٥ حكايات عـــــــــن ثورة عبد الناصر الثقافية

20/07/2016 - 12:50:24

بقلم: يوسف القعيد

بالحكايا نواجه تلك الحملات المسعورة التى بدأت ضد عبد الناصر منذ رحيله عن عالمنا واستشهاده فى ٢٨ سبتمبر سنة ١٩٧٠ حتى الآن، الأموال الطائلة التى أنفقت فى هذه الحملات تكفى لحل مشاكل مصر وربما أكثر، تغيرت الدنيا وتبدلت الأحوال، وأصيبت الثوابت بزلازل غير عادية، لكن تبقى الحملات ضد عبد الناصر كما هى، إن لم تكن قد اشتدت.


ربما كانت صور عبد الناصر هى الصور الوحيدة التى تم رفعها فى أيام ميدان التحرير خلال ثورة ٢٥ يناير، ١٨ يوما مصرية من المجد من ٢٥ يناير ٢٠١١ حتى ١١ فبراير من نفس العام، وصور عبد الناصر وعباراته تحتل ميدان التحرير، ربما كان هذا هو السبب الجوهرى فى تجدد الحملة عليه، واستئناف الهجوم عليه، والتعامل معه باعتباره هدفاً لا بد منه من قِبل كل الذين يهاجمون عبد الناصر.


الحكاية الأولى: أولاد حارتنا


فى أواخر خمسينيات القرن الماضى شعر نجيب محفوظ بمقدمات كتابة بعد فترة من اليأس الأدبى، بدأت بعد أن انتهى من كتابة ثلاثية بين القصرين، سماها مرحلة اليأس الأدبى الكبرى، وقال إنه لا يشعر بالرغبة فى الكتابة، لأن ثورة يوليو حققت ما كان ينادى به، فلمَ الكتابة إذن؟!


لكنه فى الأعوام الثلاثة الأخيرة من خمسينيات القرن الماضى شعر بدبيب الكتابة، وكتب رواية هى: أولاد حارتنا، ذهب بها إلى على حمدى الجمال، مدير تحرير الأهرام، وطلب منه أن يعطيها للأستاذ محمد حسنين هيكل ليقرأها قبل نشرها، واشترط قراءة هيكل للرواية قبل التفكير فى نشرها.


حمل على حمدى الجمال الرواية لهيكل، وأخذها هيكل معه البيت، وبدأ فى قراءتها، وأدرك فوراً: لماذا اشترط نجيب محفوظ أن يقرأها هيكل قبل النشر؟ ومع هذا قرر هيكل نشر الرواية، وبدأ نشر الحلقات الأولى منها، واحتج بعض من ينتسبون للأزهر الشريف على نشر الرواية، وطلبوا التوقف عن نشرها، وقالوا إن الرواية فيها رموز بالغة الخطورة ضد الإسلام والمسلمين، بل ربما كان فيها مساس بالله سبحانه وتعالى.


اتصل عبد الناصر بهيكل، سأله عن الرواية، طلب منه أن يرسل له الحلقات التى نشرت منها، لأنه لم يكن قد قرأها مسلسلة، حكى لهيكل موقف رجال الدين وعلماء الأزهر الذى يطالب بوقف نشر الرواية، ثم قرأ عبد الناصر الرواية، واتصل بهيكل وقال له:


- هذه رواية كتبها نجيب محفوظ، ولا بد أن تنشر كاملة مهما كانت الاعتراضات.


ورغم أن عبد الناصر ليس صحفياً ولم يعمل بالصحافة، إلا أنه طلب من هيكل أن تنشر أولاد حارتنا يومية، حتى يتم الانتهاء من نشرها بأسرع ما يمكن قبل أن تتحول احتجاجات المحتجين واعتراضات المعترضين إلى ما هو أكثر من الاحتجاج والاعتراض، وهكذا نشرت أولاد حارتنا كاملة من الكلمة الأولى وحتى الكلمة الأخيرة فى الأهرام فى زمن ثورة عبد الناصر الثقافية.


للتذكير فقط، لم يكن نجيب محفوظ قد حصل على نوبل، ولم يكن من كتاب الصف الأول، ولكنه كان روائيا ينحت فى الصخر، ويحاول أن يقول كلمته من خلال نصوصه الروائية التى كان يكتبها بأكبر قدر من الإخلاص، ولو أن الرواية منع نشرها، ما كان قد حدث أى شىء، ولا حتى من نجيب محفوظ نفسه.


