ثقافة يوليو.. حرية المعرفة وتأسيس الحداثة الوطني

20/07/2016 - 12:45:45

بقلم: أسامة عفيفى

لا يختلف اثنان على أن النهضة الثقافية فى الخمسينيات والستينيات هى واحدة من أهم منجزات ثورة يوليو، ولا ينكر الازدهار الثقافى والتألق الإبداعى فى هذه الحقبة إلا جاحد أو جاهل.


فلقد تحولت القاهرة فى ظل ثورة ٢٣ يوليو إلى منارة للثقافة العربية، تبعث إشعاعاتها على إفريقيا وآسيا والعالم الإسلامى وبلدان العالم الثالث كافة، وخرج العمل الثقافى لأول مرة من دائرة «النخبة» وذوى الياقات المنشأة إلى دائرة «الجماهير» وتحولت الثقافة من خانة الترفيه ومتعة التذوق الفردية إلى خانة الفعل الثوري، وخرجت من مفهوم “القوة الناعمة” التقليدى الذى يروج له البعض الآن إلى مفهوم الفعل الثورى وحق المواطن فى الثقافة والمعرفة، بل وحق الإنسان العربى من المحيط إلى الخليج فى التحديث والوعي، وأصبح مصطلح الثقافة العربية هو السائد، وتراجع مصطلح الثقافة المصرية، بمعنى أن المنتج الثقافى فى العواصم الثقافية كافة هو منتج للعرب جميعا ..


وصحب ذلك تطور فى «مفهوم» الثقافة النخبوى الفلسفى المنعزل عن الواقع والساكن فى البرج العاجى ليصبح أكثر تعبيرًا عن «أفكار ومعتقدات وطقوس وفنون الشعب» ، وتحول «الفعل الثقافي» من مجرد مبادرات فردية وأهلية يقوم بها أهل «الخير» إلى «حق من حقوق المواطنة» تقوم به» مؤسسات وطنية حديثة» تنظر إلى الثقافة كصناعة ثقيلة هدفها تحقيق إنسانية الإنسان.. ولقد أدى ذلك إلى حضور «الثقافة» لأول مرة فى تاريخ مصر فى برامج التنمية و»الخطة القومية» للدولة التى أعدت العدة بالعلم والمعرفة لبناء «مؤسسات الدولة الحديثة» وهو الأمر الذى كان على رأس أولويات «دولة يوليو» ولب مشروعها الثوري.. لذا أصبحت الثقافة على رأس اهتمامات الدولة منذ أول وزارة للثقافة التى سميت بـ»وزارة الإرشاد القومي» فى الخمسينيات حتى قرار السادات بإطفاء المصابيح الثقافية بعد مايو ١٩٧١ ومحاولاته المستميتة لإلغاء وزارة الثقافة نفسها وتحويلها للمجلس الأعلى للفنون والآداب، الذى كان يقود التنمية الثقافية المخططة إلى مجلس استشارى لا صلاحيات له، وهو الذى أسماه بالمجلس الأعلى للثقافة الموجود الآن بلا أى مهام تخطيطية تذكر.


