عبد الرحمن الأبنودي وثورة يوليو: «يِعيـش جمال عبدالناصـر»!

20/07/2016 - 12:35:53

بقلم - رضوان آدم

في خمسينيات القرن الماضي، وفي عزّ توهج ثورة يوليو، وجد عبد الرحمن الأبنودي نفسه أمام رجلين ضخمين، سألاه: «حضرتك الأستاذ الأبنودي؟. من فضلك عايزينك معانا شوية». سار معهما بهدوء بعد أن أدرك وجهته، وأوحى لبليغ بإشارات من خلف زجاج الأستوديو ليخبره: «أنا معتقل.. ابقى ادفعلي إيجار الشقة»، وما كان من بليغ إلا أن سقط أرضا من الضحك.


في السيارة التي قادته نحو المعتقل، كان الأبنودي هادئًا رغم الضجيج الذي يملأ رأسه، مرت السيارة بجوار مبنى وزارة الداخلية ولم تقف، حدثه رأسه: «أكيد عندهم أماكن كتير، هما هيغلبوا”.


ما اكتشفه الأبنودي بعد وصوله للوجهة التي اقتاده إليها الرجلان، أن ما حدث له قد يكون أفضل اعتقال تعرض له، دخل الأبنودي مع القامتين لشقة في عمارة فخمة بالزمالك، للوهلة الأولى ظن أنها مكتبا للمخابرات، لكن أي مخابرات يخدمها نوبيا يرتدي طربوشا وقفطانا أبيض، وأي مخابرات تضع كرسي فوتيه ضخم في صالة فارهة، وتفترش سجادًا لم ير مثله، والأغرب من ذلك احتضانه من قبل أحدهم، وهو يحدثه: «عبد الرحمن.. أنت جيت؟»، ليكتشف في النهاية أنه عبدالحليم حافظ.


“أمال مين ولاد الجزمة دول اللي سيّبوا ركبي؟».. بعفوية الصعايدة قالها الأبنودي، وضحك عبد الحليم حافظ، مطرب ثورة يوليو، الذي رغب في مقابلة الأبنودي لتلحين أغنية له، وأحضره بهذه الطريقة، لينضم لهم بعدها كمال الطويل، ويستمر النقاش ساعات، ولأن عبدالناصر كان ينتظر أغنية عن ثورة يوليو من حليم، أخرجهم الأبنودي من ذاك المأزق، بأن يعد لهم نصا من مجموعة قصائد جاهين، الذي عاد من رحلة علاجه بأغنية «يا أهلا بالمعارك”.


داخل منزل حليم، عقب نكسة يونيو، والكلام على لسان الأبنودي، كانت ليلة لا تنسي ومازلت أتذكرها وأرددها دائما فعقب أحداث نكسة ١٩٦٧ كانت الحسرة تشق الصدور وكنت يومها في شقة عبد الحليم مع كمال الطويل ومجدي العمروسي وبليغ حمدي نستمع بألم وحسرة لكلام عبد الناصر الذي أصابنا بالصدمة عندما أعلن يومها التنحي.


بمجرد سماعنا للخبر لم ننتظر للنهاية بل انفجرنا كلنا في بكاء مرير وأصوات تتمزق حسرة بل أن بليغ حمدي فقد وعيه واخذ يصرخ كمن يسير في جنازة وهو يردد بآسي ولوعة آه يا مصر ويضرب بيديه علي الأرض بينما علق كمال الطويل وهو يضع يديه في جيبه قائلا: ايه المسخرة دي، أما عبد الحليم فأخذ يردد بصوت عالي هنعمل ايه يا أخوانا ثم اقترح أن نذهب لعبد الناصر لنقنعه أن يرجع عن قرار تنحيه، وبالفعل نزلنا إلي الشارع متجهين إلي منزل عبد الناصر واذا بنا نفاجأ بأن سيارتنا قد غاصت في بحر من البشر المتدفق من كل مكان تهتف لعبد الناصر ألا يتنحى، ووقفنا بالسيارة لا نستطيع التحرك إلي أن استطاع سائق عبد الحليم أن يخرج بنا من منفذ لنعود منكسرين لا ينظر احدنا للاخر وتفرقنا كل إلي بيته.


