هل يكره الأقباط ثورة يوليو؟

20/07/2016 - 11:44:03

  مع البابا كيرلس السادس .. علاقة مثالية بين الرئيس والكنيسة المصرية مع البابا كيرلس السادس .. علاقة مثالية بين الرئيس والكنيسة المصرية

بقلم: جمال أسعد

قبل الدخول فى هذه الإشكالية لابد من طرح عدة أسئلة لتوضيح مجمل الصورة ولضبط بعض المصطلحات التى يتم ترديدها بشكل ببغائى ودون تحليل أو موضوعية حيث إن هذا يتم فى إطار طرح المصطلحات للرأى العام ومنذ أن يتم رصقها وتتناولها وسائل الإعلام تتحول هذه المصطلحات إلى حقائق يعوزها التحقق لأنها شعارات فارغة وإدعاءات كاذبة. وهنا هل يمكن أن نقول بتعبير الأقباط وفى ظل قضية تاريخية لها آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وما آلت إليه هذه الآثار من تغييرات جذرية فى المجتمع المصرى بل العربى والأقليمى والعالمى فهل الأقباط جميعهم لهم نفس الرؤية والرأى وفات الانحياز أو الرفض لثورة يوليو؟ هل الانحياز والرفض لثورة بما لها أو عليها مثل ثورة يوليو يكون بالحب ولسواد العيون والاعجاب المجرد؟ أم أن الانحياز للمواقف وللأنظمة وللثورات لا يكون بغير النظر لتوافق المصلحة الشخصية والذاتية والخاصة مع هذه الأنظمة وتلك الثورات؟


