مثقف ثورى من طراز فريد

20/07/2016 - 12:57:20

بقلم: دكتور صفوت حاتم

تناولت فى دراسات عديدة سابقة تجربة ثورة يوليو ١٩٥٢ من جوانب متعددة.. كان منها السياسى والاقتصادى والاجتماعى.. لكننى قاومت لفترة طويلة إغراء الكتابة عن «عبدالناصر الإنسان» لأسباب متعددة.


كان أهمها اعتقادى أن الأشخاص الذين اقتربوا من الرئيس عبدالناصر, بحكم مسئولياتهم, أقدر منى على الكتابة عن جوانب شخصيته الإنسانية.


رغم أن معظمها ظل محكومًا بمواقف هؤلاء ودرجة قربهم من شخص الرئيس.


فضلا عن أن زوايا رؤيتهم لشخصية الرئيس تختلف باختلاف ثقافتهم ومواهبهم الشخصية التى تجعلهم يركزون على جوانب معينة ولا يرون غيرها.


المهم: أن إغراء الكتابة الشخصية عن عبدالناصر الشخص لم تخمد فى داخلى رغم كل هذه السنين.


. ولكن ماذا أكتب


فى النهاية أطلقت السراح «لإعجابى» الدفين بشخصية عبدالناصر لكتابة هذه الدراسة عن عبدالناصر المثقف.. عن عبدالناصر القارئ النهم.. عن عبدالناصر المحاور الذكى.. عن عبدالناصر دائب الإطلاع.. عن عبدالناصر صاحب الذاكرة الحديدية.. عن عبدالناصر الحريص فى اختيار الألفاظ والتعبيرات.


من أين نبدأ؟


النشأة الفكرية


تعلمنا مقولات «علم اجتماع المعرفة” (وهو العلم الذى يبحث فى شروط وظروف انبثاق المعرفة الإنسانية) أن «الفكر البشرى” لا يأتى من فراغ أو من التدريب الذهنى المحض, بل ينبغى الربط بين أفكار البشر وبين الواقع الاجتماعى والسياسى والثقافى الذى ظهرت فى سياقه باعتباره واقعا تاريخيا. ذلك أن فهم الأفكار أو المذاهب السياسية أو النظريات العلمية أو الشخصيات السياسية ليس مقطوع الصلة بالأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية التى نشأت فيها, خاصة إذا سلمنا بالعلاقة الجدلية بين عالم الفكر وعالم الواقع. وهكذا يمكن أن نقول إن دراسة فكر أى فيلسوف أو زعيم سياسى دون البحث فى نشأته الاجتماعية التى نمى داخلها أو دون بحث فى الأفكار والثقافات التى تلقاها فى صغره هو نوع من الهراء. فالفيلسوف أو الزعيم السياسى هو نتاج عصره وأسرته ووطنه، وبالتالى يتعين البحث عن أصول النظريات والأفكار فى أحشاء المرحلة التاريخية التى عاشها وأبدع فيها فكره أو مذهبه أو نظريته.


كل هذا أصبح بديهيا أو يكاد, ومن ثم يجدر بنا قبل دراسة سلوك عبدالناصر النظرى أن نقترب من نشأته الفكرية فى مراحل الشباب والتى أثرت على منهجه فى الرؤية والتحليل والسلوك.


ذاكرة عبدالناصر


أول ما يلفت النظر فى شخصية جمال عبدالناصر هو ذاكرته الحادة.. وقدرته على استعادة ما يقرؤه من كتب.. وأسماء مؤلفيها عند الحاجة إليها.


كان عبدالناصر يتمتع بذاكرة مدهشة وقدرة غير عادية على الاستيعاب لما يقرأ ومهارة خاصة فى استحضار المعلومات التى يختزنها فى عقله فى أى وقت.


وقد مكنته تلك “الموهبة الآلهية” من امتلاك قدرات جدلية مثيرة للإعجاب بشكل حقيقى.


ولكى يدرك معى القارئ هذه «الموهبة النافذة”.. أى ذاكرة الرئيس «الحديدية” سأقتطف للقارئ هذه الواقعة التى لفتت انتباهى فى حوار كان يجريه جمال عبدالناصر مع قادة حزب البعث فى سوريا والعراق فى أبريل / نيسان ١٩٦٣.. وهى تبيّن قدراته على استعادة ما يقرأه بسهولة.


وإليكم جزءا من الحوار الذى أجراه الرئيس عبدالناصر مع قادة حزب البعث:


- الرئيس عبدالناصر: «… أنا باقول ما فيش خلاف مذهبى.. لسبب بسيط جدا.. لأن أنا ما عرفش ماهى عقائدية حزب البعث لغاية دلوقت.. أنا قريت دستور حزب البعث.. وقريت الكتابين اللى مطلعهم حزب البعث.. وقريت الكتاب اللى جامع مقالات منها مقالة للأخ زهور أظن.. مش كده.. اللى عن الاشتراكية.. قريته بالتفصيل.. إيه المذهبية!.. أنا مش شايفها..


ما هى قضية حزب البعث؟


ما هى عقائدية حزب البعث؟ غير موجودة أبدا.. فخلاف مذهبى ما فيش..


الخلاف هو خلاف شخصى..»


- السيد صلاح البيطار: لا سيادة الرئيس … يعنى.. بتظلمنا كتير..


