ثرثرة أدبية على دفتر ٢٣ يوليو

20/07/2016 - 12:02:20

تقرير: شيرين صبحى

يعتزل الصحفى والأديب عامر وجدى الحياة السياسية بعد أن وصل الثمانين من عمره، ويقرر الإقامة في بنسيون «ميرامار»، وفي أحد حواراته مع أحد النزلاء يقول:


- نحن مؤمنون بالثورة، ولكن لم يكن ما سبقها فراغا كله.


فقال بعناد مثير:


- بل كان فراغا..


- كان الكورنيش موجودا قبلها، كذلك جامعة الإسكندرية!


- لم يكن الكورنيش للشعب، ولا الجامعة..


في إحدى جلساتهما، قال شيخ الروائيين نجيب محفوظ للكاتب محمد سلماوي إن ثورة يوليو كان لها تأثير بعيد المدي‏,‏ ليس علي المجتمع المصري وحده، وإنما علي المجتمع العربي كله، لهذا أعتبرها أكبر حدث سياسي واجتماعي شهده الوطن العربي في القرن العشرين‏.‏


ورغم هذا صمت محفوظ ست سنوات كاملة لم يكتب خلالها، حتى تشكلت ملامح المجتمع الجديد الذي ولدته الثورة، لكن شيخ الروائيين عالجه بطريقة ناقدة وفي هذا يوضح لسلماوي قائلا: «كان هذا في الستينيات‏,‏ فقد كانت الثورة آنذاك قد بدأ يظهر لها بعض السلبيات التي انعكست علي الحياة السياسية والاجتماعية‏,‏ مثل البعد عن الديمقراطية والاعتماد علي التنظيم السياسي الواحد وهو ما عالجته في رواية ميرامار ثم جاءت هزيمة‏١٩٦٧,‏ وحالة الضياع التي ولدتها‏,‏ وهو ما عالجته في ثرثرة فوق النيل‏,‏ أما رواية الكرنك فقد عالجت فيها تجاوزات جهاز المخابرات»‏.‏


ومن الأعمال المبكرة التي أشارت إلى أحداث مصر مجتمعة تقريبا هي رواية «قشتمر» حيث تبدأ تقريبا في عام ١٩١٥ وتنتهي في نهاية السبعينيات، وترصد عبر هذه المرحلة لثورة سعد زغلول وثورة ١٩٥٢ والتبشير بقدومها والتغني بأمجادها أولا ثم انتقادها، وتستمر الأحداث فيما بعد مع السادات وكامب ديفيد.


قدم محفوظ في روايته “ثرثرة فوق النيل” رفضا واضحا لسلبيات ثورة يوليو حيث يجتمع فيها شخصيات تلتقي فوق سطح النيل على العوامة، وتنتمي إلى وظائف ومهن متعددة ويجتمعون على تناول المخدر والكشف عن فسادهم الوظيفي والمهني، وهنا تشير الرواية إلى أن الفساد الذي كان ينتظر أن تقضي عليه الثورة لم يحدث بل ازداد!


في “اللص والكلاب” نتعرف على شخصية رؤوف علوان الصحفي الذي بدأ حياته بالسرقة وكان سببا رئيسا في انحراف سعيد مهران، وعندما خرج الأخير من السجن فوجئ بأن رؤوف علوان يحتل مكانة مرموقة من خلال عمله في الصحافة ويتاجر بالمبادئ الاشتراكية التي تبنتها الثورة بوصفها تطهيرا.


ومن الأعمال الأخرى لمحفوظ التي تناولت الثورة توجد «ميرامار»، «حكاية بلا بداية ولا نهاية»، «يوم قتل الزعيم»، «الباقي من الزمن ساعة»، و»التنظيم السري».


الحياة فوق الضباب


لم يكن محفوظ استثناءً بين الأدباء، بل تعددت الكتابات التي تناولت ثورة يوليو، فنشطت خلال الفترة الأولى الكتابة التي تنتمي للواقعية الاشتراكية، والتي ترى ضرورة أن يكون الفن خادما للسياسة الوطنية مثل كتابات عبد الرحمن الشرقاوي، وسعد مكاوي، ويوسف إدريس. لكن سرعان ما ظهر اتجاه الواقعية النقدية في النصف الثاني من الخمسينيات، حيث الاهتمام بقضية الحرية التي أصبحت مطلبا عزيزا في مواجهة التنظيم السياسي الواحد “الاتحاد الاشتراكي”.