ولأن ثورة ٢٣ يوليو لم تكن نبتًا شيطانيًا فى تاريخ مصر الحديث، وجاءت كحلقة من حلقات الكفاح الوطنى الممتد منذ ثورة عرابى مرورًا بكفاح مصطفى كامل ومحمد فريد وسعد زغلول والمد الثورى الاجتماعى فى الثلاثينيات والأربعينيات، كانت الثقافة أيضًا امتدادا للكفاح الوطنى نفسه، ونبتًا طبيعيًا فى تربة الثقافة الوطنية التى رعاها الرواد فنمت وترعرعت وازدهرت طوال فترات الكفاح الوطنى الممتد لتتألق فى ظل ثورة يوليو ويصبح هذا الإبداع المتميز حلقة من حلقات « تطور الثقافة الوطنية» والفعل الثقافى الوطنى الذى كان سدى ولحمة الكفاح الوطنى نفسه.. فلقد كان مثقفو الثلاثينيات والأربعينيات هم وقود الحركة الوطنية، ولم ينعزل أى منهم عن الهم الوطني، ولا حاد أحد منهم عن أهداف الوطن وأحلامه، فلقد كان العقاد والمازنى وشكرى وطه حسين وتوفيق الحكيم وأحمد أمين، وفريد أبو حديد، ومصطفى مشرفة، والريحاني، وبديع خيري، وعبد الوهاب، وأم كلثوم، وزكريا أحمد، ومختار، ومحمد ناجي، وراغب عياد، ورمسيس يونان، وعبد الرحمن الخميسى وزكى طليمات ورامي، وبيرم، ومحمود حسن، إسماعيل، وغيرهم وغيرهم من مبدعى مصر عبر مسيرة الكفاح الوطني، كان هؤلاء جميعًا هم الذين صنعوا بإبداعاتهم وأفكارهم واجتهاداتهم ملامح «الثقافة الوطنية» القائمة على أركان العقل والمعرفة والحرية والعدالة الاجتماعية، ولقد شكلت أفكارهم وإبداعاتهم سدى ولحمة الفكر العربى المعاصر مع زملائهم من رواد العقل العربى فى الشام وبغداد والمغرب العربي، بل لقد تبلورت «عروبة الثقافة» فى القاهرة قبل أن تظهر «الاتجاهات القومية فى السياسة» فى الخمسينيات.


وتحولت مجلتا الرسالة والثقافة فى الثلاثينيات والأربعينيات إلى منبرين قوميين ينشران الثقافة العروبية وعلى صفحاتهما كتب محمد كردعلي، والزهاوى وعلى المغربي، وخليل مطران، والشابي، وعلى أحمد باكثير، وطه الراوى وغيرهم من الكتاب العرب، مطالبين بوحدة الثقافة العربية وتوحيد المناهج الدراسية بين الأقطار العربية.. بل سارع مثقفو مصر وعلماؤها بالسفر إلى العواصم العربية لتأسيس المعاهد والمدارس العليا والجامعات فى الشرق والغرب، وأسس طه حسين فى أواخر الأربعينيات مشروعه الضخم للترجمة فى الإدارة الثقافية فى جامعة الدول العربية التى أصبحت فيما بعد منظمة الثقافة والتربية العربية، بشكل عام لقد رسخ هذا الجيل من المثقفين مشروع «العروبة الثقافية» الذى صعد وتنامى فى مصر بعد احتلال إسرائيل لفلسطين وقيام حرب ١٩٤٨ هذا الجيل استطاع أيضًا أن يبلور القيمة الثقافية العليا فى الوطن العربى بأكمله ورسخ، كما أسلفت، مبادئ العدل والحرية والعقل وحق المعرفة فى الوجدان الوطني.


فتحى رضوان والحداثة الثورية


هذا المفهوم الوطنى للثقافة شكل إيقاع الحياة الوطنية فى مصر ورسم ملامح مشروعها الثقافى فلم يكن «الضباط الأحرار» - كما يشاع - مجرد «عسكر» يملؤهم الصلف ولا يعرفون غير الانضباط ولغة الأوامر، كما أنهم لم يكونوا ممن يقضون أوقات فراغهم «خارج المعسكر» فى اللهو والمجون، بل كانوا جزءًا لا يتجزأ من « الطبقة الوسطي» المصرية التى قادت الحياة الوطنية فى مصر منذ منتصف الثلاثينيات وكانوا الأكثر قراءة واطلاعًا وتذوقًا للفنون الحديثة، فهم الذين يذهبون إلى السينما كل أسبوع ويحضرون حفلات أم كلثوم، ويقتنون المجلات الثقافية الأسبوعية والشهرية، ويتابعون أحدث ما يصدر من روايات ومسرحيات.. بل لقد كان عبد الناصر نفسه من قراء توفيق الحكيم والأدب العالمى ومن هواة التصوير الفوتوغرافى والسينمائى وكان من رواد دور السينما يتابع أحدث الأفلام العالمية ويهوى الاستماع للموسيقى الكلاسيكية، ويروى الدكتور ثروت عكاشة فى مذكراته أن عبد الناصر كان يحرص على الاستماع معه فى منزله لأسطوانات باخ وموتسارت وبيتهوفن، التى كان يقتنيها عكاشة ولقد صادق عبد الناصر الصحفيين المشاهير مبكرًا وتقلب بين التنظيمات السياسية التى كان يقودها المثقفون، أيضًا كان يوسف السباعى كاتبًا وروائيًا منذ ما قبل الثورة، وكذلك كان يوسف صديق شاعرًا ومثقفًا تقدميًا، وكان ثروت عكاشة مترجمًا وكاتبًا نشر كتاباته باسم مستعار قبل الثورة فى العديد من المجلات والصحف..