-الرئيس جمال عبدالناصر: “نقعد بقه بنعمل جلسة فى هذا ونناقش المذهبية العقائدية.. بامسك جريدة البعث.. جريدة البعث جايبة كتاب مؤلفه ستالين وبتنقل منه.. الكتاب اسمه «اللينينية”.. أنا قعدت مرة أقرأ بعض افتتاحيات جريدة البعث.. وبعدين اكتشفت أنى قريت هذا الكلام من قبل.. دورت فين.. فين.. وأنا أعتقد أن ذاكرتى كويسة والحمد لله.. بعدين افتكرت فين.. فى كتاب صغير زى ما قلت لك اسمه «اللينينية”.. جميع الكلمات المكتوبة فى افتتاحيات البعث فى الفترة الأخيرة نقلا من هذا الكتاب.. وعندى الكتاب وعندى الجريدة.. واتفضلوا قارنوا”…(


يظهر من هذا الحوار كم كانت ذاكرة عبدالناصر حادة.. وكم كانت قدراته عالية فى استدعاء معلوماته وقت الحاجة.


وهذه الموهبة تكشف عن جانب من الشخصية الإنسانية.. وهو جانب التركيز والاستغراق فى العمل والنزوع الداخلى للاهتمام بالتفصيلات الدقيقة والقدرة على استحضار المعلومة فى الظروف المشابهة عند اللزوم والإحاطة بكل جوانب المشكلة التى يعالجها.


وتُظهر - ضمن ما تُظهر - نزوعه الداخلى لبلوغ درجة عليا من الاتقان لا تتم والاهتمام بالتفاصيل الدقيقة.


وبالفعل.. فلقد أشار كثير ممن قابلوا الرئيس عبدالناصر لذاكرته الحادة, وقدرته على استعادة المواقف والأحداث والأشخاص بدقة مبهرة.


وهذه الملاحظة تعتبر مقدمة ضرورية لفهم شخصية عبدالناصر «المثقف».


من أين نبدأ؟؟


من الثقافة الليبرالية


يؤكد كثير من الباحثين فى طبيعة الزعامة الناصرية أن الممارسة العملية كانت هى المدرسة الأساسية فى تطور أفكاره.


ويعتقد هؤلاء الباحثون أن قيادات وزعامات العالم الثالث بشكل عام, وعبدالناصر بشكل خاص, نموا من الخلال الممارسة، وقلما ما يسبق هذه الممارسة فكر نظرى كامل أو متكامل.


وهؤلاء الباحثون يرون أن العودة إلى التنشئة الفكرية لعبدالناصر فى مرحلة الشباب الأولى تظهرها منصبة بشكل أساسى على الموضوعات الليبرالية العامة التى كان يكتبها جيل الثلاثينات والأربعينات من مثقفى مصر والذين كانوا ليبراليين فى معظمهم.


ولكننا نرى أن الفكر الليبرالى لم يكن يستحوذ على مساحة فكرية كبيرة فى ذهن عبدالناصر.


بل إن قراءاته المبكرة تظهر بدايات لاهتمامات بالفكر الاشتراكى فى صورته الإصلاحية كما أوضح هو نفسه فى حديث منشور له مع مراسل «الصنداى تايمز» الإنجليزية «دافيد وين مورجان” فى حديثه الذى نشر فى يونيه عام ١٩٦٢.


يقول عبدالناصر “لمورجان»: “… لقد ركزت حتى عام ١٩٤٨ على تأليف نواة من الناس الذين بلغ استياؤهم من مجرى الأمور فى مصر نفس مبلغ استيائى – والذين توافرت لديهم الشجاعة الكافية والتصميم الكافى للإقدام على التغيير اللازم – وكنا يومئذ جماعة صغيرة من الأصدقاء المخلصين نحاول أن نخرج مثلنا العليا العامة فى هدف مشترك وفى خطة مشتركة – وكانت بى رغبة عارمة للمعرفة – فأقبلت على الاطلاع بنهم والتهمت كتب المفكرين من أمثال: «لاسكى» و”نهرو”، بل و”انيورين بيفان” وبدأت الأفكار الاشتراكية تتكون شيئا فشيئا “.


من هذا المقطع نعرف أن عبدالناصر لم يكن منبهرا بالفكر الليبرالى – كمعظم أبناء هذه الحقبة - بل كانت ميوله قد بدأت تنحو نحو الفكر الاشتراكى الديمقراطى كما ظهر فى كتابات الاشتراكيين الليبراليين فى أوربا أو تجربة الهند ونهرو بالذات.


وهو أمر يثبت أن النزوع الاجتماعى وفكرة العدالة الاجتماعية كانت قد بدأت تظهر جذورها فى تكوينه النفسى والفكرى كشأن معظم مثقفى مصر فى هذه الفترة، فقد كان الانقسام الاجتماعى الذى تعيشه مصر آنذاك عميقا وحادا، وهو ما أطلق عليه عبدالناصر فيما بعد حين تولى السلطة مجتمع النصف فى المائة (حيث كان يحتكر ٠,٥ ٪ من الشعب المصرى أكثر من ٥٠ ٪ من الثروة الوطنية).


ولقد أوضحت مسيرة عبدالناصر خلال السنوات الأولى من حكم مصر تأثره بهذه الاشتراكية الإصلاحية التدريجية حينما بدأ يتبنى فى نهاية الخمسينات شعار «الاشتراكية التعاونية». باختصار يمكن أن نقول إن قراءته فى الفكر الاشتراكى فى سنوات تكوينه الأولى كان لها أثر كبير فى القطيعة التى حدثت بينه وبين الفكر الليبرالى التقليدى فيما بعد.


الثقافة الماركسية


من ناحية أخرى يرى بعض اليساريين أن هذه «الثقافة الليبرالية» قد منعت «عبدالناصر» من الاطلاع على الفكر الاشتراكى العلمى وبشكل خاص الفكر الماركسى بشكل «عميق” وأنه لم يدرس الفكر اليسارى والماركسى بشكل «منهجى” إلا بعد بلوغه السلطة.


