ثورة يوليو.. شعبوية التعليم والثقافة

20/07/2016 - 1:05:39

بقلم: د. محمد عفيفى

التعليم والثقافة من الأمور المترابطة والهامة فى تاريخ النهضة المصرية الحديثة، يمكننا ملاحظة ذلك الأمر فى نهضة مشروع محمد على وإقامة الدولة الحديثة، حيث يعتبر نموذج رفاعة الطهطاوى خير دليل على ذلك، وكذلك فى عصر إسماعيل، حيث تعليم البنات، وإنشاء دار الكتب والأوبرا المصرية وغيره، وكذلك فى أعقاب ثورة ١٩ وإشراف الدولة على الجامعة المصرية، وبروز القومية المصرية وازدهار الأدب والفن المصري.


من هنا لم يكن غريبًا أن تشهد مصر نهضة مماثلة فى الثقافة والتعليم بعد ثورة ١٩٥٢، فعلى الرغم من الطبيعة العسكرية لحركة الجيش فى ٢٣ يوليو، إلا أنه لا ينبغى تجاهل أن الضباط الأحرار كانوا أبناء الفترة الليبرالية التى تميزت بنهضة ثقافية راقية، كما كانوا على الأقل فى البداية تمثيلاً جيدًا للتنوع السياسى والثقافى فى مصر بعد الحرب العالمية الثانية.


ويعبر ثروت عكاشة أحد كبار الضباط، ووزير الثقافة فى عصر عبد الناصر، عن حالة الضباط الأحرار قائلاً فى مذكراته:


“إن خلايا الضباط الأحرار قد تجمعت من رجال مؤمنين بوطنهم، وإن تنوعت مشاربهم السياسية ورؤاهم الاجتماعية، فقد كان بيننا من تأثر بالفكر الدينى أو بالفكر الماركسى أو بالفكر الليبرالي، كان من بيننا من تربى فى أحضان حزب الوفد، ومن لقن السياسة فى حزب مصر الفتاة، ومن كان عضوًا فى جماعة الإخوان، ومنا من لم تكن تجربته السياسية إلا ارتشافًا من الكتب الجادة فى السياسة والتاريخ والاقتصاد، لقد كنا تلاميذ أساتذة الفكر السياسى فى مصر، وقراء الصحف والمجلات التى تعنى بقضايا الوطن والإنسان المصري، وكنا نتابع نشاط الأحزاب المصرية فى دقة وأناة، فلا عجب أن ألممنا بجميع الاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية فى مصر خلال تلك الفترة الخصيبة،،، وإن غلب علينا التعبير عن آمال الطبقة الوسطى المتعلمة التى كنا منها، وشاء القدر أن يضع فى أيدينا السلاح الذى نشارك به فى تحقيق ما نادى به حملة القلم”.


من هنا كان اهتمام ثوار يوليو بشئون الثقافة والتعليم لا تقل فى الأهمية عن الاهتمام بالمسألة الاجتماعية والاقتصادية، ويتضح ذلك جليًا فى استحداث الدولة لوزارة جديدة هى وزارة الثقافة، وكانت وجهة نظر عبد الناصر أن هذه الوزارة ستكون بمثابة الرباط الوثيق بين المثقفين وحركة الثورة، فى سبيل:


“تعاون كافة المفكرين المستنيرين فى إحداث التنمية الاجتماعية المنشودة”.


ويعتبر خطاب تكليف عبد الناصر لثروت عكاشة خير معبر عن إيمان ثورة يوليو بأهمية الثقافة بمعناها الواسع، ويشمل أيضًا التعليم فى التأسيس للنهضة المصرية الجديدة، هذا فضلاً عن الإدراك المبكر لأولوية ذلك، وعدم الاقتصار على خطط التنمية الاقتصادية، أو حتى استتباب الحالة الأمنية.


يقول ناصر لثروت عكاشة:


“إننى اليوم أدعوك أن تُقبل على هذا العناء وذاك العمل الجاد، إن مهمتك هى تمهيد المناخ اللازم لإعادة صياغة الوجدان المصري، وأعترف أن هذه أشق المهام وأصعبها، وأن بناء آلاف المصانع أمر يهون إلى جانب الإسهام فى بناء الإنسان نفسه”.


هكذا كان إدراك ثورة يوليو لأهمية المشروع القومى لبناء الإنسان المصري، ويحدثنا ثروت عكاشة عن أهمية المشروع الثقافى التعليمى الذى أقدمت عليه الدولة آنذاك، وهو إنشاء “أكاديمية الفنون”، وهى فى الحقيقة خطوة رائدة أقدمت عليها مصر الثورة لإيمانها بأهمية القوة الناعمة لمصر، الثقافة والفنون، وضرورة مواكبة التطورات العصرية فى هذا الشأن، كما ستصبح الأكاديمية الجامعة الوحيدة للفنون فى العالم العربي، وسيفد إليها الطلاب من أنحاء العالم العربي، ليعودوا إلى بلادهم وينقلوا إليها الحركة التعليمية الفنية الجديدة، وما زالت أكاديمية الفنون، رغم الصعاب والعراقيل، والتراجع الشديد، منارة الفن والثقافة فى العالم العربى حتى الآن.