رصد إحسان عبد القدوس الواقع الاجتماعي بعد الثورة وبخاصة في روايته «الحياة فوق الضباب»، حيث يصور تنامي التيارات السياسية والشيوعية التي زحف مدها في البلاد العربية من الاتحاد السوفيتي واعتناق الشباب لأفكارها والتنازع على السلطة وظهور الإخوان.


رصد إحسان الفترة التاريخية في الخمسينيات والستينيات التي تمزقت فيها طبقة الإقطاعيين وأولاد الذوات، فيحكي عن عائلة الروزنمجي من خلال قصة الشاب منير غانم ابن الطبقة العاملة البسيطة الذي تعرف على كثير من أبناء الذوات وأصبح محاميا وشهد قيام الثورة، لكنه لم يشارك فيها وبالتالي لم يحظَ بمنصب فيها، عاش متفرجا، إلا أنه قبض عليه في مرحلة التصفيات التي قامت بها الثورة وتعرض للتعذيب في السجن، وهكذا لم يحمِه موقفه كمتفرج من الاعتقال والتعذيب، وهو ما يشير إلى مرحلة الظلم التي أعقبت الثورة.


يعترف إحسان عبد القدوس أنه قبل ثورة ٢٣ يوليو لم تكن القصص التي يكتبها تثير الانتباه أو الضجة، فقد كان الانتباه مركزا حول المقالات والحملات السياسية التي كتبها ومهد بها للثورة، ثم بعد أن تمت الثورة واستقر الوضع السياسي بدأت القصص تثير الضجيج حولها أكثر من المقالات والتعليقات السياسية، يقول إحسان «أصبحت أفاجأ بأصحاب شركات الإنتاج السينمائي يترددون علي عارضين وملحنين في إنتاج القصص التي أكتبها والتي سبق أن كتبت ونشرت منذ سنوات».
في العام الأول من الثورة طلب من إحسان أن يصور قصة الثورة في فيلم سينمائي فكتب قصة «الله معنا» عن الضباط الأحرار والأسلحة الفاسدة والملك فاروق والأحزاب القديمة والصحافة والشعب، وكانت الثورة أيامها تجتاز مرحلة التنظيم والاستقرار الداخلي، وتعرضت هذه المرحلة لفترة قلق وتوتر سياسي، وامتلأ الجو حينها بكثير من الإشاعات والتي طالت الفيلم نفسه، مما أدي إلي أن يبقي حبيس الأدراج حوالي ثلاث سنوات، ومما دعا السادات أن يتردد بنفسه عدة مرات علي استديو مصر ليشاهد الفيلم في عرض خاص، ساعياً إلي عرضه علي الجمهور إلي أن كان إحسان يوماً مع الزعيم جمال عبد الناصر وجاءت سيرة «الله معنا» فقرر أن يراه بنفسه، ودهش بعد أن شاهد الفيلم من أسباب وقف عرضه، وأمر بعرضه فورا، حتى إنه حضر بصفته الرسمية عرض الفيلم في سينما «ريفولي».


كتب إحسان عبد القدوس أعمالا مؤيدة للنهج الثوري منها «في بيتنا رجل»، لكنه بعد رحيل عبد الناصر كتب قصصا تنتقد ممارسات الثورة منها «جرحى الثورة» التي تحولت إلى فيلم بعنوان «آه يا ليل يا زمن».


كاهل السباعي وعبء الثورة


أرخ الأديب يوسف السباعي للثورة في العديد من أعماله، ففي عام ١٩٥٤ قدم روايته الشهيرة “رد قلبي”، وكان يعتبر التأريخ للثورة واجبا ولهذا كتب في مقدمة روايته: «أشعر وأنا أقدم هذه القصة براحة من رفع عنه عبئا أثقل كاهله وأنقض ظهره، والذي أوقن به هو أنني أديت واجبا كنت أشعر به يلح على نفسي وألقيت عبئا كنت أحس به يثقل كاهلي»، مهدياً روايته إلى «سلاح الفرسان بخيوله وعرباته ودباباته وجنوده وضباطه وقواده وشهدائه ومحاربيه القدماء» باعتبارها قطعة من حياته وحياة مصر.


وقدم السباعي إنجازات الثورة في العديد من أعماله، فتناول حركة التأميم والتحول الاجتماعي في رواية «نادية» عام ١٩٦٠، ثم معركة السد العالي في رواية «أقوى من الزمن» عام ١٩٦٤، ثم حرب الاستنزاف في رواية «ابتسامة على شفتيه» عام ١٩٧٠ .