وفى اعتقادى أن ذلك غير صحيح.. فقد اطلع “عبدالناصر” بشكل «كافى” ومعمق على الفكر الماركسى فى مرحلة شبابه المبكرة وبصورة جعلته قادرا على اتخاذ موقف «عميق» من هذا الفكر.


ويتضح هذا من الحديث الذى أدلى به إلى «د. و. مورجان”, عندما سأله هذا الأخير عن تجربته واستكشافاته للأحزاب السياسية المصرية فى مرحلة الشباب, فأجاب عليه عبدالناصر قائلا:


« …. لقد فوتحت فى عدة مناسبات للانضمام للحزب الشيوعى – لكنى رغم دراستى للمذهب الماركسى ولكتابات لينين – وجدت أمامى عقبتين أساسيتين, عقبتين كنت أعلم ألا سبيلا إلى التغلب عليهما – العقبة الأولى هى أن الشيوعية فى جوهرها ملحدة – وقد كنت دائما مسلما صادقا أؤمن إيمانا لا يتزعزع بوجود قوة فوق البشر هو الذى يهيمن على مصائرنا, ومن المستحيل على أى إنسان أن يكون مسلما صادقا وشيوعيا صادقا.


أما العقبة الثانية، فهى أننى أدركت أن الشيوعية معناها بالضرورة سيطرة نوع ما من الأحزاب الشيوعية العالمية - وهذا أيضا ما كنت أرفضه رفضا باتا… «. (حديث الرئيس مع د. مورجان , مصدر سابق).


يتضح من إجابة عبدالناصر “لمورجان” أن «عبدالناصر الشاب” فوتح أكثر من مرة للانضمام للحزب الشيوعى».


وهو ما يعنى “تنظيميا” أنه كان «هدفا” لأعضاء هذا الحزب مع ما يعنيه هذا من نقاشات فكرية مفصلة ومكثفة حول جوانب الفكر الماركسى هدفها إما إقناعه بجوانب الماركسية المختلفة أو التأكد من «اقتناعه” بها تمهيدا لمفاتحته فى الانضمام للحزب وهو أمر بديهى فى وسائل «التجنيد” داخل الأحزاب العقائدية وبشكل خاص الأحزاب الشيوعية.


ولكن قراءة الماركسية فى سنوات الشباب شيء.. واختبار مقولاتها.. عمليا.. بعد تولى السلطة شيء آخر.


فقد وجد “عبدالناصر” نفسه على قمة السلطة السياسية فى بلد كبير ومهم فى منطقته.


وهو مطالب ببناء نظام سياسى واجتماعى جديد محاطبعدد كبير من الزعماء الاشتراكيين الذين جمعتهم به ظروف الحكم والسلطة: تيتو.. شواين لاى.. خروشوف.. نهرو.. كاسترو وجيفارا.. إلى آخره.


وكان لابد.. والحال هكذا.. أن يحتك عبدالناصر فكريا بهؤلاء الزعماء.. وأن يكون لهذا «الاحتكاك الفكرى” أثره الكبير على فكره ووممارسته ورؤيته للسطلة السياسية والصراعات الدولية حوله.


وهناك نصوص عديدة لعبدالناصر تظهر استيعابه «النقدى» لتجربة البناء الاشتراكى فى دول المنظومة الاشتراكية، وبشكل خاص تجربة يوغسلافيا التى جمعته بزعيمها «تيتو” صداقة شخصية وفكرية عميقة أثرت على قراراته الخاصة بالبناء الاشتراكى وبشكل خاص فكرة التنظيم السياسى الثورى.


وعن هذه الثقافة الموسوعية يقول الأستاذ «خالد محيى الدين”.. أحد الضباط الأحرار القريبين من جمال عبدالناصر: «.. قرأ جمال عبدالناصر الأدبيات الماركسية القديمة والجديدة.. وألّم بكل الأدبيات الاشتراكية «غير الماركسية», وخاصة لحزب العمال البريطانى والهند والبلاد الاسكندنافية, ودرس بعناية كل المواضيع الخاصة بالتسلح وسباق التسلح وعلاقاتها بالسياسة الدولية, كذلك قرأ بعناية كل الأدبيات الخاصة بالخلاف الصينى السوفييتى, ثم درس بعناية تجربة التنمية فى الهند ويوغسلافيا، وكان الهدف من هذه القراءة دائما أن يخرج بشيئ إيجابى حول ماذا يستطيع أن يفعل لبلده ولشعبه ولأمته العربية.


(خالد محيى الدين, دراسة مقدمة لندوة الناصرية والنظام العالمى الجديد عقدت بباريس فى نهاية السبعينات)


الثقافة السياسية العامة


من ناحية أخرى كان لاختلاط «عبدالناصر الشاب” بمعظم الحركات السياسية العاملة فى الساحة المصرية من اليمين الى اليسار, خاصة بعد إنشاء تنظيم الضباط الأحرار, من الأخوان المسلمين والماركسيين والوفديين ومصر الفتاة والحزب الوطنى وكل الحركات الوطنية والديمقراطية, أمده بثقافة سياسية واسعة جعلته يقف ناقدا وانتقائيا مما يعرضون عليه من أفكار وبرامج وسياسات.


ولكن الأهم من «الفهم النظرى المجرد” لأفكار ومواقف هذه الجماعات يمكن أن نجذب اهتمام القارئ بشكل خاص إلى ما يؤدى إليه هذا «التدريب العملى” على فهم مواقف واتجاهات هذه القوى وأين ومتى يستطيع أن يتعاون أو يتصادم معها، وقد زادت هذه الخبرة رسوخا بعد أن تواجد على قمة السلطة السياسية ويناء على المعلومات والاتصالات التى يقوم وبكل الإمكانيات الكبيرة التى توافرت له على رأس السلطة السياسية.