ويشير “دونالد ريد” فى كتابه عن تاريخ جامعة القاهرة إلى ظاهرة هامة ستصبح استراتيجية الثورة فى التعليم الجامعي، كان طه حسين وزير المعارف العمومية قبل ثورة يوليو قد أعلن أن التعليم كالماء والهواء حق لكل مواطن، وأعلن مجانية التعليم قبل الجامعي، ويرى “ريد” أن عبد الناصر كان مثل طه حسين صاحب نزوع شعبي، يؤمن بحق الجميع فى التعليم، لذلك ستبدأ خطوات ذلك بمحاولة أولية لحكومة الثورة فى الخمسينيات بتخفيض الرسوم الجامعية، من أجل توسيع قاعدة المتعلمين، وإزالة الفجوات بين الطبقات.


ثم يأتى التحول الكبير فى السياسة التعليمية فى يوليو ١٩٦٢ عندما يعلن عبد الناصر مجانية التعليم الجامعي، ويحدد تقرير صدر فى تلك الفترة استراتيجية الدولة تجاه التعليم العالي، إذ يرى التقرير أن التعليم العالى كان هدفه قبل الثورة تخريج الموظفين لخدمة “الأجهزة التى تسيطر عليها الميول الرجعية والمبادئ الاستعمارية، والمفاهيم المعبرة عن المصالح الأنانية، فتم وضع العراقيل فى طريق الطبقات الفقيرة، وتم تضييق دائرة التعليم العالي، وأخضع قبول الطلاب لاعتبارات طبقية، يراعى فيها وضع الأسرة، وتلعب فيها المحسوبية والمستوى المادى دورًا بارزًا”.


ويرى التقرير أن هذا الوضع قد تغير تمامًا فى العهد الثوري، العهد “الذى قفز فيه التعليم العالى قفزة ناجحة إلى الأمام مع انهيار حكم الطبقة، وإقامة العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، فأصبح التعليم حقًا مشاعًا لكل مواطن وفقًا لكفاءته بصرف النظر عن مكانته الاجتماعية أو قدراته المادية أو اتصالاته، وقد بدأ التطور الكبير مع خفض رسوم التعليم وصولاً إلى توفير مجانية التعليم حتى مرحلة التعليم العالي”.


ولم تكتفِ الدولة بهذا الإنجاز الكبير من خلال مجانية التعليم الجامعي، وتوسيع قاعدة المتعلمين، ولكنها أولت اهتمامًا كبيرًا بمعضلة كبيرة عانى منها المجتمع المصري، وما زال يعاني، وهى مسألة الأمية، إذ سعت حكومات يوليو نحو تحقيق الهدف المنشود “محو الأمية” من أجل القضاء على الطبقية وإقامة المجتمع الجديد، وبينما كانت نسبة الأمية فى عام ١٩٤٧ ٦٥٪ بين الذكور، و٨٤٪ بين الإناث، وانخفضت النسبة فى عام ١٩٦٠ إلى ٥٦٪ بين الذكور، و٨٣٪ بين الإناث، وفى عام ١٩٧٢ وصلت النسبة إلى ٤٥٪ بين الذكور و٧٣٪ بين الإناث.


وعلى الرغم من البعد الاجتماعى للثورة فى مسألة التعليم والثقافة، إلا أن البعض يوجه سهام النقد لاستراتيجية الدولة فى هذا المجال، وإلى مسارات التطبيق نفسها.


ففى الشأن الثقافى يرى البعض أن إنشاء ثورة يوليو لوزارة الثقافة كان من الأمور المعيبة، وأدى إلى سيطرة الدولة على المجال الثقافي، وإدخال المثقفين حظيرة الدولة، وأن هدف الدولة كان واضحًا منذ البداية فى سيادة ثقافة الدولة، مما أدى إلى إضعاف دور المجتمع المدنى فى هذا الشأن، وأن حال الثقافة المصرية كان أفضل قبل الثورة، وقبل إنشاء وزارة للثقافة، وردد البعض أن إنشاء الوزارة أعاد من جديد إشكالية مثقف الدولة، والثقافة الرسمية.


وبالنسبة للتعليم بصفة عامة، ومجانية التعليم الجامعى على وجه الخصوص، رأى البعض أن الدولة اعتمدت فى هذا الشأن سياسة الكم لا الكيف، وتوسعت فى إنشاء الجامعات على حساب جودة التعليم، وبروز مشكلة جامعات الأعداد الكبيرة، كما أن ميزانية الدولة، المرهقة فى الحروب ودعم حركات التحرر الوطني، لم تعد تستطيع الوفاء بتكاليف مجانية التعليم الجامعي، وأن هذا الأمر أدى إلى تدهور مستوى الجامعات المصرية، وجودة وكفاءة خريج الجامعة، كما عاب البعض على ثورة يوليو مصادراتها للديمقراطية فى الجامعات منذ أحداث مارس ١٩٥٤.


وبالنسبة لمسألة محو الأمية نظر البعض إلى الأرقام والنسب السابق ذكرها على أنها دليل إخفاق ثورة يوليو فى القضاء على محو الأمية، وإخفاق الحكومات المتتالية فى مواجهة ذلك، وأبرز هؤلاء مدى فداحة عدم القضاء على الأمية فى الحيلولة دون إقامة حياة ديمقراطية سليمة. ومهما يكن من شأن الانتقادات الموجهة لاستراتيجية دولة يوليو بشأن التعليم والثقافة، فإن المرء لا يستطيع أن ينكر أنه ابن هذه المرحلة، ولولا مجانية التعليم ما كان وصل إلى درجة أستاذ جامعي، وأنه تربى فى مكتبة عامة تابعة لوزارة الثقافة.