بعدها اتصل بي عبد الحليم وقال: ايه يا عبد الرحمن متعرفش إننا متهمين بالترويج للنكسة ، هنسكت كده؟ . أجبت : اسمع يا حليم مصر هزمت وأي أغنية تخرج للناس الآن دون أن تعترف بالهزيمة سوف تثير سخرية الأمة العربية كلها. قال : عاملي مناضل تدخل السجن وتخرج من السجن وحين احتاج إلي نضالك تهرب اكتب يا أخي وبعدين نناضل .


كيف لفنان أن ييأس وسلاحه صوته، قال لي حليم:»إحنا هنقعد كده من غير أغاني»، ورددت عليه: «لو عملنا أغنية مفيهاش إننا دخلنا حرب وانهزمنا، هنتضرب بالجزم»، فضحك حليم وسخر قائلا: «طيب ما تعمل، أنت مش عاملّي ثوري وبتدخل السجن، ولما ييجي أوان الثورية تطلع مش ثوري»، ساعتها أخرجت له من جيبي «عدي النهار» فصمت بعمق ثم اتصل ببليغ حمدي وطلب منه أن يأتيه على الفور وهكذا ولدت «عدي النهار» التي وزعها الراحل عبدالحليم نويرة»، واعتبرها الأغنية الوحيدة التي اعترفت بالنكسة أو الهزيمة في بلادنا. وكان يحلم بأن يخرج ينشدها علي أكتاف الشباب مرتديا جلبابه الأبيض والشباب يرددها معه في ميدان التحرير.


“عدى النهار والمغربية جاية تتخفى ورا ضهر الشجر، وعشان نتوه في السكة تاهت من ليالينا القمر، وبلدنا ع الترعة بتغسل شعرها، جانا نهار مقدرش يدفع مهرها».


فرح حليم بقصيدة الخال، واتصل ببليغ حمدي فورًا، ليجتمع الثلاثي ويحضروا موال «النهار»، ومع بروفات الأغنية راودت حليم الأحلام بغنائها على أكتاف الناس في ميدان التحرير، دب الأمل في النفوس بهذه الأغنية، وأحبها ناصر شخصيا، حتى أنه كان يتصل برئيس إذاعة صوت العرب ليسأله عنها، وحين قرر حليم أن يغني أغاني عاطفية أثناء النكسة، انسحب الأبنودي واعتذر له، فاتجه حليم لمؤلفين آخرين، فلم يكتب الأبنودي لحليم سوى ٣ أغان عاطفية فقط، قال عنهم حليم: «الأبنودي كتبلي الأغنيات دي رشوة عشان أفضل أغنيله الأغاني الوطنية”.


ولم يلتق حليم به سوى بعد نصر أكتوبر، فعادا ثانية وقدما «صباح الخير يا سينا»، إلا أن مرض حليم دفعه للسفر والعلاج، ودعه الأبنودي الوداع الأخير دون أن يعلم أنه لن يلتقيه ثانية، فما كان من حزن الأبنودي سوى أن رثاه قائلًا: «فينك يا عبدالحليم، كتبت سطرين بس كنت حزين، أدّى ورقتي لمين، فينك نغنّي تاني موال النهار، يا صاحب الرحلة في طريق الشوك، انت ممُتّش هما شِبْعوا موت”.


(٢)