هل يمكن الحكم على الثورة أو كل الوقائع والأحداث التاريخية بعيداً عن الزمان والمكان والمعطيات السياسية حين ذاك والظروف الموضوعية الداخلية والخارجية أى هل يصلح الحكم على ثورة يوليو ١٩٥٢ بظروف ومعطيات عام ٢٠١٦؟ لا شك أنه من الخطأ الشائع الحديث عن الأقباط كأنهم كتلة واحدة صماء بلا تغيير أو تنوع فى الرؤى بل تناقض أساسى وجذرى فى المصلحة. فهل يتفق فكراً أو عملاً ومصلحة القبطى المعدم الفقير الذى لا يجد قوت يومه ولايشعر بآدميته والذى يعانى من الغلاء والمشاكل الاقتصادية فلا مسكن ولا عمل ولا علاج ملائم ولا تعليم مجد مع القبطى الرأسمالى رجل الأعمال الملياردير الذى يملك المال والسطوة والعزوة؟ هل تتفق مصلحة هذا أو ذاك؟ أم تتناقض المصلحة ولا تلتقى حيث أن كل طرف من حقه أن يسعى إلى تحقيق مصلحته بكل الطرق، فهل مصلحة العامل هى ذات المصلحة مع المالك والرأسمالى؟ وهل مصلحة مالك الأرض تتفق مع مصلحة الأجير الذى يعمل ويفلح الأرض؟ وعلى هذا هل القبطى الذى أستفاد من ثورة يوليو ٥٢ مع نظرائه من المصريين من المحتاجين والفقراء والمهمشين حيث تعلموا مجاناً وتم تعيينهم في وظائف وأعمال وتم علاجهم فى مستشفيات عامة يوجد فيها العلاج والخدمة الطبية، ذهب كل منهم إلى الكلية التى يؤهله لها مجموعة دون وساطة أو محسوبية، وجد قصر الثقافة الذى يمارس فيه هواياته الفنية والموسيقية التى لم يكن له علاقة بها، وجد قانوناً يحدد ساعات العمل ويحدد الحد الأدنى للدخل حماية من جور وتعسف صاحب العمل وجد له معاشاً يقيه شر العوزة فى سنه المتقدمة. وجد السكن الشعبى وجد الكساء بل وجد الحذاء الذي كان محرما على الأغلبية حيث كان منتشراً ما يعرف بظاهرة الحفاء، فهل مصلحة هذا هي مصلحة من تضرر من الثورة وهم الرأسماليون الذين أممت مصانعهم والأقطاعيون الذين صودرت أراضيهم لمن لصالح الأغلبية الغالبة من الشعب المصرى الذى عانى وشاهد كل صنوق الذل على أيدى هؤلاء . فهل موقف هذا المستفيد من ثورة يوليو هو ذات الموقف للمتضرر من الثورة؟ إذن الموقف من الثورة يتحدد من تحقيق المصلحة للفرد والجماعة وللطبقة التى استفادت منها، فإذا كانت الثورة قد أفادت وقد قامت من أجل الأغلبية الشعبية من المصريين مسلمين وأقباط فهم الذين أستفادوا منها أما الذين تضرروا من المصرين المسلمين والأقباط هم الذين يكرهون الثورة التى لم يعدلها وجود الآن ومنذ وفاة عبدالناصر أما تقييم ما تم فى يوليو ١٩٥٢ بمقياس الحاضر الآن في عام ٢٠١٦ فهذا سفه سياسى وجهل فى مناهج البحث العلمى ولكن هذا التداخل وتلك المغالطة هدفها سياسى فى المقام الأول بهدف تشويه ثورة يوليو ٥٢، والتى نحتفل الآن بعيدها الرابع والستين ولذا فبالرغم من أن ثورة يوليو قد تحولت عمليا وعلي أرض الواقع إلى ثورة مضادة بعد وفاة عبدالناصر وعلى يد السادات حيث تم التحول الجذرى الدراماتيكى تبكى الذى أضاع المنهج وأستبدل الأسلوب وأنحاز للرأسمالية وللملاك والمستثمرين على حساب الفقراء والمعدمين كما أستكمل مبارك نفس المنهج بأسلوب الموظف المقلد الذى لا علاقة له بالرؤية والإبداع إذن إذا كانت ثورة يوليو قد انتهت عملياً بالنسبة لجماهيرها والمستفيدين منها فما هى الاشكالية إذن؟ الإشكالية هنا أن ثورة يوليو بمبادئها وشعاراتها وممارساتها مصرياً وعربياً وإقليمياً ودولياً ومواقفها التاريخية تجاه حركات التحرر الثورية على مستوى العالم والنزعة الاستقلالية التى أسستها تجاه الاستعمار بكل أشكاله وبكل أساليبه كل ذلك هو الباقى عبر التاريخ رغم كيد الكائدين ورفض الرافضين، فكل هذا أصبح نبراساً ومنهجاً وطريقاً ثورياً لكل الشعوب المتطلعة للحرية والاستقلال ودليل ذلك وبالرغم من مرور كل هذه السنين على الثورة فمازالت باقية وحاضرة ولا أدل على ذلك هو حضور الثورة ممثلة في عبدالناصر في الميادين خلال هبتى يناير ٢٠١١ ويونيو ٢٠١٣ فهذا هو الهاجس المؤرق لكل من يعادى الثورة تضرراً أو وراثة أو لوثة نفسية أو انتماء للمنهج المقابل أو انتبهاراً بالنموذج الأمريكى أو المصلحة الخاصة التى تتناقض مع منهج ثورة يوليو بالرغم من غيابها ومجرد تواجدها تاريخياً وإلا لماذا كل هذا العداء ليوليو من أمثال ما يسمي بنيوتن الذي لا يخلو مقال له من إلقاء اللوم وتحميل يوليو كل الموبقات والفشل والسلبية. لدرجة أنه قد أصبح لديه هاجس نفسي يلازمه طوال الوقت يجعله يحلم بيوليو ويقوم مفزوعاً من الحلم الذي يري فيه أن يوليو لازالت باقية وتحكم حتي الآن. وفي هذا السياق نجد نجيب ساويرس وأمثاله الذين تضرروا عند تأميم شركة المقاولات التي كان شريكا فيها والده وحتي يشعر أنهم مثل الباشوات والبهاوات قبل ١٩٥٢ الذين أممت شركاتهم وأراضيهم مع العلم أنه الآن قد تجاوز كل باشاوات ما قبل يوليو ولهذا يصبح من الطبيعي أن يرفض يوليو حدثاً ومنهجاً وتاريخاً هو وأمثاله ومن ينحاز له من الأقباط نفسياً وعقائدياً ومصلحياً، والغريب أن كل هؤلاء وبعدم موضوعية وبعيداً عن أي علمية ولكن بالحالة النفسية يعتبرون أن يوليو هي سبب الشقاء والبلاء والمشاكل التي لازالت تعاني منها مصر حتي الآن.