لم يكن الضباط الأحرار إذن بمعزل عن الحركة الثقافية وإنجازاتها، بل لقد شكلت هذه الحركة الثقافية وعيهم وأحلامهم وألهبت وجدانهم، ولأن عبد الناصر كان يعى دور الثقافة فى «تحديث المجتمع» ولأن مشروع يوليو الحداثي، كان يؤمن بضرورة إنشاء « المؤسسات العصرية الحديثة» وهذا مفهوم ثقافى بالأساس، فلقد أوكل للمثقف والمبدع الكبير شيخ المجاهدين فتحى رضوان أمر تأسيس أول «مؤسسة ثقافية» للثورة التى سميت باسم «وزارة الإرشاد القومي» ورغم أن هذا الاسم استفز قطاعًا من المثقفين ونسبوا إليه نوعًا من الوصاية على الأدباء والمثقفين، إلا أن هذه الوزارة هى التى وضعت «حجر الأساس» لأول مؤسسة حديثة للثقافة والإعلام فى مصر.


ولقد وضع فتحى رضوان « الملامح الأساسية» لهذه المؤسسة مع كوكبة من مثقفى مصر وكتابها مستفيدًا من التجارب الدولية فى إنشاء المؤسسات الثقافية التى وضع خطة طموحة لتحديث « الثقافة» تقوم على ركائز ثلاث:


أولا: إعادة هيكلة الإعلام وتطوير الإذاعة لتواكب أحدث النظم والتقنيات لتصبح أداة معرفية ثورية تربط المواطن بالأحداث والأفكار فى مصر والوطن العربى والعالم، وتصبح منارة ثقافية «راقية» وثورية فى الوطن العربي، فضلاً عن دوره فى تطوير البرنامج العام «الإذاعة المصرية» أنشأ محطتين جديدتين:


الأولي: هى «صوت العرب» التى قامت بدور «المضخة» «الماصة الكابسة» حيث تمتص الإبداعات والأفكار العربية من عواصم الوطن العربى كافة لتعيد ضخها إلى الوطن العربى فأصبحت المنارة العربية للثقافة والفكر والنضال الثورى من المحيط إلى الخليج.


والثانية: هى محطة «البرنامج الثقافي» أو ما سمى بالبرنامج الثاني.. الذى مثل جسرًا معرفيًا يربط المواطن العادى بمختلف الأفكار الإنسانية قدم عبره مثقفون كبار الإبداعات العالمية من مسرح وموسيقى وشعر ورواية وأفكار فلسفية كبري.. كما قدمت إبداعات الأجيال الجديدة من الكتاب والمبدعين وشارك فى تقديم ذلك كله كوكبة من المثقفين من بينهم د.على الراعي، ود.حسين فوزي، ومحمود حسن إسماعيل، وزكى طليمات، وبهاء طاهر، ومحمود مرسى وغيرهم، ولقد شكلت هذه المحطة فكر ووعى أجيال عربية عديدة وأسهمت فى تكوينهم الثقافى بشكل فعال.


وأصبحت الإذاعة وفق خطته «صوت الثورة» العربية الثقافى وأسهمت فى نمو الوعى القومى والمعرفى فى الوطن العربى من المحيط إلى الخليج.