الحكاية الثانية: السلطان الحائر


عندما انتهى توفيق الحكيم من كتابة مسرحيته “السلطان الحائر”، وبدأ نشرها مسلسلة من أجل نشرها فى كتاب، ثم جرى التفكير فى تقديمها على خشبة المسرح، تحرك من يكتبون التقارير، وقالوا إنه يقصد بالسلطان الحائر جمال عبد الناصر، ورغم أن الحيرة سلوك إنسانى قد يكون مقبولاً عندما يقدم عليه حاكم، لأنها تعنى التردد وأخذ الأمر على أكثر من أمر من وجوهه، ويمكن أن تكون ميزة من المزايا وليست عيباً من العيوب.


إلا أن التحريض ضد المسرحية وصل لدرجة كبيرة بهدف منع الكتاب من الصدور، وقبل منع الكتاب وبعده عدم تقديمها على خشبة المسرح، وقتها لم يكن فى مصر مسرح إلا مسرح الدولة، لم تكن مصر قد عرفت اختراعاً اسمه: مسرح القطاع الخاص، الذى كان موجوداً قبل ثورة يوليو ١٩٥٢


قبل أن يتخذ عبد الناصر قراره بالنسبة لسلطان توفيق الحكيم الحائر، أتى بما نُشر من المسرحية التى كانت تنشر مسلسلة وقرأها، واختلف على طول الخط مع من يرون أنها خطر على الدولة وعلى الحكم، وأنها تقصده شخصياً وتصفه بالحيرة والتردد، وأمر بطبعها فى كتاب وتقديمها على خشبة المسرح.


أكثر من قصة تخص توفيق الحكيم مع عبد الناصر وثورته الثقافية، فعندما تقدم إسماعيل القبانى، وزير المعارف العمومية بطلب إحالة توفيق الحكيم إلى المعاش، كان الحكيم يعمل مديراً لدار الكتب فى باب الخلق، وكانت تابعة لوزارة المعارف العمومية فى ذلك الوقت، كانت مبررات إسماعيل القبانى أن الحكيم كسول ولا يقوم بواجبه ولا عمله على الوجه الأكمل، وبالتالى فإن وجوده عبء على هذه الوظيفة، ويجب خروجه فى التطهير التى تقوم به الثورة.


رفض عبد الناصر طلب وزير المعارف العمومية، وقال يومها إنه لولا قراءته لرواية “عودة الروح” لتوفيق الحكيم، ما قام بثورة يوليو، وأن فكرة الثورة نبتت فى ذهنه وقت قراءته لهذه الرواية، وأنه لا يمكن أن يوافق على خروج توفيق الحكيم فى التطهير، حتى لو كان ذلك بطلب منه.


وهكذا وجد عبد الناصر نفسه أمام أزمة، إما أن يخرج توفيق الحكيم فى التطهير، أو أن يستقيل إسماعيل القبانى من وظيفته، ضحى عبد الناصر بوزير المعارف العمومية، لكى يحتفظ بتوفيق الحكيم مديراً لدار الكتب المصرية.


هل تصدق أن هذا السلوك من قبل عبد الناصر لم يمنع توفيق الحكيم من كتابة كتابه: عودة الوعى، الذى هاجم فيه عبد الناصر بمجرد رحيل عبد الناصر عن الدنيا، الحكاية مُرة، لأن الكتاب نُشر فى ظل حملة على عبد الناصر، بدأها من حكم مصر بعده، وكانت بداية الحملة من الثقافة، ولم يراعِ الحكيم مواقف عبد الناصر معه، وكتب الكتاب ليرضى الحاكم الذى حكم مصر بعد عبد الناصر، وقرر أن يمشى على طريق عبد الناصر ولكن بأستيكة، ومن قال هذه العبارة هو الشعب المصرى العظيم.


الحكاية الثالثة: ثرثرة على النيل


عندما كانت رواية “ثرثرة على النيل”، تنشر مسلسلة، ذهب القوالون وكتب كتبة التقارير أن الرواية كلها تدور فى عوامة على النيل، وأن من يلتقون فى العوامة لا يفعلون شيئاً سوى تدخين الحشيش، رغم أنها رواية جريئة تنبأت بالخامس من يونيه قبل أن يحدث، وقدمت تحذيراً، لو أنه قرأ جيداً لكانت مصر قد استعدت للخامس من يونيه بطريقة مختلفة، ولخرجت منها بهزيمة أقل من التى حدثت، أو ربما بدون هزيمة أساساً.