فمشاكل التعليم والصحة والاقتصاد والانهيار الأخلاقي والفساد المستشري كل هذا مازال بسبب ثورة يوليو. أما السؤال الأساسي هل هناك من الأقباط من يعادي ثورة يوليو؟ نعم هناك من الأقباط من يعادي ثورة يوليو. بالرغم من أن أباءهم وأسرهم وعائلاتهم استفادت من الثورة. بل كل الأغلبية من الأقباط من وهم ضمن غير القادرين من المصريين قد أثرت فيهم يوليو ولازالت الآثار قائمة حتي الآن خاصة في فرص التعليم ودخول الجامعات، إذن أين الإشكالية؟ الأجيال الحالية من الأقباط والذين لم يعاصروا يوليو عملياً غير آبائهم وأجدادهم الذين استفادوا من يوليو، فالأجيال الحالية وجدت التطورات العالمية والثورة الاتصالاتية قد أصبحت متاحة ويعيشونها عملياً مع الأخذ في الاعتبار أن هذه الأجيال ونتيجة للهجرة إلى الكنيسة والبعد والابتعاد عن المجتمع قد تشكلت ثقافتهم وتكون وعيهم داخل الكنيسة حتي أننا كثيراً ودائماً ما ننادي بالعودة إلى المجتمع حتي لا تتحول الكنيسة إلى دولة، داخل الدولة بلا صلاحيات حيث لا ولن تكون بديلاً . كما أن الكنيسة وفي تكوينها التاريخي هي كنيسة للأراخنة والنخبة القبطية من أغنياء الأقباط والقادرين منهم طوال تاريخها. حيث إن هؤلاء هم الذين يصرفون علي الكنيسة احتياجاتها ومرتبات رجال الدين وإن كان هذا الأمر قد تغير الآن بعد الانفتاح علي العالم والتمويلات الخارجية والمشروعات الاقتصادية التي تتم الآن في الأديرة والكنائس. ولكن ذات المنهج لازال قائماً. وهو انحياز الكنيسة للقادرين والأغنياء، وعلي هذا القياس ترسخ العقل الجمعي الكنسي أن ثورة يوليو قد أممت أموال وشركات وأراضي الأقباط الذين كانوا أغنى أغنياء مصر فهم الذين كانوا وزراء ورؤساء وهم قيادات الأحزاب، ولذا فيوليو هذه هي التي هدمت هذا الصرح العظيم ولذا بالمجمل فالأقباط قد تضرروا من هذه الثورة بل هناك من العته من يقول إن الثورة قد جاءت بهدف هدم الأقباط. وبالطبع قد تسرب هذا القول المغلوط إلي الجميع حيث تقمص هؤلاء علي المستوي النفسي والتخيلي أنهم هم أبناء هؤلاء الباشوات الذين أممت ثرواتهم وأملاكهم.


وكأن يوليو لم تأمم هؤلاء الأقباط فكان كل الأقباط الآن بغالبيتهم باشوات وبهاوات وملاكاً، ناسيين وغافلين وقاصدين ذلك أن الثورة لم تنظر إلي باشا ومالك مسيحي أو مسلم فكل الملاك مسلمون ومسيحيون قد تم تأميم ممتلكاتهم. أم كان يجب أن يتم هذا علي المسلمين فقط؟ أما الثانية فما هي علاقة القبطي الفقير المحتاج مع الغني والرأسمالي القبطي؟ وهل علاقة ومصلحة الفقير تتفق مع الغني القبطي وتتناقض مع الغني المسلم؟ أم أن المصلحة السياسية والاقتصادية لا علاقة لها هنا بالانتماء الديني. فالفقير المسلم والقبطي كلاهما مصري مصلحتهم واحدة ومصيرهم واحد. كما أن الغني المسلم والقبطي نفس القياس. ولكنها الطائفية اللعنية التي تنسي الإنسان مصلحة. أما الجانب الأخطر والأهم فهو منهج وفكر وانتماء ما يسمون بأقباط المهجر المتآمركين والتابعين للأجندة السياسية الأمريكية، تلك الأجندة المخترقة باسم الصهيونية المسيحية. ذلك الاختراق الذي يبرر للمسيحي الانحياز للفكرة الصهيونية بغطاء مسيحي خاطئ بل يتناقض مع المسيحية ذاتها. هذا الفكر المنحرف الذي يعتبر أن اليهود هم شعب الله المختار ويناصرهم في بناء الهيكل وبالتالي هدم الأقصي وذلك للتعجيل بنزول المسيح. وهنا بالطبع يكون الموقف ضد العرب والعروبة والناصرية والقومية، وضد القضية الفلسطينية بل ضد كل عربي جنساً ولغة. وبالطبع فهذا ليس فكر وقناعة كل الأقباط كما أسلفنا. ولكنهم هم الجماعة المتأمركة التابعة للسياسة الأمريكية هم مع مصلحتهم الذاتية. مع المتاجرة بالأقباط مع الأغنياء الأقباط الذين تضرروا من يوليو ولازالوا يخافون فكرها ومنهجها. ثورة يوليو ستظل أهم الأحداث في العصر الحديث وستظل آثارها باقية ومنهجها مستمراً ستظل هاوية لكل حركات التحرر السياسي والاقتصادي والاجتماعي ستظل هادية الذين تتعارض مصالحهم مع فقراء الشعب ومع الذين لا يرون غير مصالحهم الذاتية، يوليو كانت من أجل المصريين بدون تحديد هوية دينية، كانت مع الفقراء والمحتاجين كانت ثورة حقيقية لازالت تؤرق أمريكا الاستعمارية التي تبدل وتغير من شكل استعمارها لأن يوليو ضد الاستعمار بكل أشكاله، فكل مصري حر ينتمي للوطن ويرفض التبعية ويسعي لتحقيق العدالة الاجتماعية هو نصير لفكر يوليو الذي سيظل مؤثراً وفاعلاً. حمى الله مصر من غير المنتمين إليها.