فى أكتوبر ١٩٦٦ اقتحم ضباط المباحث منزل الخال عبدالرحمن الأبنودى، وتم إلقاء القبض عليه، ومصادرة كل أوراقه، وعصب عينيه بقطعة من قماش، وأخذوه إلى إحدى جهات التحقيق. وفى أثناء سيره فى الطريق إلى المعتقل ظلوا يضربونه بـ«الشلوت» وعلى رأسه حتى وصل إلى مكتب المحقق وهو لا يستطيع الوقوف على قدمه، والذى أجرى تحقيقًا صوريًا معه. وبعد انتهاء التحقيق مكث ٣٦ يومًا فى سجن انفرادى فى القلعة، بلا أى شىء، لا جورنال، ولا ورقة، ولا يرى سوى بُقعة ضوء تأتى إليه كل صباح من نافذة الزنزانة، ويظل يلاعبها إلى أن تبهت وتختفى. لم يكن «الأبنودى» وحده الذى دخل سجن «عبدالناصر» فى هذا التوقيت، فقد سبقته قائمة طويلة من المثقفين، ودخل معه السجن عدد كبير من أصدقائه المقربين، من بينهم جمال الغيطانى، وسيد خميس، وصلاح عيسى، وسيد حجاب، لكن كان من غير المسموح أن يجلسوا معًا، أو يتحدثوا معًا، لكن الخال كان يحاول أن يُسقط جدار الزنزانة بصوته، فكان يقضى يومه فى الغناء داخل الزنزانة ليسمعه أصدقاؤه حتى يقوِّى من عزائمهم، ولعل أكثر أغنية كان يرددها هى «عم بضوى الشمس» للسيدة فيروز. وعندما كان يمر عم سيد حارس الزنزانة يقول ضاحكًا: «أهى دنيا بتلعب بينا.. على رأى الأبنوبى»! لكن كان يرد عليه الخال من خلف باب الزنزانة ويقول له: «مش أنا يا عم سيد اللى كتبتها»، فيرد مندهشًا: «أُمَّال همَّا جابوك هنا ليه؟!». السجن لم يجعل «الأبنودى» يفقد صوابه مثل كثيرين، ولم يجعله يكره سجانه.


ظل متصالحًا مع هذه التجربة، بل يرى أنها تجربة كان لا بد منها حتى يكتمل البناء الشعرى له، فهو يرى أن الشاعر الحق لا بد أن يمر بثلاث تجارب رئيسية: أن يعيش أجواء الحرب، وأن يدخل السجن، وأن يأنس بالحب، وقد مر بالثلاث. لكن تجربة السجن تركت فى الخال أثرًا مدهشًا، يقول عنه: «كان حائط السجن مثل كرسىّ الاعتراف، إذا أردت أن تعرف نفسك جيدًا، أسند ظهرك على حائط السجن، هتعرف قد إيه شجاع أو قد إيه جبان، وبتخاف من إيه، وبتخاف على إيه، ودرجة صمودك قد إيه، وكيف ترى الناس حولك».


كنت فى منظمة سياسية، وأبلغ عنى المسؤول السياسى فى المنظمة، وكان اسمها «و - ش» أى وحدة الشيوعيين، وكانت تتكون من مجموعة من المناضلين وقتها، وكان من بينهم جمال الغيطانى، ومحمد العزبى، وجلال السيد، وعلى الشوباشى. ولم تكن منظمة حقيقية، ولم يكن لها أهداف واضحة، وقد تكونت بالجهود الذاتية، وكانت رسوم الاشتراك ٢٥ قرشًا، وكانت أشبه بـ«تعليم الماركسية بالأجر»، ولكن بعد هذه التجربة قررت أن أكوِّن حزبًا بمفردى. ويعلّق الخال ساخرًا: «هو فى حد عاقل يروح يجيب لنفسه رئيس.. إذا كان رئيس الوحدة اللى كنت فيها طلع هو اللى مبلّغ عنى مباحث الأمن».