ثانيًا: جمع شتات المؤسسات الثقافية وإعادة هيكلتها.. فلقد كانت المؤسسات الثقافية موزعة على الوزارات والإدارات المختلفة فلقد كان المسرح القومى والأوبرا يتبعان وزارة الأشغال وكذلك الآثار الفرعونية.. أما الآثار الإسلامية فكانت تتبع وزارة المعارف والأوقاف.. وتتبع الرقابة لوزارة الداخلية.. كما تتبع المكتبات العامة وزارة البلديات «الحكم المحلي» ولم يكن هناك أى فرق للفنون الشعبية.. لذا فلقد أسس مصلحة الفنون واختار لها الكاتب المبدع يحيى حقى لتلم أشتات الفنون تخطط تخطط لنهضة فنية ثقافية حقيقية، ولقد استطاع يحيى حقى أن يؤسس أول مؤسسة فنون مصرية حديثة تضم المسارح والفنون الشعبية والإبداع وحشد لها المثقفين والمبدعين فأنشأ أول فرقة قومية للفنون الشعبية.. كما أنشأ مركز الفنون الشعبية العلمى بهدف جمع وتوثيق فنون الشعب من أزياء وحرف وغناء ورقص وأمثال شعبية وتم تدريب الباحثين على أحدث نظم الجمع والتوثيق واستطاع يحيى حقى أن يرتقى بالفنون الشعبية والمسرح والموسيقى والأوبرا لتصبح أكثر تعبيرًا عن وجدان الأمة وقيمها العليا.


أول أرشيف سينمائي


ولم تتوقف جهود فتحى رضوان عند مصلحة الفنون فقط، بل امتدت إلى تطوير قوانين الرقابة الفنية ومن خلال هذه القوانين استطاع أن يؤسس أول أرشيف سينمائى عندما فرض على كل شركة إنتاج أن تودع نسخة من فيلمها فى أرشيف الرقابة، كما أسس أول أرشيف للسينما التسجيلية عن طريق «وحدة السينما» بمصلحة الاستعلامات التى وثقت المشاريع الثورية العملاقة ووفر لها كبار المخرجين الذين سجلوا بناء المصانع، وتحويل مجرى نهر النيل، ومعارك بورسعيد، وبناء السد العالي، وغيرها من مشروعات عملاقة.. فحفظ تاريخ الكفاح الشعبى فى الذاكرة السينمائية ليشكل أول موسوعة سينمائية لتاريخ الوطن.


فضلا عن ذلك ساهم فتحى رضوان مع وزارة التربية والتعليم فى تأسيس مشروع الألف كتاب الذى كان هدفه ترجمة العلوم والإبداعات الفكرية والفلسفية، بالإضافة إلى دوره فى تأسيس موسوعة الشعب الثقافية ودوره الفعال فى تأسيس المجلس الأعلى للفنون والآداب الذى يعد أول مؤسسة ثقافية للتخطيط لمستقبل الثقافة فى مصر، والذى أنشئ على غرار مجمع اللغة العربية مستقلاً عن الوزارات وحشد له النابغين من كبار المثقفين والكتاب وأوكل لهذا المجلس بالإضافة إلى دوره فى التخطيط الثقافى منح جوائز الدولة، ومنح التفرغ فضلا عن تنشيط الحركة الثقافية والعلمية عبر لجانه النوعية التى كان يديرها كبار المثقفين والشعراء والكتاب بشكل علمى ومستقل، وهو المجلس الذى ألغاه السادات كما أسلفنا وأنشأ بدلا منه المجلس الأعلى للثقافة الذى أوكل إليه الأدوار نفسها ولكن من خلال أعضاء يمثلون الموظفين الحكوميين وقلة من المثقفين المدجنين لتصبح الحركة الثقافية «مدجنة» فى حظيرة النظام، وهو الأمر الذى أدير بكفاءة عالية فى عهد مبارك على يد وزير الثقافة الأسبق فاروق حسنى - فتدهورت الثقافة وأصبحت مجرد ضجيج احتفالى بلا طحن.


ولعل أهم ما قدمه فتحى رضوان للثقافة فى وزارته كان تأسيس مجلة «المجلة» بعد انتصار ١٩٥٦ فى يناير ١٩٥٧ لتصبح منارة للمعرفة والعقل والإبداع الحر منذ أن أسسها حتى أغلقها السادات عام ١٩٧١.