صدرت التعليمات بإلقاء القبض على نجيب محفوظ، كيف يتجرأ ويكتب مثل هذه الرواية؟ وكان الكل يعرف من كان يقصده نجيب محفوظ بغرزة الحشاشين، وجلسات الحشاشين فى العوامة التى تحتل المشهد الأساسى فى رواية “ثرثرة على النيل”. ما إن علم هيكل بتوجه سيارات الأمن للقبض على نجيب محفوظ، حتى أبلغ جمال عبد الناصر الذى أمر فوراً بعدم القبض على الرجل، وللعلم، وللعلم فقط فإن الذى أبلغنى بهذه القصة هو نجيب محفوظ فى حضور عدد كبير من الشهود، وقد نشرت مرتين فى حياة نجيب محفوظ، مرة فى كتاب جمال الغيطانى “نجيب محفوظ يتذكر”، والمرة الثانية فى كتاب رجائى النقاش: نجيب محفوظ، صفحات من مذكراته وأضواء جديدة على أدبه وحياته.


الحكاية الرابعة: شىء من الخوف


راوى هذه الحكاية، والحمد لله يعيش بيننا على قيد الحياة، إنه الأستاذ عبد المجيد أبو زيد، الذى كان يعمل مستشاراً سياسياً لنجيب محفوظ عندما كان نجيب محفوظ رئيساً للمؤسسة المصرية العامة للسينما، كانت المؤسسة قد بدأت فى تحويل رواية ثروت أباظة “شىء من الخوف”، إلى فيلم سينمائى يحمل نفس الاسم.


ذهبت الشكاوى للاتحاد الاشتراكى العربى تقول إن المؤلف “يُلَسِّنْ” فى روايته على عبد الناصر، وأن عتريس هو جمال عبد الناصر نفسه، أرسلت الشكاوى إلى نجيب محفوظ، وحولها بدوره إلى عبد المجيد أبو زيد، مستشاره السياسى. يومها تم استدعاء ثروت أباظة، وعرضوا عليه الشكاوى وقرأها، وكتب بخط يده أنه يقصد بعتريس الاستعمار وأعوان الاستعمار، وتقرر تحويل الرواية لفيلم سينمائى، أخرجه حسين كمال، وقام ببطولته محمود مرسى، وشادية، وأصبح من أهم الأفلام الغنائية والجميلة بالأبيض والأسود فى تاريخ مصر.


يقولون إن عبد الناصر شاهد الفيلم قبل عرضه بنفسه، وأنه قال لو أن الناس ترانا هكذا، ما الذى يمنع عرض الفيلم؟ عبد المجيد أبو زيد أكد لى أن هذه الواقعة لم تحدث على الإطلاق، وأن عبد الناصر شاهد الفيلم مع الجماهير، أو فى الوقت الذى كانت فيه الجماهير تشاهده فيه، ولم يكن له اعتراض عليه على الإطلاق، وحتى عندما شاهدت الناس الفيلم لم تربط بين عتريس وعبد الناصر، ولا بين زواج عتريس من فؤادة، وبين زعامة عبد الناصر لمصر.


الحكاية الخامسة: نزار قبانى


فى زمن الوحدة المصرية السورية، كان نزار قبانى يعمل دبلوماسياً فى الصين، وقد شعر بحالة من اليأس بسبب بُعده عن الواقع الثقافى العربى، كان شاعراً شاباً يبحث عن نفسه، ويريد أن يشارك فى الحياة الثقافية العربية، واعتبر أن سفره إلى بكين يكاد أن يكون منفى.


فكر نزار قبانى ماذا يفعل؟ كتب رسالة وأرسلها لمحمد حسنين هيكل، على الرغم بأنها موجهة لجمال عبد الناصر، يطلب منه فيها أن يترك هذه البلاد البعيدة، وأن يعود بالقرب من الدنيا ومن الحياة، حمل هيكل الرسالة لعبد الناصر، قرأها بعناية، وطلب من هيكل أن يسأله عن المكان الذى يريد أن ينقل إليه. طلب نزار قبانى أن ينقل إلى مدريد, دبلوماسيا فى سفارة الجمهورية العربية المتحدة، واختار مدريد لأنها آخر العروبة وبداية أوربا، مكان مفصلى تلتقى عنده حضارتان، يمكنه من الاستمرار فى عمله الدبلوماسى، وفى نفس الوقت يعمق تجربته ويضيف إليها من خلال المكان الذى سيعمل فيه، دون عبد الناصر على رسالة نزار قبانى كلمة واحدة: موافق، وأضاف بعدها: ينقل إلى سفارتنا فى مدريد. بعد رحيل عبد الناصر، كتب نزار قبانى قصيدته الأشهر: قتلوك يا آخر الأنبياء.