فلقد نمت لديه بعد الوصول للسلطة «موهبة» الاطلاع أولًا بأول على كل الأحداث السياسية والاقتصادية العالمية من خلال الاطلاع المباشر على أهم الصحف العالمية الكبرى بنفسه وبلغتها الأصلية، وكان يعتبر ذلك من «فرائض” الحكم الصحيح.


ولكى يتابع معى القراء- وبشكل خاص الشباب - منهم كيف كان يهتم الرئيس عبدالناصر بمتابعة الصحف العربية والأجنبية بنفسه أسوق هذا الحوار الذى دار بين الرئيس عبدالناصر وقادة حزب البعث بصدد مقال كانت قد نشرته جريدة البعث بعنوان “ملكيون أكثر من الملك”.


كان المقال يغمز بطرف خفى للرئيس عبدالناصر ويهاجمه, وعندما عاتب الرئيس قادة حزب البعث على مائدة مباحثات الوحدة الثلاثية عام ١٩٦٣, فوجئ أنه ليس لديهم علم بالمقال ولم يقرأوه.


إليكم نص الحوار الذى دار بين الرئيس جمال عبدالناصر والأستاذ صلاح البيطار (رحمهما الله):


- السيد صلاح البيطار: «…. أنا بأقول بأنه لم نراه..لم نراه حتى نكذبه”.


- الرئيس جمال عبد الناصر: «ما بتقروش صحف لبنان.. كمان نشرته صحف لبنان”.


- السيد صلاح البيطار: «لا ما بنقرأها”.


- الرئيس جمال عبدالناصر متسائلا: «لا صحف فرنسا ولا صحف لبنان»؟


- السيد صلاح البيطار : «ما بنقرأها.. ما بتيجى إلنا.. فا..”


- الرئيس جمال عبد الناصر مندهشا: «تبقى مصيبة! إزاى الكلام ده»؟!


- السيد صلاح البيطار: «فسيادة الرئيس.. لما تقرأه أنت.. اتصل فينا..”


- الرئيس جمال عبدالناصر: «ما بتقراش صحف سوريا ولا تقراش صحف لبنان ولا تقراش صحف فرنسا.. تحكم إزاى مش معقول”!


- السيد صلاح البيطار: «طيب حد يتصل فينا ونبلغ عنه.. أكيد ما فى.. ما فى وقت نقرأ.. ما كان عندنا وقت نقرأ..”


- الرئيس جمال عبد الناصر: «ده أنا.. أنا إمبارح بالليل قارى كل اللى إنكتب فى لبنان وفى فرنسا وفى لندن وفى سوريا وبعت جبت نشرات الاستماع اللى قال عليها الأخ صلاح البيطار.. قال إن المقالات اللى نشرت فى جريدة البعث ما إتذاعتش من دمشق وجدت أنها إتذاعت من دمشق.. وبتذاع كل يوم الساعة عشرة ونص..ز قبل ما انام.. وإلا الواحد يبقى ما هواش مُلم بسير التطورات.. علما الواحد طول النهار قاعد وعمال بيشتغل. “ (محاضر جلسات مباحثات الوحدة , إبريل / نيسان ١٩٦٣ , سلسلة كتب قومية , الهيئة العامة للأنباء والنشر والطباعة , الجمهورية العربية المتحدة).


من الحوار السابق , نتبين بوضوح , كيف أخضع عبد الناصر نفسه لعملية « تثقيف ذاتى “ وبطريقة منظمة ومنهجية.


الفكر الإستراتيجي


الواقع أن أهم مواهب عبدالناصر هى فكره الاستراتيجى المنظم والمنهجى الذى تلقاه بشكل مدرسى فى كلية أركان الحرب المصرية, فلقد كان امتحان القبول بهذه الكلية هو نوع من المسابقة العامة بين المرشحين للدراسة بها, وكانت الدراسة باللغة الإنجليزية. والدراسة بكلية أركان الحرب العليا لا تقتصر على الموضوعات العسكرية، بل تمتد الى التاريخ والسياسة الدولية.. وهنا كانت الدراسة المتأنية لجمال عبدالناصر… والنقطة الجوهرية فى كلية أركان الحرب العليا والتى تمتد الدراسة بها لمدة عامين هى أنها تمكن الدارس بها من أن يفكر بطريقة منظمة ومرتبة ومنهجية وفى كل القضايا, وفى كل المشكلات التى يواجهها, كما تمكنه من حساب قدرات قواته وقدرة قوات الخصم, ومع مرور الزمن بالدراسة تصبح هذه الطريقة المنهجية المرتبة جزءا من تكوينه الفكرى, وهدف هذه الدراسة أن يتمكن الدارس من مواجهة كل المواقف والأزمات بفكر هادئ ومرتب ليتخذ قرارا سليما. ثم أضيف لهذه الدراسة المنظمة موهبة جديدة هى موهبة «التدريس” فى كلية أركان الحرب العليا وما يتطلبه التدريس من موهبة الشرح والاستيعاب وتخطيط النماذج والتمارين الذهنية والعملية وهى كلها أمور اتقنها عبدالناصر واتضحت بشكل رائع فى محاوراته فى مباحثات الوحدة الثلاثية عام ١٩٦٣.


المهم أن هذا «التفكير الإستراتيجى» عند عبدالناصر يمكن متابعته «تطبيقيا” فى آدائه السياسى خلال الأزمات والمعارك السياسية التى خاضها خلال عقدين من الزمان فى الداخل والخارج, أى منذ أن أسس تنظيم الضباط الأحرار وحتى وفاته.


