الجيش بالثورة ويتحمل مخاطرها ويعلن عن برنامج له من ست نقاط ثم يتخلى عن الحكم للأحزاب التى تقاعست عن الإطاحة بالملك، وإنما المنطقى أن يستمر لتطبيق برنامجه خاصة وأنه لقى تأييدا شعبيا كاسحا وحدثت صراعات داخل قيادة الثورة، وانتهت الأمور إلى قائد الثورة الحقيقى جمال عبد الناصر، الذى حصل بسبب انحيازه للأغلبية الفقيرة والمتوسطة على شعبية كاسحة، كانت امتداد الشعبية خالدى الذكر سعد زغلول ومصطفى النحاس، ولأنه إما حقق ما كانت تطالب به الحركة الوطنية، أو استكمل ما بدأته وأحدث تأثيرا هائلا فى العالم العربى وفى أفريقيا وآسيا، وحتى حين توفى عام ١٩٧٠ ومصر محتلة كانت جنازته من أكبر الجنازات فى العالم ودفن فى بلاده ولم يمت منفيا كما كان حال نابليون، وهذا ما جعلنى أربط بين حادثة دهس المحتفلين بالثورة الفرنسية وبين ثورة يوليو .


ومن مساخر كتابات الأسبوع الماضى فى المصرى اليوم كان هجوم صاحبها ورجل الأعمال صلاح دياب، الذى هاجم عبد الناصر وحمله مسئولية كل ما يحدث الآن فى مصر، وبعدها جامله زميلنا وصديقنا ورئيس تحرير الوفد الأسبق عباس الطرابيلي، بأن اتهم عبد الناصر بأنه الذى أفسد التعليم، وذلك فى عموده بالمصري، والمهاجم الثالث فى المصرى اليوم كان صاحبنا الكاتب وجيه وهبة الذى قال يوم الأحد الماضى فى مقاله الأسبوعى عن الانشقاقات التى حدثت داخل تنظيم الضباط الأحرار: “ استقر عبد الناصر زعيما أوحد وحاكما مطلقا لا شريك له تزايد طموحه مع تصاعد شعبيته، مصر صغرت عليه أراد أن يفرض دعامته، ويمد نفوذه على كل المنطقة، وذلك تحت مظلة القومية العربية، هاجم الهيمنة الامبريالية الغربية، وفى ذات الوقت مارس سلوك الهيمنة الإمبريالية فى العربية دفعت قراراته وتوجهاته الأجانب والمتمصرين إلى ترك البلاد، فأفقر المناخ المصرى الثقافى التفاعلي، واختفى تدريجيا المجتمع الكوزموبوليتانى المتنوع فى كل المجالات، وكان ذلك من أكبر أخطائه بل خطاياه “ .


وفى حقيقة الأمر فإن مشكلة وجيه وغيره ممن هم على شاكلته ليست فى رفضهم لثورة يوليو أو هجومهم على خالد الذكر فهذا حقهم، بالإضافة إلى أنه كانت هناك أخطاء عديدة وبعضها فادح يستحيل الدفاع عنه أو تبريره، لكن المشكلة معهم أنهم وهم يتحدثون عن وقائع تاريخية يظهرون جهلا فاضحا بها، فإما أنهم لم يقرأوا عنها شيئا وأقحموا أنفسهم عليهم بجرأة غريبة أو قرأوا عنها، ولكنهم لا يريدون الاعتراف بها حتى لا تصب فى صالح عبد الناصر ونظامه؛ مما يكشف عن حقيقة توجهاتهم المعادية للقومية العربية والدعوة للوحدة بتصوير الأمر وكأنها من اختراعه وأراد فرضها على الشعب المصرى وتغيير قوميته الفرعونية إلى العربية، وكأن المصريين كانت لغتهم هى الهيروغليفية قبل ثورة يوليو وكذلك قوميتهم، وإذا كان وجيه وغيره من مهاجمى القومية العربية لم يعرفوا أن مصر هى التى أنشأت جامعة الدول العربية؛ لتكون منظمة عربية تضم الدول العربية فقط لا الإسلامية صاحبة القومية العربية لتحقيق وحدتها، وذلك بجهود كبيرة من زعيم حزب الوفد خالد الذكر مصطفى النحاس باشا ورئيس الوزراء فى وزارة عام ١٩٤٢ – ١٩٤٤ ووقع على بروتوكول إنشائها فى السابع من أكتوبر سنة ١٩٤٤ وضمت سبع دول هى مصر والعراق والسعودية والمملكة المتوكلية اليمنية شمال اليمن وسوريا ولبنان وإمارة شرق الأردن، وفى اليوم التالى لتوقيع البروتوكول أقام الملك فاروق وزارة الوفد، وفى العلم التالى ١٩٤٥ وقعت حكومة النقراشى على الميثاق ومصر المحتلة من جانب الإنجليز، هى التى قادت عملية رفض قيام إسرائيل على أرض فلسطين، وقادت الدول العربية لدخول الحرب فى مايو سنة ١٩٤٨ لمنع قيامها ولم يحدث بعد ذلك أن دخلت دولة عربية بما فيها مصر بعد ذلك أى حرب ضد إسرائيل من أجل فلسطين، فحرب العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦ على مصر كانت بسبب تأميمها شركة قناة السويس، وحرب يونيو ١٩٦٧ بسبب إغلاقها مضيق العقبة أمام الملاحة الإسرائيلية وحرب أكتوبر ١٩٧٣ لتحرير سيناء، فأين هى الحرب التى قامت ضد إسرائيل من أجل فلسطين غير حرب ١٩٤٨ .


