د. مراد وهبة: «المصوّر» وراء تعيينى مستشارًا لـ «عبد الناصر»

20/07/2016 - 1:00:48

حوار: إيمان رسلان

رغم أن الفلسفة بمفهومها المتجرد لم تكن حاضرة بشكل قوى فى الحوار مع التنويرى العلمانى، أستاذ الفلسفة د.مراد وهبة، إلا أن الحوار معه هذه المرة كان عن ذكريات مع عبد الناصر حيث كشف د. مراد الدور الذى لعبته «المصور» فى حسم مسألة اختياره مستشارا تعليميا سريا للرئيس الراحل جمال عبد الناصر.


«حملة المصور» لم تكن الأمر الوحيد الذى لا يزال يحتفظ به عقل «د. مراد» المرتب، لكنه تحدث أيضا عن معاركه وتاريخه الطويل الرافض لسيطرة القوى الظلامية والتيارات الدينية على الأمر، حيث تحدث عن معركته المتعلقة بـ«قرار إلغاء تدريس الفلسفة»، والتى كسبها أستاذ الفلسفة، وتحمل النتائج التى ترتبت عليها أيضا، وشرح أيضا لماذا تدهور التعليم ودور الإخوان تاريخيا فى المؤسسة التعليمية.


الحاضر كان موجودا أيضا على طاولة الحوار، حيث تحدث العالم التنويرى عن موقفه من الوضع الحالى للعملية التعليمية فى مصر برمتها، كشف الأسباب التى أوصلتنا إلى مرحلة «الدروس الخصوصية» و «تسريب الامتحانات» و «الغش الجماعى»، وأكد أن تلك الأمور لا تتعدى كونها نتاجا طبيعيا لأسلوب العملية التعليمية منذ سنوات طويلة والتى وصفها بـ«الخرابة».


باختصار.. ما يحمله الحوار التالى تاريخ يحكيه د. مراد وهبه، ورأى محايد لكافة الأزمات التى يعانى منها المجتمع المصرى، فإلى نص الحوار:


بداية.. حدثنا عن الأسباب التى دفعت الرئيس جمال عبد الناصر لاختيارك مستشاراً تعليمياً سرياً له؟


د. مراد وهبة: للقصة بداية.. وتفسيرى لذلك أن اختيار الرئيس لى وتحديدا قبل رحيله له أسباب، منها تعلقى وتأييدى لثورة يوليو ١٩٥٢ منذ بدايتها، فرغم أننى من عائلة وفدية حتى “النخاع” وصور زعماء الوفد فى منزلنا، بل كان أسبوعياً وتحديداً يوم الجمعة يقام لقاء فى منزلنا من كبار رجال الأسرة لمناقشة القضايا السياسية، لذلك تعرفت على السياسة مبكراً جداً حتى قبل دخولى للجامعة، والتى تعلمت فيها وتعرفت من خلالها على مختلف الاتجاهات السياسية، مع الأخذ فى الاعتبار أن الاتجاهات والقيادات الفاعلة فى الجامعة كانت من الإخوان المسلمين والشيوعيين.


المصور: حدثنا عن ذكرياتك لهذه الفترة فى الجامعة وما علاقة ذلك بعبدالناصر؟


د. مراد وهبة: سوف يتضح لكم ما هى العلاقة بعد أن نروى الحقبة الزمنية بأكملها؛ لأنه لن يفهم القرار إلا برواية الأحداث، فحينما التحقت بالجامعة فى منتصف الأربعينيات كان ممثلاً معى فى قسم الفلسفة بجامعة القاهرة ٤ طلاب سوريين أتوا ممثلين لحزب البعث للمساهمة فى التأسيس الفلسفى للحزب، وكانوا كلهم متأثرين بأعمال الفيلسوف الفرنسى بركسنون وهو فيلسوف كان يعد العدو الأول للشيوعيين، وكانت معلومة مهمة سوف نفهم بعد ذلك تداعيات ذلك، لكن المهم أن الإخوان المسلمين أيضاً كانوا فى عداء مع الشيوعية، وكانت لهم مظاهرات قوية فى الجامعة فى ذلك الوقت، وكان يحكمها ويسيطر عليها تماماً الطالب مصطفى مؤمن، وكان طالباً بالهندسة، وأذكر أنهم وجهوا الدعوة لطلاب الجامعة ولى لحضور تجمع طلابى لإحراق الكتب الأجنبية وسط الحرم الجامعى.