يرجع الفضل فى نشر تفاصيل هذه المعارك وجلاء أسرارها للأستاذ «محمد حسنين هيكل” فى سلسلته التى نشرها وبدأت بكتابه «ملفات السويس”.. وهو كتاب مدرسى.. يشرح بطريقة “عملية” ومنظمة طرق إدارة الأزمات السياسية.. وكيفية التعامل مع موازين القوى وتحريك وحشد القوات.. والتقدم والتراجع فى توقيتات معينة.. وكيفية التحضير للمعارك الوطنية بكفاءة.. وتوقع المفاجآت.. إلى آخره.


علم التخطيط والثقافة الاقتصادية


أما عن ثقافه عبدالناصر الاقتصادية فقد استطاع أن ينميها من خلال الاطلاع على التجارب الاقتصادية العالمية وما خاضته هذه التجارب من عثرات وأزمات.


ولعل أهم ميزة يجب أن يمتلكها أى مفكر اقتصادى هى قدرته على استيعاب المفاهيم «النظرية» لعلم «التخطيط» ولكن الأهم منها أن يتقن إنزال هذه المفاهيم والمقولات إلى محك التطبيق العملى, ولعل هذا ما فعله عبدالناصر بالضبط, فقد أخضع نفسه لدراسة مكثفة لمقولات علم التخطيط :


تحت يدنا نص لجمال عبدالناصر, إجابةً عن سؤال وجهه له «ديفيد وين مورجان» مراسل «الصنداى تايمز» الإنجليزية, وذلك حين سأله قائلا: لا بد أن تجربة مسئولية الحكم كانت أمرا جديدا بالنسبة لعملكم السابق؟


أجاب الرئيس عبدالناصر قائلا :


“ صحيح.. وسرعان ما اكتشفت أن حكم بلد من البلاد يختلف اختلافا عظيما عن قيادة كتيبة من الجنود ومع ذلك, فقد كانت هناك وجوه مشتركة بينهما، فقد عرفت فى مرحلة مبكرة جدا ضرورة التخطيط, فالإصلاحات التى أردنا ادخالها لا بد من تنفيذها على أساس الخطة الطويلة المدى, ولقد شغل التخطيط بالى فى هذه المرحلة, ورحت أتحدث عنه مع كل من تتيح لى فرصة أن التقى به, وتكون لديهم فكرة عنه أو تجربة.


“وإنى أذكر أن موضوع التخطيط كان أول حديث طويل بينى وبين البانديت «نهرو». وأثناء زيارة من زياراته للقاهرة, ركبنا يختا فى النيل وأخذنا نتناقش لمدة خمس ساعات حول تجاربه الخاصة بالتخطيط فى الهند.


ولم أكن أستطيع أن أعتبر نفسى خبيرا, كما أنه لم يكن تحت تصرفنا إلا عدد محدود من الخبراء ولاسيما فى المجال الاقتصادى – وهو مجال ذو أهمية حيوية – فالخبراء رغم كل شيء قد يكونون فى بعض الأحيان عبئا, أكثر منهم عاملا مساعدا, فلقد يكونون متحجرين فيما ألفوه من أساليب, ولهذا فإنى أفضل المفكرين على الخبراء. أن التفكير يجب أن يرسم الإطار العام للحركة ثم يجيء دور الخبرة فى خدمة الإطار العام “.


(حديث الرئيس لديفيد وين مورجان, مصدر سبق ذكره)


هذه الإجابة تفسر لنا كيف كان الرئيس عبدالناصر حريصا على استقبال زوار كثيرين فى القاهرة من الاقتصاديين والمفكرين كالفيلسوف الفرنسى “روجيه جارودى” أوعلماء التخطيط من أمثال المخطط الفرنسى الشهير «شارل بتلهايم”.


وبمناسبة هذا الأخير, أى البروفيسور “شارل بتلهايم”.. فقد كان كتابه «التخطيط والتنمية” قد تُرجم إلى العربية بشكل لم يعجب الرئيس الراحل «جمال عبدالناصر”.. فأشار على المفكر والاقتصادى الكبير الدكتور «إسماعيل صبرى عبدالله”, بإعادة ترجمته وتنقيحه ليكون سهلا وميسرًا للمهتمين بقضايا التخطيط الاشتراكى وقضاياه المختلفة.


والذين اقتربوا من الرئيس عبدالناصر يعرفون شغفه الشديد بمقابلة المفكرين والفلاسفة الذين يزورون القاهرة والاستفادة منهم.. خصوصا المفكرين النظريين الذين يتميزون بالخيال والتوق إلى تحقيق المستحيل وربط هذه الخبرة بما كان يستفيده من المثقفين «التكنوقراط” الذين لا تتجاوز معرفتهم حدودا ما تلقوه من علم أو تدريب تقنى لايرون أبعد منهما ولا يميزون من خلالهما حدود الممارسة السياسية ذات الأبعاد التاريخية والفلسفية والاجتماعية والتى تتطلب معرفة كبيرة بالسيكولوجية الجماهيرية وحدود طاقتها وتحملها واحتمالاتها.


الثقافة القانونية والدستورية


ربما كان من الواجب أن نتحدث قليلا فى هذا المقال عن جانب من جوانب ثقافة “ليس معروفا للكثيرين ممن قرأوا عنه أو له”.


فكثيرون لا يعرفون - مثلا - أن عبدالناصر كان قارئا نهما للفكر الدستورى المقارن وعلى درجة عالية من التخصص فى هذا المجال.


ويقول كثيرون ممن اقتربوا منه إن تاريخ النظم السياسية كان من مواد القراءة المفضلة لديه وهو ما سنكتشفه فيما بعد.


