صلاح جاهين .. «قلبى بالثورة ارتوى»

20/07/2016 - 12:32:48

بقلم : محمود عبد الدايم

«أنا اللي بالأمر المحال اغتــــــــــــوي/ شفت القمر نطيت لفوق في الهـــــوا/ طلته ما طلتوش إيه انا يهمنـــــــــي وليه/ ما دام بالنشوة قلبي ارتوي»


فلسفة لا يمتلكها إلا الشاعر الراحل صلاح جاهين، الذي كتب عنه الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، تحت عنوان «شاعر القمر والنيل» قائلا: عرفت صلاح جاهين منذ تعرفت على صواب قلبي الأول، منذ يممت مع أبناء جيلي شطر الصعود إلى أعالي الأمل، ولم يكن في مقدور ولدٍ مثلي أن يُسلم بأنه يتيم الوطن والهوية ما دامت مصر ذلك الزمان تقدم للعرب هوية روُحِهم، وتقود القوافلَ المشتتةَ إلى شمال البوصلة، عبد الناصر يصوغ مشروع الوعد الكبير، عبد الحليم حافظ ينشد للعمل والموج والصعود، أم كلثوم تشهر شوقنا للسلاح، وصلاح جاهين يسيّس حناجر المغنين، ويؤسس تاريخ الأغنية الجديدة ويحول العملَ إلى ورشة أفراح.


«درويش» قال أيضا: صلاح جاهين يجلس على ضفة النيل تمثالا من ضوء، يعجن أسطورته من اليومي، ولا يتوقف عن الضحك إلا لينكسر. يوزع نفسه في نفوس كثيرة، وينتشر في كل فن ليعثر على الشعر في اللاشعر. صلاح جاهين يأكل نفسه وينمو في كل ظاهرة، ينمو لينفجر.. وخيط رفيع من ضوء القمر في حقل مفتوح، يعج بالقطن والذرة والبؤساء، هو أحد المشاهد التي يُغدقها علينا هذا الغِناء. غناءٌ جديدٌ يحاذي الخبر، كأنه يضع جدول أعمال القلب، غناء كان يأخذنا إلى السفوح ونارِ المعجزة. غناء يحرك الآن فينا حنينا واضحا إلى ما ابتعد في الغموض. غناء يتلمس ما كان فينا من قوة العمل وقوة الأمل. غناء يتطلع إلينا لنعود إليه لنمسك بطرف الغناء السابق.


«من حسن حظ عبد الناصر أنه ولد فى زمن صلاح جاهين..!.. صلاح جاهين هو اللي صنع جمال عبدالناصر بنزوله للشارع المصري وعمل منه هوميروس الثورة المصرية بأشعاره «.. جملة عابرة ألقى بها الشاعر الراحل أحمد فؤاد نجم، متحدثا عن المعادلة الصعبة (الرئيس والمثقف).. لم يكن «نجم» مجاملا عندما أكد أن القدر كان كريما مع الرئيس عندما وضع فى طريقه الشاعر والمثقف والأديب.. ولم يكن «الفاجومى» متجاوزا عندما قال «زمن صلاح جاهين» ولم يشأ قول «زمن عبد الناصر».


(٢)


«احكم يا شعب/ احكم يا شعب/ وخد بنفسك مكانك/ الأمر صعب/ والنهي صعب/ إمسك بيدّك ميزانك/ احكم وقول/ يا بلادي كوني سعيدة/ عيشي في أيام مجيدة/ واحكم يا شعب»


وما بين « درويش و نجم » هناك مئات بل آلاف الكتابات عن «جاهين» الذى كان قد أتم عامه الثانى والعشرين قبل أشهر من قيام ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢، والمثير هنا أن علاقة «جاهين» بـ»يوليو ورجالها»، ينطبق عليها المثل الشعبي الدارج «ما محبة إلا بعد عداوة»، فخلال أزمة ٥٤ التى تحتفظ بتفاصيلها كتب التاريخ، أعلن «جاهين» رفضه للأمر، ليس هذا فحسب لكنه وجه انتقاداته للجميع، لكن ما هى إلا سنوات قليلة وتحديدا فى العام ١٩٥٦، عندما أمم الرئيس الراحل جمال عبد الناصر قناة السويس، وانقلبت «العداوة إلى محبة»، يومها قرر الشاعر أن تكون أشعاره لمصر الثورة.. للجنود.. للعمال .. للفلاحين والحالمين أيضا.