المصور: حرق الكتب.. يبدو أنها ظاهرة قديمة لدى الإخوان المسلمين وغيرهم وهل كانت هناك معارضة لذلك؟


د. مراد وهبة: لا.. الكثيرون حضروا هذه المناسبة، ولم يعترض أحد لأن حرق الكتب الأجنبية كان يتم التعامل معه كونه رسالة رمزية؛ لأنه فى هذا التوقيت كان الاحتلال الإنجليزى موجودا فى مصر، وكان مقبولاً أن يحرق كل من له صلة بالمحتل الأجنبى، فكانت الظاهرة الرسمية لحرق الكتب دلالة رمزية لم يعارضها أحد من الطلاب من مختلف التيارات.


المصور: ماذا عن هيئة التدريس وإدارة الجامعة.. ألم تكن هناك اعتراضات من جانبهم على «حرق الكتب»؟


د. مراد وهبة: القضايا مختلفة فى التقييم، ويجب أن نعى وقتها وجود المحتل الإنجليزي، وعموماً أساتذة الجامعة فى ذلك الوقت كانوا مشتغلين بالعلم والفكر والفلسفة أى بالدراسة النظرية البحتة، ولم يكن جزء كبير منهم يشتغل بالفكر والفلسفة التطبيقية أى ربط الأفكار بالواقع ، وأكرر هنا أيضا أن حرق الكتب الأجنبية كان رمزياً لأن الوطن كان مستعمراً ومحتلاً من الأجانب.


وعودة إلى عبدالناصر كنت أعتقد ومؤمنا تماماً أن الجيش المصرى فى قبضة الملك، وأن المظاهرات التى كانت عارمة فى مصر كلها خاصة فى منتصف الأربعينات لم تحدث تغييرا حقيقيا فى موازين القوى السياسية، نعم كانت هناك اغتيالات سياسية قام بأغلبها الإخوان المسلمون، لكنها لم تكن فى مستوى التغيير الجذرى فى السياسة، وكنت أرى أن التغيير الجذرى لابد له من قوى مثل الجيش، كما كنت أرى أن ذلك مستحيل كما قلت لأنه كان فى قبضة الملك؛ ولذلك حينما حدثت الثورة من جانب الجيش كانت مفاجأة للجميع.


المصور: هل معنى ذلك أن الجيش المصرى معادلة هامة أو لاعب أساسى فى السياسة والحكم فى مصر؟


د. مراد وهبة: منذ ذلك الحين نعم .. لذلك حينما قام الضباط الأحرار بالثورة وطردوا الملك أعلنت تأييدى التام لها منذ أول دقيقة، بل وخرجت أؤيد محمد نجيب قائد الثورة وقتها؛ لأنه هو الذى فى الواجهة، ولم نكن نعرف غيره، إلى أن قابلت أحد أقاربى، وكانت علاقتى قوية للغاية، فجلسنا معاً نتحدث كالمعتاد، وبالطبع كان الموضوع الرئيسى هو الثورة وقيام ضباط الجيش بها وقريبى هذا اسمه فكرى إبراهيم وكان مدرساً للغة الإنجليزية بمدرسة النهضة الأهلية بالفجالة، فسألنى سؤالاً ذهلت منه، وقال لى هل تعلم من الزعيم الحقيقى أو البطل الذى قاد الضباط الأحرار وقام بالثورة وحينما قلت له إنه محمد نجيب قال لى لا إنه جمال عبدالناصر وأصابنى الذهول التام.