ما نود أن نذكره هنا ولا يعرف الكثيرون أن الرئيس عبدالناصر هو الذى وضع «بنفسه» دستور ١٩٥٦..


ولكن ما قصة هذا الدستور ولماذا وضعه عبدالناصر بنفسه؟


الواقع أن عبدالناصر كان قد وعد الشعب المصرى يوم ١٦ يناير ١٩٥٣ بإعداد دستور للبلاد خلال فترة انتقالية لمدة ثلاث سنوات, وكان يستطيع – كما يقول الدكتور عصمت سيف الدولة فى كتابه الرائع «هل كان عبدالناصر دكتاتورا؟» – أن يستمر فى الحكم المطلق بدون دستور بعد أن انتصر على كل القوى التى تصدت للثورة. وكان فى إمكانه أيضا أن يبقى مستبدا بالسلطة لأية مدة يريدها. وكان يستطيع أن يمد فترة الانتقال سنة أخرى أو أكثر كما فعل حكام من قبله ومن بعده. ولكنه أوفى بوعده أنهى فترة الانتقال وأنهى معها مجلس قيادة الثورة الذى كان مازال موجودا.


وكانت اللجنة التى شكلت لصياغة الدستور بقرار يوم ١٣ يناير ١٩٥٣ قد انتهت فعلا من صياغته وقدمته لمجلس الوزراء يوم ١٧ يناير ١٩٥٥ ولكن عبدالناصر رفضه.. لماذا رفضه؟


… لأن هذا الدستور - كما يقول الدكتور عصمت سيّف الدولة - كان يأخذُ بالنظام النيابى الليبرالى البحت.


وقد تولى عبدالناصر شخصيا إعداد الدستور الجديد الذى أعلنه فى ١٦ يناير ١٩٥٦ أى فى آخر يوم فى الفترة الانتقالية التى وعد بها الشعب.


إن هذا الدستور, دستور ١٩٥٦, يستحق الانتباه الجاد من كل الذين يريدون أن يعرفوا موقف عبدالناصر من الديمقراطية بشكل عام ومن مشكلة الديمقراطية فى مصر خاصة, ذلك لأن فيه صاغ عبدالناصر لأول مرة أفكاره عن الديمقراطية فى نصوص دستورية. حول رؤيته لنظام للحكم.


ولأن فى هذا الدستور عبّر عبدالناصر, بوضوح قاطع عن بدء القطيعة بينه وبين الديمقراطية الليبرالية.


تلك القطيعة التى ستتحول فى مرحلة لاحقة إلى عداء صريح.


لقد رأى عبدالناصر أن مشروع الدستور الذى وضعته اللجنة كان نموذجا للدستور الليبرالى الذى لا يعطى للشعب أى دور إلا فى انتخاب نوابه ثم يعود بعدها الشعب للبطالة السياسية، حتى تجرى انتخابات تشريعية جديدة وهو بين الفترتين لا دور له ولا استشارة.


لقد رأى عبدالناصر أن المشكلة قائمة بصفة أساسية فى المستوى الشعبى فاعتقد أن الجماهير الراكدة التى حركتها هيئة التحرير لابد لها – لتكمل يقظتها – من أن تسند لها سلطات دستورية لتصبح «شريكة” رسميا فى الحكم.


وهكذا جاء دستور ١٩٥٦ يتضمن كافة الحريات والحقوق السياسية وقواعد النظام النيابى التى كان يتضمنها دستور ١٩٢٣ مضاف إليه ما أراده عبدالناصر من أن يكون رئيس الجمهورية منتخبا من الشعب, وأن يستفتى رئيس الجمهورية الشعب فى المسائل الهامة التى تتصل بمصالح البلاد, وألا يتم التعديل فى الدستور إلا بعد استفتاء الشعب فيه. وتبع ذلك إطلاق حق الانتخاب من كل القيود تقريبا, فخفض السن الى ١٨ سنة وهى أقل من سن الرشد المدنى (٢١ سنة) ففتح مجال الممارسة الديمقراطية لأجيال جديدة من الشباب. وتقرر حق الانتخاب فى مصر لأول مرة للنساء فدخل نصف الشعب – الذى لم خطر على بال أحد من قبل – مجالات الممارسة الديمقراطية وأصبحن الآن قوة انتخابية حاسمة الأثر. وتقرر حق الانتخاب للعسكريين فزالت لأول مرة فى مصر وصمة التناقض المصطنع وغير المعقول التى تحرم الذين يصدون للدفاع عن الوطن حتى الموت من المساهمة فى اتخاذ القرارات التى يتوقف عليها مصير الوطن ومصير حياتهم أنفسهم.


ثم أخيرا تقرر - لأول مرة - أن يصبح الانتخاب إجباريا وإن كانت العقوبة على التخلف عنه طفيفة (جنيه واحد فقط)، وهذا الإجبار مع ضآلة العقوبة يكشف المدلول الديمقراطى العميق الذى أراده عبدالناصر.


فقد كان المقصود بذلك حث الذين لا يطيقون الغرامة البسيطة على ممارسة حقوقهم الديمقراطية وهم أغلبية الشعب من العمال والفلاحين والفقراء.. لأنهم هم الذين كان عبدالناصر مشغولا بمصيرهم.


