من عبدالناصر إلى الناصريين : لاتخدموا الإخوان بمواقفكم!

20/07/2016 - 11:42:06

بقلم: عبدالقادر شهيب

هذه المقالة هى رسالة تخيلية من الرئيس الأسبق والزعيم جمال عبدالناصر الذى رفع المصريون صوره فى ٢٥ يناير و٣٠ يونيه و٣ يوليو و٢٦ يوليو وهم يحتشدون فى الشوارع والميادين إلى من يعتبرون أنفسهم أخلص الناس له والذين يحق لهم وحدهم التعبير عن رؤاه ومواقفه ويسمون أنفسهم بالناصريين.


إلى من يطلقون على أنفسهم اسم الناصريين ويحتكرون الحديث باسمى أبعث إليكم برسالتى هذه بعد أن ضقت ذرعا بمواقف لكم لا أقبلها وأرفض أن تنسبوها إلىّ، خاصة تلك المواقف التى تصب فى نهاية المطاف فى مصلحة جماعة فاشية احتكرت الحديث باسم الله واعتبرت نفسها هى جماعة المسلمين الوحيدة وسعت بكل الوسائل للسيطرة على حكم البلاد للأبد والهيمنة على مقدراته لفرض حكم مستبد وفاش على أهله.


لقد صبرت كثيراً وصدرى يملؤه الضيق على عدم الإدراك لديكم بأن عالمنا الآن تغير كثيرا عما كان عليه فى الخمسينات والستينات من القرن الماضى.. لقد تدفقت فى نهر العالم مياه كثيرة غيرت من طبيعة هذا النهر.. لم تعد تركيبة القوى المؤثرة فى العالم الآن هى ذات القوى التى كانت مؤثرة عليه قبل سبعة عقود مضت، عندما كنا نخوض حرب استقلال وطنيا وتنمية اقتصادية مستقلة فى عالم يتسم بالقطبية الثنائية، وظهر فيه دور مؤثر ومهم لكتلة عدم الانحياز.. حيث تحول العالم أولا إلى أحادى القطبية بعد انتهاء الحرب الباردة بانهيار السوفيتى، ثم ها هو يشهد تحولا جديدا تهيأه لكى يصير عالم تعدد الأقطاب سياسيا واقتصاديا وعسكريا أيضا.


كما حدثت ثورة تكنولوجية هائلة فى العالم فرضت على من يعيشون فيه الآن أن يغيروا من وسائلهم وأساليبهم، بل وطريقة إدارتهم للأمور.. حيث لم يعد ممكنا الاعتماد على وسائل وأساليب قديمة، حتى ولو كانت فعالة فى زمانها وكانت مؤثرة وناجحة فيما قبل.. وهذا ما أدركه الإخوان.. فهم من أجل تمكينهم من حكم مصر وعدد من دول المنطقة سعوا إلى مد جسور التفاهم مع تلك القوى العالمية والإقليمية التى وجدت أن الإخوان ستحقق لها مصالحها، كما استخدموا وبتركيز الوسائل التكنولوجية الحديثة، وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعى لنشر وبث سمومهم وأكاذيبهم والتأثير فى الرأى العام المصرى، وتأمين الدعم الإقليمى والدولى لهم حتى بعد أن تمت الإطاحة بهم بعد ٣٠ يونيه فى هبة جماهيرية ساندها الجيش بقوة، وهو الأمر الذى مازال لا تغفره لنا تلك القوى الدولية والإقليمية التى تبغى فرض هيمنتها على بلادنا وتقزيم دورها فى محيطها الإقليمى.


كذلك صبرت كثيرا على أنكم نسيتم كل ما فعله الإخوان معى وضدى رغم أنكم تنسبون أنفسكم لى وتتسمون بالناصريين.. وكم كنت أشعر بالغضب على تعاونكم مع الإخوان فى فترات لاحقة، رغم أن جماعتهم سبق أن حاولت اغتيالى عام ١٩٥٤ بعد أن أخفقت فى فرض وصايتها على حكومة الضباط الأحرار، بل ورغم أن هذه الجماعة هى التى أعادت إحياء التنظيم السرى الخاص بها وكانت تخطط فى الستينيات لتنفيذ عمليات عنف واسعة فى البلاد وتدمير وتخريب كان أبرزها تدمير القناطر الخيرية لإغراق منطقة الدلتا كلها، وهى عمليات لم تختلف عن تلك العمليات التى قام بها الإخوان فى مصر بعد فض اعتصام رابعة، وذلك من أجل أولا استعادة الحكم الذى فقدوه بعد عام واحد، ثم من أجل ثانيا الانتقام من الشعب الذى طردهم من الحكم بعد أن أصابهم البائس من استعادة هذا الحكم.. وأخيرًا من أجل، ثالثا الضغط على الحكم الحالى ليوقف الإجراءات القانونية والقضائية لمحاسبتهم على ما اقترفوه من جرائم فى حق هذا البلد وهذا الشعب، ويقبل بإعادة دمجهم فى العملية السياسية وإعفائهم من العقاب الذى يستحقونه.


وكم كنت أرثى لحالكم وأنتم قبل يناير ٢٠١١ تمدون يد التعاون للإخوان وتنسقون خطواتكم السياسية معهم، مع أن تاريخهم القديم والحديث لا يخفى عليكم وجرائمهم معروفة وبعض قادتهم والمنشقون عليهم اعترفوا بها صراحة، وكأنكم كنتم تكافئونهم على محاولتهم اغتيالى وإلحاق الأذى بذلك الشعب الذى لا تكفون عن ترديد وصفى له بأنه الشعب المعلم.