الجامعة الشعبية


ثالثاً: إنهاء عصر مركزية الثقافة.. ونشر المعرفة خارج العاصمة.. وهو ما يعد إنجازاً شعبياً وثورياً غير مسبوق.. وخروج من أسْر «الثقافة» النخبوية الذى تمركز بسببه الفعل الثقافى فى القاهرة والإسكندرية طوال العهد الملكى بينما حُرمت القرى والنجوع من أى خدمة ثقافية، صحيح أن بعض الفرق المسرحية كانت تعرض مسرحياتها خارج القاهرة ولكن كان ذلك مجرد جهود فردية وموسمية، غير مخططة.. ولكى يتم وصول الخدمة الثقافية إلى كل مواطن، أعاد فتحى رضوان هيكلة «الجامعة الشعبية» التى أسسها أحمد أمين أواخر الأربعينيات وطور أداءها وكوادرها ليصبح لها فرع فى كل محافظة وهى المؤسسة التى تطورت وأصبحت فيما بعد «الثقافة الجماهيرية» والتى قدمت عبر «مديريات الثقافة» فى الأقاليم أول مشروع ثقافى شعبى لاكتشاف المواهب وصقلها وتدريبها لتقدم فيما بعد إبداعاتها لأبناء مصر فى المحافظات، كما ألزم فرق الدولة الموسيقية والمسرحية والشعبية بتقديم عروضها فى المحافظات كافة، فضلاً عن تجول «ميكروفون» الإذاعة وبرامجها المميزة ومن بينها الاحتفالية الشهيرة: أضواء المدينة التى كانت تنظم برامج غنائية يشارك فيها مشاهير نجوم الغناء وتتجول فى محافظات مصر كافة ليستمع أهلنا فى الصعيد وبحرى إلى عبد الحليم وشادية ونجاة وكارم وفريد والثلاثى المرح وثنائى النغم وغيرهم وغيرهم من نجوم الغناء مباشرة ليتحقق أكبر قدر من الوعى والمعرفة والثقافة بين ربوع مصر.


بشكل عام استطاع فتحى رضوان منذ ١٩٥٣ حتى ١٩٥٨ أن يضع اللبنة الأولى للعمل الثقافى المؤسسى وترسيخ مفهوم «الثقافة الشعبية» وتحقيق «حق المعرفة» الدستورى لأول مرة فى تاريخ مصر الحديث، وعلى هذه اللبنات الأولى شيد «البناء» العظيم ثروت عكاشة المشروع الثقافى المصرى الحديث، وهو المشروع الذى أسهم فى استيعاب جهود وإبداعات أطراف الحركة الثقافية والإبداعية بمختلف ألوان طيفها ليؤسسوا «الثورة الثقافية» فى الخمسينيات والستينيات..


الصناعة الثقافية الثقيلة


وفى الوقت الذى كان يغنى فيه عبد الحليم حافظ من كلمات صلاح جاهين للعامل والفلاح والتصنيع وينادى عبد الناصر بتحويل مصر من مجتمع زراعى لمجتمع صناعى حديث.. كان ثروت عكاشة وسط المبدعين الكبار يشيد أسس الصناعة الثقافية الثقيلة» فلقد تسلّم المؤسسات الجنينية من فتحى رضوان وهى مشتعلة بالحماس والأمل ليطورها ويجعلها أكثر حداثة وأكثر قدرة على صناعة الثقافة وتفعيل حق المعرفة لكل مواطن..


فلقد حول مصلحة الفنون إلى مؤسسة السينما والمسرح والموسيقي، وأنشأ المركز القومى للسينما وأكاديمية الفنون وأركسترا القاهرة السيمفونى وفرقة الأوبرا المصرية، وفرقة الباليه، وأولى مؤسسات النشر القومية التى عنيت بنشر إبداعات الكتاب المصريين والعرب والعالميين وأعاد تنظيم إدارة المجلات التى قامت بتطوير إصدار مجلة المجلة، والفكر المعاصر، والكاتب والفنون الشعبية ومجلة الشعر، ومجلة القصة، وغيرها من المجلات التى أغلقها السادات بعد انقلاب مايو..


ولقد ازدهرت حركة النشر عبر هذه المطبوعات وفتح الرواد على صفحاتها معاركهم الفكرية ومارسوا اجتهاداتهم الإبداعية وأسسوا الاتجاهات الطليعية فظهرت إبداعات صلاح عبد الصبور وحجازى وفوزى العنتيل، ومحمود حسن إسماعيل وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس ونجيب سرور، وصلاح جاهين وفؤاد حداد والأبنودى ونعمان عاشور وعبد الرحمن الشرقاوى وسيد حجاب، ودارت معارك القصيدة الجديدة ضد التقليدية، وكتبت الدراسات حول المسرح الطليعى والسينما الثورية وناقش المفكرون المصريون والعرب إبداعات الوجودية والماركسية والواقعية الاشتراكية والحداثة.