وأستسمح القارئ فى أن يطالع معى هذا النص الذى يوضح موقف عبدالناصر من النظام الليبرالى ونظرية الفصل بين السلطات, كما فصلها جمال عبدالناصر فى مباحثات الوحدة الثلاثية عام ١٩٦٣:


“أنا إتكلمت فى المؤتمر الوطنى وكنت ضد مبدأ فصل السُلطات أصلا.. وبأعتبر عملية فصل السُلطات دى خدعة وما يأخذنيش فى هذا الدكتور البزاز – ليه؟ لأن الحقيقة مافيش حاجة اسمها فصل السُلطات لأن اللى عنده الأغلبية فى البرلمان هو اللى بياخد السُلطة التنفيذية والتشريعية.. إذن القيادة السياسية اللى عندها الأغلبية بتبقى فى ايدها حاجتين.. السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.. وإذا أصبح فى أيديها السلطة التشريعية بالتالى أصبح فى ايدها السلطة القضائية، لأن السلطة القضائية خاضعة للسلطة التشريعية مهما قالوا عنها إنها مستقلة. وأن الكلام ده اللى طلع فى فرنسا من أيام مونتسكيو عن فصل السلطات كلام نظرى ولكنه واقعيا لم ينفذ.. ناخد إنجلترا كمثل, حزب المحافظين ألف الوزارة.. دخل الانتخابات أخذ الأغلبية فى البرلمان وفى أيد مين؟ حزب المحافظين... إزاى بتقول هما فصل السلطات؟ إذا فقد الأغلبية فى السلطة التشريعية بالتالى بيصل له إيه؟.. لازم يسقط من السلطة التنفيذية.. إذن اللى عايز يحتفظ بالسلطة التنفيذية يجب أن يحتفظ بالسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.. إذن القيادة للإتنين واحدة.. فهو مبدأ فصل السلطات ده عملية فى الكتب ولكنها غير موجودة واقعيا أبدا… البلد الوحيد اللى ممكن يحصل فيها هذا الموضوع هى الولايات المتحدة الأمريكية… ولكن بينتج عن هذه الحقيقة تضارب كبير فى العمل, وفيه أحد رؤساء الولايات المتحدة وسموه الرئيس «فيتو” كل قرار بييجى من المجلس.. هو ما عندوش أغلبية فى المجلس.. كل ما ييجى قرار من المجلس يعمل عليه «فيتو” ويرجعه.. وبيحاولوا لغاية دلوقت يتغلبوا على هذه المشكلة بأن الرئيس ما يتقدمش بقرار إلا بنجيب الكونجرس من الحزبين وبياخد هذا القرار نتيجة هذا التشاور مع الكونجرس… (أكتفى بهذا المقطع من حديث الرئيس عبدالناصر الطويل والذى أظهر فيه رؤية نقدية وجدلية صائبة للنظام الليبرالى).


فى حواره آخر للرئيس عبدالناصر خلال مباحثات الوحدة الثلاثية.. وكان موضوعه هو طبيعة النظام السياسى الأمثل المقترح لدولة الوحدة فاجأ عبدالناصر محاوريه بثقافة موسوعية شاملة حول النظم السياسية السائدة فى عصره.


بعد أن رأى عبدالناصر مراوحة محاوريه بين آراء متناقضة وأفكار متعددة ونظم سياسية مختلفة.


وهو كعادته.. صاحب الذاكرة الحادة فيما يخص الفروق الدقيقة لدساتير دول مختلفة فى أنظمتها السياسية والدستورية.


فكان هذا الحوار عن الدستور الصينى أو اليوغسلافى والسوفييتى والأمريكى فى أكثر من موضع من هذه المحاورات :


قال الرئيس عبدالناصر لمحاوريه من قادة حزب البعث السورى والعراقى:


“.. فى الصين فيه الآتى: تركيب الدولة.. فيه المجلس الوطنى.. اللى هو أكبر حاجة وبعدين فيه وظائفه وسلطاته وبعدين اللجنة الدائمة للمجلس الوطنى اللى هى تساوى مجلس الرئاسة لنواب الشعب.. هى هيئة دائمة للمجلس الوطنى لنواب الشعب وتتألف من الرئيس.. نواب الرئيس.. المجلس الوطنى.. رئيس الأمانة للأعضاء.. وتمارس الوظائف والسلطات اللى هى حوالى ١٩.


“وبعدين بعد كده فيه رئيس الجمهورية الشعبية الصينية اللى هو فى الباب الثانى من الدستور الصينى, ليه سلطات.. وبعدين فيه مجلس الوزراء اللى هم بيسموه مجلس الدولة, اللى فيه رئيس الوزراء والوزراء يختلف عن روسيا اللى فيها رئاسة مجلس الأمة.. أو رئاسة السوفييت الأعلى هى رئاسة الدولة فى الاتحاد السوفييتى.. فبنختار: يابنعمل زى الاتحاد السوفييتى.. نعمل مجلس رئاسة ونلغى منصب رئيس الجمهورية وكل السلطات تنبثق من مجلس الأمة.. يابنعمل رئيس جمهورية ومجلس أمة ومجلس رئاسة لمجلس الأمة يباشر عمله فى حالة عدم انعقاده.. معنى هذا أن يبقى رئيس الجمهورية مالوش سلطة التشريع والمراسيم فى حالة غياب مجلس الأمة.. يا بنعمل زى أمريكا.. نعمل جمهورية رئاسية, مفيش رئيس وزراء وفيه عملية فصل السلطات كلها. بالفعل زى الهند فيها فصل السلطات وجمهورية برلمانية. (انتهى هذا المقطع).


هذا المقطع يثبت بما لايدع مجالا للشك, أن عبدالناصر كان على درجة «غير عادية” من الوعى “المتخصص” فى الفقه الدستورى وعلم النظم السياسية, وأن اطلاعه فى هذا الأمور يجاوز حدود «الهواية» الثقافية الى حد «الاحتراف التخصصى»!


نهاية واجبة


قبل أن أختم هذه الدراسة يهمنى أن أهدى للقارئ المهتم بمعرفة « عبدالناصر المثقف واقعتين تبينان مدى شغف الرئيس بالثقافة والقراءة باللغة الإنجليزية التى كان يجيدها قراءة وكلاما ونطقا, وتبين فى نفس الوقت.. مدى اهتمامه بتثقيف من حوله من المساعدين.