« يا فلاحين يا جنود يا طلبة يا عمال/ عدوكم حلف لاستعمار ورأس المال/ عاش الطريق لشتراكي قوم يا شعب وثور»


«علاقتي بعبدالناصر كانت علاقة مرضية.. أن تحب شخصا لدرجة أن يتغلغل في نفسك ويكون جزءا من تكوينك السيكولوجي ويتحول إلي حالة نفسية عندك.. ويصبح ارتفاع الشخص أو انخفاضه أو انهياره أو انتصاره وهزيمته ينعكس عليك.. فهذه ولا شك حالة مرضية.. إذ لايجب ولا يصح أن يتعلق إنسان بآخر إلي هذه الدرجة.. لذلك بعد أن مات أبويا عبدالناصر, أصبنا بنوع من اليتم».


«اليتم» الذي تحدث عنه «جاهين» لم يستطع إخفاءه، فبعد سنوات قليلة من رحيل «ناصر» كتب «جاهين» فى ذكري ميلاده قصيدة حملت عنوان «رسالة إلى جمال عبد الناصر»، قال فيها: في ذكرى يوم مولدك/ بنؤيدك/ يا أيها المصري العظيم/ وبنوعدك/ مهما غبت/ حنوجدك/ ومهما مت/ مصر ح ترجع/ مرة تانية/ تولدك.


علاقة الراحل صلاح جاهين، بـ «أبوه عبد الناصر»، يري أنها بدأت فى العام ٥٦، والذي كان يصفه دائما بـ»ميلاده الثانى»، حيث قال متحدثا عن هذا العام :» ولدت وكان عندي٢٦ سنة.. عام..١٩٥٦ ففي هذا العام الذي اعتبره عام ميلادي الحقيقي ولدت كبيرا.. فقد أديت أول أشعاري عبر الإذاعة منها احنا الشعب وثوار والله زمان ياسلاحي وياحمام البر وياسايق الغليون، وفي٥٦ أيضا بدأت عملي في صباح الخير كرسام كاريكاتير وفي٥٦ أيضا تزوجت وأنجبت ابني بهاء.. وقبل ذلك وبعد ذلك كانت مصر قد ولدت من جديد بعد أن قهرت العدوان الثلاثي».


(٣)


«فيه كلمه تقدر تزرع البور حور ضليل/ وكلمه تقدر تجعل الكوخ بيت جميل/ وابو العيال والجلابيه الهلاهيل/ فيه كلمه تعطيه مال، وكلمه تِهنْدِمُه»


«جاهين».. على مدار تاريخه كان يدرك جيدا مقدرة الكلمة على التغيير... إدراكه هذا أبعده عن الإصابة بـ«داء الملل»، وهو ما وصفه بقوله:» انفعال الناس بها واعتناقهم لها.. يمكن أن يكون إنجازا.. وإعادة اعتناقهم للكلمة إنجاز كبير بكل المقاييس.. إذن الكلمة ومستوي تقبل الناس لها وتعاطفهم معها كل تلك إنجازات.. حينما كتبت أشهر الأغاني الوطنية في الستينيات لتعبر عن عصر يعتبر بكل المقاييس أبو العصر الذي نعيش فيه الآن.. ذلك العصر الذي أدي بها إلي النكسة.. عصر الملوك الصغار والمتع في القوات المسلحة الذين كانوا يمتلكون البلد لا أستطيع أيضا أن أقول إن الكلمة قد فقدت معناها.. لأنني لا أربط بين عبدالناصر وبين جيشه والطغاة الصغار من حوله.. وكإنسان يقدس عبدالناصر, أتخيله دائما بقلبه الأبيض ومواهبه غير الطبيعية ونواياه الحسنة كل ذلك يضاف إلي حماس الشعب له وحبهم وتعاطفهم معه كنت أعبر عنه بأشعاري, أما من أغرقوا السفينة بجهلهم فتلك صورة أخري ولا أستطيع أن أخلص أي شىء من أدرانه بسهولة. هناك أناس كثيرون استفادوا من عظمة عبدالناصر ومن الولاء الطبيعي السعيد من الشعب ومنهم من استخدموا هذا لفرض آرائهم الشخصية! فكان لابد في ذلك الوقت أن أتغاضي عن هؤلاء الجيران المزعجين.. فكنا نعيش مع عامة الشعب وعبدالناصر في بيت, وعبدالحكيم عامر وصلاح سالم في بيت آخر مجاور لنا.