المصور: لماذا أصابك الذهول؟


د. مراد وهبة: لأننا لم نكن نعرف أحداً إلا محمد نجيب، هو الذى ظهر فى كل المناسبات والمشاهد، لكن قريبى أستاذ اللغة الإنجليزية حكى لى علاقته بعبدالناصر فهو كان مدرساً لعبدالناصر فى المدرسة، وكان الرئيس عبدالناصر زعيماً طلابياً ويخطب كثيراً فى الطلاب وله كاريزما، وكان يحثهم على محبة الوطن وكره الاحتلال، وأصدر ناظر المدرسة بالفجالة قراراً بفصله من المدرسة؛ حتى تستقر الدراسة، وبالفعل ترك عبدالناصر المدرسة، لكن المظاهرات اندلعت من طلاب المدرسة تطالب بعودته وتوقفت الدراسة تماماً حتى تراجع بالفعل الناظر عن قراره بفصل عبدالناصر وعاد إلى المدرسة، وقبل الثورة بأيام قابله قريبى وسأله عن الأحوال خاصة إن كانت هناك أزمات بالجيش فقال له اطمئن ستسمع أخبار كويسة قريبا، وبالفعل قامت الثورة بعدها واستنتج قريبى فوراً أن عبدالناصر هو الزعيم الحقيقى لها وإن محمد نجيب واجهة فقط.


المصور: إذن الرئيس عبدالناصر كان زعيماً منذ صغره؟


د. مراد وهبة:


بالتأكيد كانت فيه سمة الوطنية والزعامة بل والكاريزما، واتضح ذلك من حكاية قريبى، ومن هنا بدأت أراقب عبدالناصر وصدق التوقع وكان هو الزعيم، وأذكر أنه فى ذلك الوقت كنت مسؤولاً عن صفحة الأدب فى جريدة وطنى وفى يوم من الأيام أصدر وزير التعليم كمال الدين حسين، وكان أحد الضباط الأحرار، قراراً بإلغاء تدريس مادة الفلسفة لطلاب الثانوى فى المدارس فقررت أن نقوم بحملة ضد ذلك ، وتحدثت مع أساتذة الفلسفة بالجامعة، وكتبوا بالفعل مقالات ضد هذه الخطوة من جانب كمال الدين حسين بل إن رئيس التحرير لجريدة وطنى وكان وقتها عزيز مرزا تحمس للقضية، وكتب افتتاحية الجريدة عن الأمر، كما أنه كان من أشد الداعمين لى ولعملى بالجريدة لأنها رغم أنها جريدة مسيحية إلا أنى اشترطت عليه أن تطالب الصفحة بإلغاء الطائفية فكانت إجابته أن اسم الجريدة وطنى، لذلك تعاقدت معهم، وأسفرت الحملة أن أصدر الرئيس عبدالناصر قراراً بإلغاء قرار وزير التعليم كمال الدين حسين وعودة تدريس الفلسفة إلى المدارس الثانوية، وأعتقد أن عبدالناصر عرف وقتها بالأمر بسبب الحملة.


المصور: إذا كان الرئيس عبدالناصر قد ألغى قراراً لكمال الدين حسين ومعروف ميوله الدينية لماذا لم يقله من منصبه ولن نقول لماذا عينه بل عين بعد ذلك أسماء معروف اتجاهها المحافظ والتقليدى، إن لم يكن داعما لأرضية الإخوان عكس اتجاه فى الثورة وقيام عبدالناصر بخطوات اجتماعية هامة؟