مواهب تتألق


فى هذا المناخ الزاخر بالمعرفة تألقت مواهب الكتاب المبدعين الذين أسسوا نهضة الستينيات الثقافية، فكتب صلاح جاهين تجاربه الجديدة فى شعر العامية وهى التى أسست مع كتابات فؤاد حداد للذائقة الشعرية الجديدة، وعبرت عن معارك وأحلام الوطن وتغنت بها أم كلثوم وعبد الحليم وعبد الوهاب وظهر جيل الموسيقيين الجديد كالموجى وكمال الطويل، وبليغ حمدى وعلى إسماعيل الذين قدموا أعمالا جديدة وثورية وصاغ عبد الوهاب من خلال هذه الثورة الشعرية الجديدة أجمل ألحانه لعبد الحليم ووردة ونجاح سلام ونجاة ليصنعوا جميعاً أنشودة الوطن الجميلة..


فى هذا المناخ الإبداعى الفنى أسس مسرح الجيب وعرفت الحياة المسرحية إبداعات نجيب سرور وكرم مطاوع، وسعد أردش كما عرفت الشاشة إبداعات صلاح أبوسيف ويوسف شاهين وتوفيق صالح السينمائية وعرضت الفرق العالمية إبداعاتها فى القاهرة سواء فى الموسيقى أو الباليه أو الأوبرا أو المسرح.. زخم ثقافي، وتألق إبداعى يتنامى ليصنع حالة ثقافية معرفية إبداعية غير مسبوقة تتداخل فيها الأغنية بالشعر بالأداء المسرحى بالابتكار السينمائى لتصنع سيمفونية ثورية من مقام حب الوطن، ولم يتوقف اهتمام ثروت عكاشة عند المسرح والموسيقى والنشر والفنون الشعبية، بل امتد إلى المتاحف الفنية والحرف الشعبية فتم تدعيم المتاحف القومية والفنية ومدها بأحدث النظم.


كما أسس مشروع «الحفاظ على الحرف الشعبية» فى وكالة الغورى للحفاظ على هذه الفنون من الاندثار ونظم إدارة التفرغ ليصبح الفنان قادراً على الإبداع الحر، ولا يخضع فنه لمتطلبات السوق فيبتكر ويجرب ويطور من أدواته، ويطلق لخياله وموهبته العنان، ودعم هذا المشروع بمشروع «مقتنيات الدولة» لتشترى الدولة إبداع الفنانين الجديد الطليق من «قيود السوق» ليصبح الفنان أكثر حرية فى الإبداع والتجديد والتجريب.. كما وجه التفرغ إلى المشروعات القومية ففى أتون معركة بناء السد العالى نظم رحلات للفنانين والكتاب ليعيشوا الفعل العظيم وينصهروا معه، ويستلهموه فى أعمالهم.. كما نظم رحلات مماثلة إلى قرى النوبة قبل أن تغرقها بحيرة السد لتسجيل معمارها الفريد واستلهام ثقافتها المميزة..


لم يتوقف إنجاز عكاشة الثورى عند هذا الحد بل قام بتوجيه «النداء العالمي» لإنقاذ آثار النوبة ومعابد فيلة وأبى سمبل ونقلها، فتكاتف العلماء مع اليونسكو مع الخبرات المصرية وتم إنقاذ هذه الآثار ونقلها فى أكبر ملحمة فنية هندسية معمارية..