(٤)


«أنا قلبي مليان حماسة/ لكل شيء حر صادق/ ما ليش كتير في السياسة/ لكن باحب المبادئ»


قرب «جاهين» من «عبد الناصر» كان دافعا لأن يختاره الكاتب الصحفي الراحل، محمد حسنين هيكل، ليكون « المعلق السياسي اليومي للأهرام في فن الكاريكاتير‏»، وهو أمر كشفه بهاء جاهين، الذي كتب تحت عنوان «الأستاذ وصلاح جاهين» قائلا: حين تولي هيكل رئاسة هذه الجريدة في أواخر الخمسينيات أراد أن يجعل منها الجريدة الأولي في مصر‏,‏ بل وفي الشرق الأوسط‏;‏ فاهتم بأن تضم القمم في كل المجالات‏.‏ وفي إطار هذه السياسة استقدم صلاح جاهين من صباح الخير في عام‏١٩٦٢‏ ليكون هو المعلق السياسي اليومي للأهرام في فن الكاريكاتير‏، وبالفعل صار مربع صلاح جاهين بالصفحة الخامسة من معالم الأهرام والصحافة المصرية، هذا المربع أثناء مناقشة الميثاق في مجلس الأمة في الأيام العشرة الأخيرة من شهر مايو١٩٦٢ شهد معركة فكرية بين الشاعر ورسام الكاريكاتير صلاح جاهين والشيخ محمد الغزالي.


ويكمل «بهاء» قائلا: ومع احتدام المعركة التي استغرقت أياما خطب الشيخ الغزالي في تلامذته بالأزهر معلنا غضبه الذي وصل إلي حد إهدار دم ذلك الشاعر والرسام الذي اعتبره متهجما, لا علي شخصه فقط, بل علي الدين الإسلامي، ولكن أتذكر, وأنا طفل في السادسة, في نفس العام, أو بعده بقليل, وكنا نسكن فيلا صغيرة بالإيجار نحتل دورها الأول, بينما جدي وجدتي لأبي يسكنان دورها الأرضي أتذكر أني لمحت في الحديقة الصغيرة لتلك الفيلا رجلا يرتدي سروالا بلديا داخليا أبيض وفانلة بأكمام من نفس اللون عليها صديري بلدي, ومن خصره تتدلي طبنجة ضخمة في جرابها الأسود!.. بدهشة الطفولة اتسعت عيناي, وسألت الكبار فقيل لي إنه الجنايني ولماذا المسدس ؟! فعرفت أنه حارس شخصي( بودي جارد) متخفٍ في زي بستاني!


(٥)


خلي المكنجي يرجع المشهد/ عايز أشوف نفس زمان وأنا شب/ داخل في رهط الثورة متنمرد/ ومش عاجبني لاملك ولا أب/ عايز أشوف من تاني واتذكر/ ليه ضربة من ضرباتي صابت/ وضربة من ضرباتي خابت/ وضربة وقفت بالشريط في وضع ثابت»


النكسة.. نقطة وضعت فى نهاية جملة «ورشة الأفراح».. «جاهين» الذى تغني بـ«الثورة وجمال»، لم يستطع استيعاب «درس الهزيمة»، لم يقو على المرور فوق «جثة النكسة»، والتعبير عن الأيام التى تلتها، صمت.. وصمت طويلا جدا، حتى عندما حاول عبد الحليم حافظ إخراجه من صمته، ودفعه للكتابة لم يكن لـ«جاهين» رغبة فى شيء، وهو ما دفع بعض الأصوات لتشير إلى أنه يشعر بمسئولية أدبية، عن الهزيمة؛ باعتباره قلم الثورة الذي لطالما صال وجال، والشاعر الذي ملأ الدنيا شعرا فى «الثورة وناصر».


«وادينى ماشى لوحدى فى الشارع/ معرفش رايح فين، لكين ماشى/ والليل عليا وع البلد غاشى/ ولقيت فى جيبى قلم/ كتبت بُه غنوة عذاب»