د. مراد وهبة: هذا سؤال هام للغاية وقد يفسر لنا الإجابة عليه لماذا الإخوان المسلمون تحديداً والفكر التقليدى عام متحكم ومسيطر على العملية التعليمية؟! وإجابتى هنا تعود إلى معرفتى وقراءتى لما كان يفعله الإخوان المسلمون فى المؤسسة التعليمية ومنذ ما قبل الثورة بسنوات طويلة، فمعروف أن الرئيس عبدالناصر أخبر المرشد العام للإخوان وقتها أنهم سوف يقومون بالثورة والاستيلاء على الحكم، وكان رد المرشد عليه، ولماذا هذه المخاطرة الشديدة الآن والعواقب شديدة إذا فشلت بل قال له» إننا توغلنا فى المؤسسة التعليمية وبعد خمس سنوات ستكون الأرضية ممهدة تماماً للثورة وسيحدث لها تأييد فورى وبلا مشاكل وأزمات لأننا سنسيطر على عقل الأجيال القادمة»، وما أعلمه أن التعليم ظل كما هو دون تغيير أى لم يحدث محاربة للتدخل والسيطرة الإخوانية عليه، وأعتقد أنهم استمروا فى تنفيذ خطتهم فى التعليم والسيطرة عليها، وأعتقد أن قضية الإخوان المسلمين فى مصر ومدى توغلها فى العقل المصرى وتحديداً فى التعليم تحتاج إلى دراسة متعمقة، وللأسف لا يوجد ذلك حتى الآن لأن النخبة الثقافية لدينا لم تتعمق فى الأثر .


وأريد أن أشير إلى أن توغل الفكر الإخوانى فى التعليم منذ وقت مبكر، وهذا يفسر لى لماذا تولى كمال الدين حسين وبعده السيد يوسف وأيضاً تولى عبدالعزيز السيد التعليم العالى، والأخير معروف وسط الأساتذة بالانتماء إلى الفكر التقليدى.. المحافظ جداً.. وهى نفس الأرضية التى لعب عليها الإخوان.. والتقدم عبارة عن حركة دائمة والحركة هى نتاج تراكمات.. ولدينا التراكمات التى أدت إلى التخلف، وأعتقد أن عبدالناصر لم يلتفت إلى هذه القضية بالأهمية والمنظور الذى أراه.


المصور: بعد نجاح حملة عودة تدريس مادة الفلسفة.. هل كان للحملة نتائج أخري.. وهل كانت سببا فى اقترابك من عبد الناصر بعدها مباشرة؟


د. مراد وهبة: لا.. ففى هذه المرحلة وبعد قرار عبدالناصر بعودة تدريس الفلسفة صدر قرار بفصلى من جريدة وطنى باعتبار أننى موظف فى الدولة، وكان هناك قانون أن أى موظف حكومى يعمل فى مؤسسة مصرية أو أجنبية يتم فصله من عمله الحكومى -أعتقد أن الهدف كان لمنع تسريب المعلومات عن الدولة وكنت لا أعلم شيئاً عن هذا القانون ، لكن المحامى قال لى إنه سيرسل إلى إدارة الشركات للاستفسار حول إذا كانت ملكية وطنى لفرد أم لشركة ومؤسسة، فإذا كانت لفرد سنحصل على البراءة ولا يتم تنفيذ الفصل، وبالفعل حصلنا عليها، لكننى فى الوقت ذاته ذهبت إلى عميد الكلية التى أعمل بها وطلبت منه بعد ما حدث معى أن يرسل إلى “مجلس الدولة” للمطالبة بالرأى القانونى حول هل من حق أستاذ الجامعة أن يكتب بالصحف.


المصور: وكيف جاء رد «مجلس الدولة» على الأمر؟


د. مراد وهبة: الإجابة كانت رائعة بل قالت إن أستاذ الجامعة إذا لم يكتب فى الصحف ويعبر عن رؤيته يجب أن يعاقب، لكن كمال الدين حسين لم يعجبه ذلك فألغى القسم الذى أعمل به بالجامعة، وأصبحت أنا وزملائى وكنا ثمانية أساتذة بلا عمل، وفى نفس الوقت كان هناك قرار بضم كلية المعلمين إلى جامعة عين شمس وتم عودة الجميع عدا أنا، ورغم هذا قررت الاستمرار فى كتاباتى وأبحاثى ولم أتوقف وفى عام ١٩٦١ أصدر مجلس الكنائس العالمى كتاباً كان عنوانه الكنائس والتغيير الاجتماعى السريع، وكتبت مقالاً أنتقد بشدة هذا التقرير، وكان يعاوننى فيه الأب متى المسكين ولفت الأنظار إليه، وأضاف ضاحكا: أستاذ هيكل طلبنا ليستعير الكتاب لقراءته، ولأنه كان يعد كتابا عن هذه الحقبة ولكن لم يعيد الكتاب لى مرة أخرى وعندما سألته قال لقد اختفى من مكتبى!! وأضاف ضاحكا أستاذ هيكل طلبنى ليستعير الكتاب لقراءته ولأنه كان يعد كتابا عن هذه الحقبة ولكن لم يعيد الكتاب لى مرة أخرى وعندما سألته قال لقد اختفى من مكتبى!!