إجمالا يمكن القول إن الإبداع المصري تناول ثورة يوليو من ناحيتين؛ الأولى استلهمت المنجزات التي نهضت بها الثورة في آفاق التحرر الوطني والعدل الاجتماعي، بينما شملت الناحية الثانية مواقف نقدية لسياسات الثورة، من جهة غياب الحريات الشخصية والعامة والسياسية، ومن جهة احتكار إدارة البلاد وتهميش القوى الاجتماعية والسياسية المعارضة.


وظهر إنتاج جيل جديد من الروائيين بعد هزيمة ١٩٦٧ وتبدى في بعض هذا الإنتاج موقف نقدي اتسع من السياسات العامة إلى آفاق أوسع ثقافية وفكرية واجتماعية وسياسية، تجلى هذا في أعمال ليحيى الطاهر عبد الله، محمد البساطي، إبراهيم أصلان، جمال الغيطاني، بهاء طاهر، خيري شلبي، سلوى بكر.


انعكست في أعمال عبد الرحمن الشرقاوي «الأرض» ، «الفلاح» ، و»الشوارع الخلفية» التأييد المتحمس للثورة، وأعمال فتحي غانم في «الرجل الذي فقد ظله» يقر ويؤيد وينقد الثورة، لكن هذه الأعمال كانت نتيجة طبيعية لتأثير الكفاح الوطني في العصر الحديث سواء قامت الثورة أم لا.


ما قالته ضحى


«الظلم.. لا يبيد.. ما الحل؟


-أن تحدث ثورة على الظلم؟


نعم تحدث تلك الثورة.. يغضب الناس فيقودهم ثوار يعدون الناس بالعدل وبالعصر الذهبي، ويبدأون كما قال سيد: يقطعون رأس الحية.. ولكن سواء كان هذا الرأس اسمه لويس السادس عشر أو فاروق الأول أو نوري السعيد، فإن جسم الحية، على عكس الشائع، لايموت، يظل هناك، تحت الأرض، يتخفى يلد عشرين رأساً بدلاً من الرأس الذي ضاع، ثم يطلع من جديد. واحد من هذه الرءوس اسمه حماية الثورة من أعدائها، وسواء كان اسم هذا الرأس روبسيير أو بيريا فهو لايقضي، بالضبط، إلا على أصدقاء الثورة . ورأس آخر اسمه الاستقرار، وباسم الاستقرار يجب أن يعود كل شيء كما كان قبل الثورة ذاتها. تلد الحية رأساً جديداً، وسواء كان اسم هذا الرمز نابليون بونابرت أو ستالين، فهو يتوج الظلم من جديد باسم مصلحة الشعب. يصبح لذلك اسم جديد، الضرورة المرحلية.. الظلم المؤقت إلى حين تحقيق رسالة الثورة، وفي هذه الظروف يصبح لطالب العدل اسم جديد يصبح يسارياً أو يمينياً أو كافراً أو عدواً للشعب بحسب الظروف..”


في روايته البديعة «قالت ضحى» التي نشرتها عام ١٩٨٥ يقوم الأديب بهاء طاهر بعمل تقييم لثورة يوليو من خلال قصة حب بين البطلة ضحى والراوي، ليقدم لنا وثيقة اجتماعية وحكاية سياسية عن الثورة.


طاهر من أكبر المدافعين عن ثورة يوليو وعبد الناصر، بل إنه يعتبر نفسه يتيما بعد رحيل الزعيم، في حوار سابق قلت لطاهر إنه أدان ثورة يوليو في رواية «قالت ضحى»، صمت قليلا ثم تساءل: إدانة أم تحليل؟! ليستطرد بعد لحظات: أعتقد الأفضل القول بأنه تحليل. هناك من قال إن الحرب على الثورة حرب ضارية ولابد من احتمال التدابير القاسية لتحمي نفسها.


ورغم حنينه إلى الفترة الليبرالية قبل الثورة، لكن هناك أشياء عندما يتذكرها يحمد الله على قيام الثورة، يذكر مثلا أن الشارع الذي يسكنه كان نصف الناس يمشون به حفاة، وكان هناك مشروع اسمه مكافحة الحفاء. كانت الطبقات المطحونة، مطحونة بشكل حقيقي، والثورة جاءت لترفع من مستوى هذه الطبقات.


يقول طاهر: التاريخ لا يرسمه الأماني ولا النوايا الطيبة بل يرسمه الواقع، عندما تتحقق الظروف المواتية لقيام الديمقراطية، تقوم الديمقراطية، وعندما تؤدي الظروف إلى نوع من القمع، يحدث القمع!