صدر القرار بالإفراج عن «الأبنودى» ورفاقه بناءً على طلب المفكر جان بول سارتر الذى رفض الحضور لمصر بسبب اعتقال مجموعة من المثقفين، واشترط أن يتم الإفراج عنهم قبل حضوره إلى القاهرة، لكن «عبدالناصر» وافق بشرط، وهو أن يأتى «سارتر» أولًا إلى مصر، وبعد أن يصعد إلى طائرته، يتم الإفراج عن جميع المثقفين. رغم كل ما حدث، فإن الخال «الأبنودى» صار ناصريًا أكثر من الناصريين أنفسهم، ولكن بعد رحيل «عبدالناصر» بسنوات طويلة، وعندما سُئل عن أسباب ذلك التحول الكبير مع الرجل الذى انتقده حيًا ومدَحه ميتًا قال: «بعد ما قلّبت فى وشوش اللى حكمونا بعده أدركت أنى لم أعطِ للرجل حقه». ويفسر الخال كلامه قائلًا: فى أبنود لم نشعر بما فعله «عبدالناصر»، فلم يكن لدينا إقطاعيات حتى نعرف فضل «عبدالناصر» الكبير على الفلاحين، فالوادى ضيق، والجبلان ضاغطان على النيل، والمساحة الخضراء ضيقة جدًا، فعندما وزَّع «عبدالناصر» الأرض على الفلاحين لم تستفد أبنود بشىء، وأنا وأهلى لم نستفد بشىء، ولم يتغير سوى أن الطبيب أصبح فى القرية على بعد أمتار من الوحدة الصحية. لكن عندما جاء «السادات» و«مبارك» ثم وصلنا إلى «مرسى» أصبح لزامًا علىَّ أن أتذكر «عبدالناصر» للأجيال التى لوثوا لها وجه «عبدالناصر».


(٣)


الحكايات السابقة، ليست جديدة، مُلقاة، في نهر الإنترنت، وهي مداخل، توثيقية، لشرح علاقة المُبدع بالسلطة، وهي علاقة شائكة، ومعقدة جدًا، في بلدان العالم الثالث، بلدان، تضع على أكتاف مثقفيها، ومبدعيها، أحمالا إضافيّة، لا يتحملها المُبدع في البلدان الديمقراطيّة.


الأبنودي، شخصيّة محيّرة، وهو نفسه يعترف: « أنا .. الشيوعي يقول عليّ: «حكومي»/ وأنا الحكومة تقول عليّ: «شيوعي»/ وأنا بس واحد من بتوع الأدان». هذه أبيات من قصيدته «التوأم» التي رثى فيها محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس، قبل سبع سنوات (٢٠٠٩).


قصة الأبنودي، وثورة يوليو، تقدّم أمثلة شارحة، لما يتناوله المفكر الراحل إدوارد سعيد، في كتابه (المثقف والسلطة)، إذ يقول الأخير:»العلاقة الملتبسة بين المثقف والسلطة تنتج هاجس خوف يستولي على المثقف من السلطة ومن الذات وكذلك من الآخر، وحتى من الحرية نفسها. كل ذلك يعمل على إعاقة المثقف عن تحقيق ذاته، بخاصة إذا كان تابعاً للسلطة، لأن الدولة التي تحتكر كل شيء توصد في وجهه الأبواب. فإما أن يكون المثقف خائنًا، أو يكون مثقفاً نوعياً يقف في وجه السلطة ويكون مستعداً للتحدي والتضحية، أو أن يهرب إلى الرموز والإشارات والتأويلات لإيصال صوته وإسماع صرخته التي بالكاد يرجع صداها أو أن يهرب الى أقرب منفى ممكن».


إلى أي الفريقين انتمى الأبنودي في علاقته بنظام يوليو؟. في الحقيقة، لم يخن الأبنودي، نصّه الشعري، وقلقه الإبداعي، وكانت السياسة بالنسبة له، نافذة تطلّ على جنينة خياله، يروي فيها مشروعه الإبداعي. هل معنى هذا أنه لم ينحز إلى ثورة يوليو؟. العكس تقريبًا، هو الصحيح. الأبنودي لم يكن ناصريًا ( وهذا لا ينتقص منه ولا يضيف له كفنان) لكنه آمن بثورة يوليو، وزعيمها جمال عبد الناصر، الذي سجن الخال القناوي، مع مثقفين آخرين، بزعم انتمائه لأحد التنظيمات الشيوعية.