المصور: وما الخطورة التى كان يمثلها هذا الكتاب للدرجة التى دفعت لإعداد تقرير تنتقد ما جاء فيه؟


د. مراد وهبة: هذا الكتاب ألفه بول أبرخت رئيس لجنة الكنيسة والمجتمع وكان الرأسمالى الأمريكى روكفلر قد خصص ٢.٥ مليون دولار لهذه اللجنة؛ حتى تقوم بجولة فى دول العالم الثالث لتحرض الكنائس فى هذه البلاد ضد التغيير بل وضد التصنيع؛ لأنه سيؤدى إلى نشر الكفر والإلحاد وكان الهدف بالتأكيد هو الوقوف ضد استقلالية دول العالم الثالث ونهضتهم الاقتصادية والتصنيع.


وجاء بول ابراخت إلى مصر بعد أن كتب التقرير وصدر تقرير مضاد من مجلس الكنائس ضد التقرير الذى تعاون فيه أيضاً بجانب الأب متى المسكين مجموعة من الرهبان المستبعدين من الكنيسة، كان جهداً كبيراً قمنا به لفضح الأدوار ضد نهضة العالم الثالث، وكتب مجلس الكنائس تقريراً ورداً إلى زكريا محيى الدين، وبالتأكيد زكريا محيى الدين أخبر عبدالناصر وبعدها مباشرة وجدت سامى داود لاستطلاع رأى، وكان بناء على تكليف بذلك ثم صدر قرار آخر بتشكيل لجنة ثلاثية من حسين فهمى رئيس تحرير الأخبار وكمال الدين رفعت وسامى داود للتأكد من سلامة الآراء التى جاءت فى التقرير الذى نشرناه حول أهداف لجنة بول أبراخت وفضحها، وبعد ذلك تركت جريدة وطنى وعندما التقيت أحمد بهاء الدين وكان فى أخبار اليوم طلب منى كتابة مقالات لصفحة الأدب، وكتبت مقالة واحدة عن المنهج العلمى عند يحيى حقى ثم ألغيت الصفحة تماماً وتوقفت كتاباتى إلى حد ما، إلى أن صدر قرار تأسيس مجلة الطليعة، والمفارقة أن الامتياز كان بموافقة جمال عبدالناصر وكتبت فيها من العدد الأول طبقاً لاتفاق مع لطفى الخولى، وكتبت مقالا فى يناير ١٩٦٥ عن البطل فى الدول النامية ووصل المقال بالتأكيد إلى جهات سيادية كتبت تقريراً إلى عبدالناصر عنى وقالت فيه «إننا لا نعرف بالدقة هل يؤيدك هذا الشخص أم يؤيد الجماهير خاصة إن له كتابات سابقة فى ذلك».