القصة الأولى رواها الأستاذ «أمين هويدى” رحمه الله فى كتابه “خمسون عاما من العواصف”


يقول الأستاذ «أمين هويدى»:


فى إحدى المرات وأنا أحاوره سألنى فجأة «هل قرأت كتاب» رجال البنتاجون من فورستال إلى ماكنمارا»؟


يقول الأستاذ أمين هويدى: «أُسقط فى يدى وأجبت بالنفى, فنصحنى بقراءته..”


وتساءلت متى ياريس؟ أنا لا أجد وقتا وأنا أمرّ على المطارات بالهليكوبتر من الفجر.. ثم على مواقعنا الدفاعية.. ثم أنظر فى قضايا التسليح والميزانية وإعادة التنظيم.. ثم أعالج مسئولياتى فى رئاستى للمخابرات..


المهم قرأت كتاب “رجال البنتاجون.. من فورستر إلى ماكنمارا”.. كيف قرأته وأنا فيما فيه؟ بل كيف ترجمت كل أوراقه فى إحدى الكراسات؟ لا أدرى..


ثم عاد “الرئيس” بعد فترة وسألنى مرة أخرى؟ هل قرأت الكتاب؟


نعم قرأته..


ما رأيك؟


قلت له: أعجبنى قول ماكنمارا حينما قال إن بقاءه لمدة ساعة واحدة فى البنتاجون كان مستحيلا لولا مساندة الرئيس «.. وأضفت “ولولا ذلك لفعل مثل ما فعله الوزير جيمس فورستر” حينما قفز من شرفة حجرته رقم ١٦١٨ بالدور ١٦ فى مستشفى البحرية ومات منتحر!”


وفهم الرئيس الرسالة وهو يضحك ضحكته المكتومة. القصة الثانية نقلا عن الأستاذ محمد حسنين هيكل فى كتابه «عام من الأزمات”


يقول الأستاذ «محمد حسنين هيكل” فى كتابه «عام من الأزمات” والذى يتحدث فى جزء منه عن الفترة التى أعقبت نكسة يونيو ١٩٦٧ مباشرة.


يقول الأستاذ هيكل: «.. كان اللواء حسن البدرى أول من تنبه إلى أن القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين, وبتأثير النشوة التى أخذتهم, قد تركوا ألسنتهم تتحرر من أى ضوابط أو قيود وهم يتحدثون عن تجربة الحرب.. وكتب مباشرة إلى جمال عبدالناصر يقترح أن تتولى المخابرات جمع كل ما قاله القادة العسكريون والسياسيون الإسرائيليون فى “نشوة النصر” وسكرته مكتوبا على ورق أو منطوقا وراء ميكرفون أو مصورا أمام عدسة, حتى يوضع كله «تحت المجهر لدراسة معمقة... وقبل «عبد الناصر» باقتراح «حسن البدرى”، بل وتحمس له مقدرا فائدته فى الإعداد لمرحلة جديدة من العمل العسكرى.. وفى ظرف أسبوعين كانت إمكانيات الدولة المصرية فى الخارج قد استطاعت الحصول على أوراق بالأكوام وتسجيلات بالصوت تزيد على ستمائة ساعة وشرائط مصورة تزيد المدة اللازمة لعرضها عن ١٣٠ ساعة.. وقد لقيت هذه “المواد الوثائقية” التى وصلت للقاهرة مقروءة ومسموعة ومرئية اهتماما مركزا من «جمال عبد الناصر” وطلب تخصيص قاعة فى مبنى القيادة العامة للقوات المسلحة فى مدينة نصر تكون جاهزة بالأوراق والملفات والشاشات وآلات العرض, ثم تكون هذه القاعة مفتوحة للقادة المصريين.. وقد حضر بنفسه مع الفريق «محمد فوزى» القائد العام والفريق «عبد المنعم رياض” رئيس الأركان وقرابة عشرين ضابطا من كبار قادة القوات المسلحة, وراحوا يتابعون ويسجل بعضهم (ومعهم جمال عبدالناصر) ما يلفت اهتمامهم فيما يسمعون ويرون.. وأذكر أنه بعد إحدى الجلسات وكانت الشرائط المصورة ثلاثة أحاديث متواصلة لـ»موشى ديان», أن أخذنى الفريق «عبدالمنعم رياض” جانبا وسألنى هامسا «ما هذا الذى يفعله” الرجل الكبير “بنفسه؟!.. لماذا يصر على سماع ورؤية كل هذه التسجيلات؟!


وأضاف «عبدالمنعم رياض”: هذه جرعات من السم يعطيها لنفسه كل يوم, وبصرف النظر عما فيها من معلومات فإنها تحوى الكثير من المبالغات وأيضا الكثير من الأكاذيب..


وكان رأيى (والكلام لمحمد حسنين هيكل) أن التجربة مهما كانت عذاباتها فستكون مفيدة.. فإذا لم يجلس «هو» (يقصد عبدالناصر) ليرى هذا كله بنفسه فإن الجميع سوف يعّفون أنفسهم منها.. وتلك لو سمح «هو” بها فستكون خسارة.. ثم إننى (والكلام لازال لهيكل) أعتقد أن «جمال عبدالناصر” يستفيد كثيرا من ملامسة جانب آخر من الوقائع مهما كان كئيبا وغليظا». (انتهى النص المقتطف من كتاب محمد حسينين هيكل(


هل تحتاج هذه القصة إلى تعليق؟


ألم يكن رائعا هذا «الرجل الكبير”.. جمال عبدالناصر!.