طبيعي، أن يرتبط الأبنودي، بثورة يوليو، لأسباب كثيرة، أهمها أن زرعته الإبداعية، طرحت ثمارها الكبيرة الطازجة، في أرض وزمن عبد الناصر. الأبنودي ذكى، عرف كيف يحوّط على تجربته الفنيّة، وهو لم يوقع شيكًا على بياض، لنظام يوليو، واختلف معه في عدّة أمور، لم تُعطّل علاقته الفنيّة بها أو بالحالة الثورية، التي خلقتها، في مصر والعالم العربي، والعاللم الثالث، وهذا كله يعني تقديم الأبنودي لقاعدة ضخمة من الجمهورين المصري والعربي. في الحقيقة، الطرفان، يدينان لبعضهما البعض، في النتائج النهائية، فالشاعر الجنوبي الشاب، خلد ثورة يوليو في أغانيه الوطنية، انتصاراتها وانكساراتها («جوابات حراجي القط»، «أحلف بسماها»، «ابنك يقول لك يا بطل»، و«والله زمان يا سلاحي» و«ثوار» و«راجعين بقوة السلاح».


ثورة يوليو هي الأخرى، لم تبخل عليه، لذا كان الأبنودي حريصًا، على استمرار العلاقة. كرس وقتا كبيرًا من تجربته الإبداعية، في دعم ثورة يوليو بالأغاني الوطنية. كان يعتقد أن الرئيس الراحل جمال عبدالناصر «ثوري عظيم، وشخصية نادرة الحدوث في تاريخ الدنيا، حيث بنى مصر، وناضل ضد الاستعمار، ووزع الأراضي الزراعية على الفقراء، كما أن عبد الناصر تجاوز كل العيوب»!.


النصف الأول المهم من تجربة الأبنودي الإبداعيّة، ولد في الأزمان الأولى لثورة يوليو، حتى صداقاته التاريخية، اربطت بتلك الفترة. والعلاقة بينه وبين يوليو، ظلت مستمرة حتى بعد وفاة عبد الناصر. ومن وجهة نظر الشاعر الكبير الراحل، فإن الرؤساء الذين حكموا بعد ناصر، أضافوا للرجل، أكثر من أنفسهم. مقولة يتفق حولها كثيرون، لذا لم يكن غريبًا على الفنان، أن يلمّع صندوق ذكرياته مع ثورة يوليو، ويكتب فى رثاء عبد الناصر، قصيدة «يعيش جمال عبدالناصر»، قصيدة خفيفة، تلخّص الفكرة الأساسية لهذه السطور. يقول الأبنودى: (من يمدحه يطلع خاسر/ ويشبروا له أيامه/ يعيش جمال عبدالناصر/ يعيش بصوته وأحلامه/ فى قلوب شعب عبدالناصر/ مش ناصرى ولا كنت فى يوم/ بالذات وف زمنه وف حينه/ لكن العفن وفساد القوم/ نسانى حتى زنازينه/ فى سجون عبدالناصر/ إزاى ينسينا الحاضر طعم الأصالة/ اللى فى صوته/ يعيش جمال عبدالناصر/ يعيش جمال حتى فى موته/ ما هو مات وعاش عبدالناصر).


بالطبع هناك، « ترابط جدلي بين السلطة والأيديولوجيا في الأنظمة الشمولية ولا يمكن فهم هذه العلاقة وتحليلها إلا في حالة هيمنة الدولة على الثقافة وأدلجتها وتوجيه العلاقات الفكرية والاجتماعية والسياسية حسب مصالحها. وهذا يستدعي منها أيضاً تحويل «المثقف» الى داعية وقولبته وفق أيديولوجية السلطة الحاكمة التي تنتج الثقافة والمثقف في آن. وحين تهيمن الدولة على الثقافة وتتسلط على المثقف يتحول المثقف بدوره الى متسلط من جهة والى مقموع مهزوم من جهة أخرى».


الفقرة السابقة، لصاحب «المثقف والسلطة»، لو اعتبرنا الترابط الذي ترمز إليه، دليلا على شيء، فهو دليل، على أن الأبنودي، في علاقته بسلطة يوليو، كسر هذه الجدليّة، وبنى لنفسه، مكانًا في منتصف الطريق. بيت يقرّبه من غيطه الفني، وجمهوره، ولا يجعله، في نفس الوقت، مهزومًا من السلطة، ولا ثائرًا عليها.