المصور: هل هناك أشياء ترتبت على هذا التقرير؟


د. مراد وهبة: لم أنقطع عن الكتابة، خاصة أننى كنت أكتب عن التنوير والعلمانية، وكان دائماً رأيى أنه لا ديمقراطية بدون علمانية والغرب وصل إلى الديمقراطية وحافظ عليها لأن عمرها لديه أكثر من ٤٠٠ عام مروا بتأسيس العلمانية فى القرن ١٧ ، ثم أسسوا طوال القرن للعقد الاجتماعى ثم جاء القرن ١٨ ليكون عصر التنوير ثم القرن الـ١٩ الذى ظهرت فيه الليبرالية أى أن سلطة الفرد أعلى من سلطة المجتمع، لكن العالم الثالث لم يمر بهذه الحقب من الفكر والتطور، لذلك لم نصل إلى الديمقراطية مباشرة، وحدث قفزة لدينا ولم نحافظ على الديمقراطية، لأننا اختزلنا الأمر فقط فى صندوق الانتخاب، وتركنا رباعية الديمقراطية واستمرارها، وهى العلمانية والعقد الاجتماعى ثم التنوير والليبرالية، وكل هذه الكتابات عرفت السلطة بى، ولكن الحدث الأهم كان فى إرسالى خطابا شخصيا إلى عبدالناصر أشكو الظلم الذى وقع علىّ وعدم تعيينى فى وظيفة أستاذ مساعد للفلسفة بكلية البنات وتعيين أحد آخر رغم أن اللجنة التى تشكلت لاختيار المتقدمين وفقاً للإعلان عن الوظيفى رشحتنى للوظيفة، وهذا ما قاله لى زكى نجيب محمود، وأكده لى د. إسماعيل غانم، وكان نائباً لرئيس الجامعة قبل أن يصبح وزيراً، وحكى لى إنه فى مجلس الجامعة رفض تعيينى لأن د. فتحية سليمان زوجة د. عبدالعزيز السيد الذى كان وزيراً للتعليم قالت» يا إما أنا يا إما د. مراد وهبة»، وعند طرح الأمر للتصويت تمت الموافقة على عدم تعيينى بأغلبية الأصوات ما عدا صوت د. إسماعيل غانم الذى دعانى إلى فنجان قهوة وحكى لى الحكاية كاملاً حتى يبرئ ذمته، وبعدها ذهبت إلى د. حلمى مراد ووعدنى بحل المشكلة ولم تحل، وذهبت إلى د. لبيب شقير وكان وزيراً للتعليم العالى ولم تحل وقالوا لى إن حل المشكلة ليس فى الجامعة لذلك خرجت وكتبت إلى عبدالناصر أشكو له رفع الظلم.


المصور: وهل تلقيت اتصالا من الرئيس عبدالناصر عقب ذلك؟


د. مراد وهبة: لا لم يتصل بى عبدالناصر، لكننى فوجئت بعد ذلك بأسابيع قليلة بخطاب لى وتم تعيينى فى الجامعة وبأثر رجعى من عام ١٩٦٤ وبدون لجنة، ثم حدثت تطورات بعد ذلك فى الحياة السياسية المصرية خاصة عقب هزيمة ١٩٦٧ ولكن قبل ذلك كان عبدالناصر يشعر بالوحدة والعزلة، خاصة عن الجيش الذى كان ينفرد بأمره المشير عامر وشلته من شمس بدران وغيره، لذلك هو فكر فى عمل التنظيم الطليعى ومجلة الطليعة ليكون على مقربة من الشعب وأدرك بعد ١٩٦٧ من ضرورة البناء والنهوض مرة أخرى؛ لذلك اتجه إلى شخصيات لها رؤية فى التغيير وفوجئت بمسئول من رئاسة الجمهورية يأتى لى ويخبرنى أنه تقرر تعيينى مستشاراً سرياً لشئون التعليم وأصبح لى مكتب داخل رئاسة الجمهورية وكانت وظيفتى أن أبدى الرأى فيما يعرض على الرئيس بشأن القضايا التعليمية.


وهنا يجب أن أشير لواقعة هامة للغاية أعتقد أنها كانت السبب الحاسم والمباشر فى اختيار بطلها مجلة المصور.


المصور: كيف هذا؟


د. مراد وهبة: حينما تولى رئاسة المصور أحمد بهاء الدين طلبنى وقال لى «إننا سنفتح قضية التعليم فى مصر وأنه سيكتب مقالا افتتاحيا عن هذا الملف الهام ومهد له وأننى سأتولى الكتابة والعناية بالملف وهو كيف نطور التعليم تطويراً حقيقياً»، واستمرت الحملة لمدة شهر متواصل وأعتقد أنها كانت السبب المباشر فى حسم اختيارى لأكون مستشاراً تعليمياً للرئيس عبد الناصر.