ولقد كلف ثروت عكاشة النحات المصرى الرائد أحمد عثمان بالإشراف الفنى على نقل أبى سمبل بعد أن وافقت اللجان الفنية والأثرية باليونسكو على مشروعه الفذ، وتم نقل معبد أبى سمبل وفق مشروعه عبر شركة إيطالية عالمية، وقام الفنان الكبير الراحل بيكار برسم عمليات النقل وصور من خلال رسومه فيلما عالميا أخرجه مخرج ألمانى توجد منه نسخة فى المركز القومى للسينما رممت مؤخرا ولكنها قابعة فى مخازنه دون أن يراها أحد من الأجيال الجديدة ودعم عكاشة الموسيقار عزيز الشوان لتأليف موسيقى سيمفونية اسمها أبو سمبل ، وهو عمل جبار قام به هذا الفنان و لا يعرف أحد مصير نوتاته وأسطواناته الآن. بهذه الجهود تحولت عملية نقل أبى سمبل إلى ملحمة فنية ثقافية بالإضافة إلى كونها عملا معماريا فنيا ضخما..


كما استطاع ثروت عكاشة أن يعيد تنظيم هيئة الآثار المصرية ويضم إليها الآثار الإسلامية والقبطية والمصرية القديمة تحت إشراف لجنة علمية متخصصة لتطويرها والحفاظ عليها وترميمها واستثمار عائدها فى الحفريات الجديدة.


منارات الثقافة الجماهيرية


وكما اهتم فتحى رضوان بالثقافة الجماهيرية ووضع اللبنات الأولى لتأسيسها، فلقد وضع ثروت عكاشة خطة عصرية طموحة لتحديثها وتحويلها إلى مؤسسة أكثر فعالية وأكثر قدرة على تقديم «الخدمة الثقافية» فى القرى والنجوع، فأسس قصور الثقافة العصرية التى بنيت خصيصاً لتضم الأنشطة الثقافية وتوفر الإمكانات المادية لاكتشاف المواهب الحقيقية وتصبح منارات ثقافية تنشر المعرفة والعقل والإبداع، ولقد شهدت قاعات الثقافة فى محافظات مصر قاطبة محاضرات فى مختلف مجالات المعرفة لأعلام مصر من مختلف التخصصات كما أسهمت فى اكتشاف المواهب والنجوم فى مجالات الإبداع المختلفة.. وحققت «حق المعرفة» الدستورى لكل مواطن فى كافة أرجاء الوطن.. وهو من أهم ركائز «ديمقراطية المعرفة» التى أدت لتألق الإبداع وازدهاره سعياً إلى تكوين المواطن «المتسائل» الذى يفكر بعقله.. فى مواجهة الثقافة الرجعية التى كانت تؤسس لنتاج المواطن المتساهل المتواكل..


هذا المفهوم بالتحديد «أقصد بناء الإنسان المتسائل العقلاني» كان هو الهدف الحقيقى لثقافة يوليو.. وهو المفهوم الذى ضُرب بقوة منذ قيام السادات بانقلابه على الثورة فى ١٩٧١ لتسود ثقافة الاستهلاك والتساهل والتواكل لتصبح مصر مهشمة خارجة عن دورها الطليعى وتابعة للغرب وهو نفس المنهج الذى سار عليه «مبارك» ومؤسساته لمزيد من التبعية والاستبداد الذى أنتج مؤسسة الفساد القبيحة التى قتلت الإبداع والعقل..


تلك المؤسسة التى أفسدت الحياة وقتلت الكرامة والعدالة والحرية.. وقامت ضدها ثورة ٢٥ يناير لتحقيق مجتمع الحرية والتقدم والحداثة والتى اختطفها الظلاميون والمتأسلمون فاستردتها الجماهير الشعبية بالتحامها مع جيشها الوطنى فى ٣٠ يونيه لإعادة بناء الدولة الوطنية التى ستتحقق ببناء دولة مؤسسات وطنية حديثة قائمة على العلم والثقافة الوطنية تنشر قيم حرية المعرفة، التى هى الطريق الوحيد لتحقيق الاستقلال الوطنى الحقيقى وبناء الحداثة الوطنية التى هى شرط التقدم، وهى كما أسلفنا صناعة ثقيلة تتطلب تخطيطا حقيقيا لا يقوم على مفهومى الصهللة أو الاحتفاليات الموسمية فتتحقق من خلال هذا المشروع الوطنى إنسانية الإنسان، وبالتالى يتألق الإبداع ونصبح أكثر قدرة على تحقيق أهداف الثورة فى الحرية والكرامة والعدالة مهما طال الوقت.. ففجر الحرية والحداثة والتقدم قادم لا محالة وليس ببعيد.