ونفس الجهل بتاريخ ارتباط مصر بالقضية الفلسطينية والقومية العربية القول باتهام عبد الناصر بدفع الأجانب والمتمصرين إلى ترك البلاد، فأفقر المناخ المصرى الثقافى التفاعلي، واختفى تدريجيا المجتمع الكوزموبوليتاني، وفى حقيقة الأمر فأنا مندهش لا من هذا القدر من الجهل، وإنما من تزييف الوقائع، فأولا كان من أهداف الحركة الوطنية خاصة بعد ثورة مارس ١٩١٩ التى قادها الزعيم خالد الذكر سعد زغلول وما سبقها من دعوات إنهاء سيطرة الأجانب على الاقتصاد المصرى من بنوك وشركات وتصدير واستيراد وإنشاء صناعة وطنية، وقادها طلعت حرب بإنشاء بنك مصر وشركاته، وكانت سياسة حكومة الوفد أنها لن تجدد أى عقد لشركة أجنبية فى حال انتهاء مدته فى شركات الكهرباء والمياه والمترو ونقله إلى الحكومة، وظهرت الدعوات لتمصير الاقتصاد المصرى وإنهاء سيطرة الأجانب عليه، ولم يحدث أن طردت مصر بعد الثورة الأجانب وإنما سارع عدد كبير منهم إلى تركها بعد تأميم شركة قناة السويس وبدء العدوان الثلاثى عام ١٩٥٦ وتركوا شركاتهم، مما دفع الحكومة إلى نقل ملكيتها إليهم والدليل أن المرشدين اليونانيين فى شركة قناة السويس لعبوا دورا هاما مع الإدارة المصرية لإنجاح عملية التأميم، أما المجتمع الكوزموبولتانى الذى قضت عليه الثورة، وأفقر المناخ المصرى الثقافى التفاعلى فإنه لم يورد دليلا واحدا عليه فمن هم الأدباء والمفكرون الأجانب الذين كانوا يؤثرون فى الحياة الثقافية والفنية وطردتهم مصر ؟ .


فى الحقيقة لا أستغرب أن يطالب وجيه بعد ذلك بدفع تعويضات لليهود المصريين، الذين تركوا مصر، مثلما فعل قبله صديقنا وعضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان المسلمين الدكتور عصام العريان عندما كان الإخوان فى السلطة، بأن من حق اليهود الذين تركوا مصر الحصول على تعويضات عن ممتلكاتهم التى تركوها وقدرها ثلاثين ألف مليون دولار وعودتهم إلى مصر والدول العربية ؟ مشكلة وجيه ومن يتخذون نفس مواقفه أنهم لا يقرأون تاريخ بلادهم مثلما يقرأون تاريخ دول أوربية، ولذلك يكون هذا مستوى معلوماتهم عما يكتبون عنه .