المصور: هل جمعتك أية لقاءات مع الرئيس عبد الناصر بعد اختيارك مستشارا تعليميا له؟


د. مراد وهبة: أجاب مبتسماً .. رغم كل هذه الأحداث والرسائل والتقارير وتعيينى مستشاراً لم أقابل عبدالناصر وجهاً لوجه بمفردنا أبداً.


المصور: وماذا عن الأزهر.. ألم تتطرق إلى أمره خاصة أن الرئيس عبد الناصر هو من أصدر القرار لتحويله إلى مؤسسة تعليمية متكاملة فى كل التخصصات وليس فقط مختصا بالشئون الدينية؟


د. مراد وهبة: فى ذلك الوقت كان نقد الفكر الدينى السائد يعتبر مجازفة من الإنسان بمستقبله بل وحياته، وهذا حدث مع د. طه حسين، ولكنه قاوم بشدة ومع على عبدالرازق وآخرين ولكن الرئيس عبدالناصر لمواجهة هذا الجمود “تصور فى وقتها” أنه بتغييره شكل الجامعة فى الأزهر، وأن تضم كل التخصصات من هندسة وطب وعلوم وغيرها، واختياره الأساتذة بنفسه من الجامعات المصرية للتدريس فى هذه التخصصات الجديدة أن الأمر سينصلح ومع مرور الوقت فشلت التجربة ووصلنا إلى ما وصلنا إليه الآن.


المصور: سؤال أخير كيف ترى أحوال التعليم الآن؟


د. مراد وهبة: “خرابة” بالمعنى الصحيح للكلمة، وأصل المشكلة يكمن فى كليات التربية، لأنه لا يوجد أحد استطاع أن ينفذ إلى البنية التحتية للتعليم وإصلاحه، كما أننا لا نمتلك مشروعا للتنوير والإبداع فى التعليم وحتى حينما اقترحت إنشاء مجلس قومى للإبداع وافق د. فتحى سرور، وكان وزيراً للتعليم وبنى المركز بالفعل فى المقطم، وعند الافتتاح لم تتم دعوتى وتحول اسمه إلى المركز القومى للامتحانات وحذف لفظ إبداع من التقويم التربوى، وللأسف نحن نعلم طلابنا ما نريد أن نعلمه فقط لهم؛ وليحفظوا بدون تفكير أو حتى إبداء رأى وهذا تحديداً يحدث فى الامتحانات أيضاً كما يحدث فى المناهج.


وأذكر أن د. مصطفى كمال حلمى استدعانى لتقييم امتحان للفلسفة، وعندما قرأت أسئلة الامتحان قلت له إننى لم أفهم أحد الأسئلة، فطلب مستشار المادة فقال لنا إنه فهم السؤال وأن الإجابة عنه موجودة فى صفحة كذا بالكتاب المدرسى وعندما قرأت الإجابة أيضاً لم أفهم شيئاً.. فهذا هو المطلوب من الطالب السؤال غير مفهوم ولكنه من الكتاب المدرسى والإجابة أيضاً غير مفهومة كله حفظ والإجابة النموذجية إذن فهى لا تحتاج إلى أى فكر أو تطوير، وبالتالى انتشار الغش بهذا الشكل أو حتى تسريب الامتحانات قضية منطقية للغاية، لأنه ليس لدينا تعليم يقوم على التفكير وإنما كل شيء يخاطب ثقافة الذاكرة، ونحن نحكم من زمان فى التعليم من شارع الفجالة “الكتب الخارجية والدروس الخصوصية”.


أما وزارة التربية والتعليم ومقرها فهى «مظلة الظل» وليس الحاكم الفعلي، نحن ليس لدينا تعليم حقيقى وإنما “خرابة” وما يحدث الآن منطقى جداً لأنه – كما سبق وأشرت لا يوجد مشروع للإبداع والتنوير.


 



آخر الأخبار