.. لقد تعاملت مع الإخوان كحلفاء مخلصين، بل وقبلتم أن تسيروا وتتحركوا للأسف تحت قيادتهم، رغم أن الإخوان ليسوا أهل حرية ولا ديمقراطية ولا كرامة إنسانية ولا عدالة اجتماعية.. بل إنهم جماعة فاشية توظف الدين من أجل الهيمنة على البلاد والسيطرة على الحكم فيها، ولا تعترف بالوطنية المصرية، ومرشدها السابق هو الذى قال (طظ فى مصر) ومرشدها الحالى هو الذى وافق على التنازل عن مساحة من سيناء لإقامة شبه دويلة للفلسطينيين عليها.


إنكم للأسف كنتم مع آخرين الذين مكنتم الإخوان من تصدر المشهد الثورى والسياسى فى البلاد خلال السنوات التى سبقت ٢٥ يناير ٢٠١١، حينما قدمتم لهم المساعدة والعون من خلال تعاونكم معهم على غسل سمعتهم السياسية وتنظيف أيديهم من العنف الذى ارتكبوه فى الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضى وكانوا يخططون لتنفيذه فى الستينيات أيضا لولا يقظتنا وإحباطه قبل أن يقوموا به.. إنكم ساهمتم أيضا مع نظام مبارك فى صعود الإخوان سياسيا.. وإذا كان حزب العمل الذى كان اشتراكيا وحزب الوفد الذى كان ليبراليا قد تحالفا انتخابيا مع الإخوان فى الانتخابات البرلمانية فأنتم يا من تسمون أنفسكم ناصريين قد تحالفتم مع الإخوان فى الانتخابات النقابية، وبعضكم لا يستطيع أن ينكر ذلك خاصة فى نقابتى الصحفيين والمهندسين.


ولقد زاد رثائى لكم أكثر بعد يناير ٢٠١١ حينما تعاونتم بقوة مع الإخوان.. بل إن منكم من ترشح على قوائم الإخوان، والتى قالوا إنها قوائم تحالف بين قوى مختلفة رغم أن غالبيتها كانت إخوانية خالصة، والباقى لمن قبل أن يسايرهم ويسير فى ركابهم ويتعاون معهم.. لقد كان الإخوان يخططون للاستيلاء على مصر بالكامل والسيطرة عليها كلها، وليس على الحكم فقط فيها، ومع ذلك تعاونتم وتحالفتم معهم، وبذلك أسهمتم فى تغولهم كما حدث بعد أن وصلوا للحكم ثم بعد أن طردوا منه،.. ولو كنتم ناصريين حقا ما فعلتم ذلك.. نعم لقد تغير العالم اقتصاديا وسياسيا وتكنولوجيا، وبالتالى لم يعد مناسبا اجترار ذات الأساليب والوسائل القديمة حتى ولو كانت ناجحة وقتها، ولكن الإخوان على مدى تاريخهم الذى تجاوز الثمانية عقود منذ أنشأ جماعتهم حسن البنا لم يتغيروا وحافظوا دوما على الطابع الفاشى لتلك الجماعة.. وهذا ما غاب عن فطنتكم، ولذلك قبلتم بل سارعتم لمد يد التعاون لهم والتحالف معهم سواء فى الانتخابات البرلمانية التى شهدتها البلاد فى أواخر عام ٢٠١١، أو الانتخابات الرئاسية التى أجريت فى العام التالى (٢٠١٢)، بل وحتى فى بدايات إعداد الدستور الذى احتكر صياغته الإخوان وحلفاؤهم.


وقد حاولت أن أجد لكم عذرا فى أن المرحلة التى عاشتها البلاد هى من المراحل التى تغيم فيها عن البعض الرؤية الصحيحة، وبالتالى تفارقه المواقف السليمة والصحيحة.. لكننى اليوم لا أجد لكم أو بالأصح لبعضكم أى عذر فى انتهاج مواقف تقضى فى نهاية المطاف لمصلحة الإخوان وحلفائهم الذين يخططون لتقويض كيان الدولة المصرية وطمس الهوية الوطنية المصرية.. فإذا كنتم قد نسيتم ما فعله الإخوان فى الخمسينيات والستينيات، وقبلها فى الأربعينيات من القرن الماضى فكيف بالله العظيم تنسون سريعا ما فعلوه بالشعب المصرى وبكم أيضا خلال السنة التى اعتلوا فيها حكم مصر، ثم ما اقترفوه من جرائم عنف وإرهاب بعد أن تم طردهم بقرار شعبى من هذا الحكم فى الثالث من يوليو ٢٠١٣؟


أنا لا أنكر عليكم حقكم فى انتقاد ما ترونه يستحق الانتقاد من قرارات ومواقف وسياسات الحكم الحالى الذى تمخضت عنه ٣٠ يونيو.. فهذا ليس حقكم وحدكم، وإنما هو حق لكل فرد من أفراد هذا الشعب.. وأنا كنت أنصت باهتمام خاصة بعد هزيمة يونيه ١٩٦٧ لكل الانتقادات، ولعلكم تتذكرون أننى أصدرت بيان ٣٠ مارس بعد مظاهرات الطلاب فى فبراير ١٩٦٨ استجابة لمطالبهم التى عبروا عنها فى شعاراتهم خلال هذه المظاهرات، وأشركت أيضا مجددا شخصيات متنوعة فى الحكومة، بل لعلى فاجأت كثيرين بقبولى مبادرة روجرز فى وقت كان نائبى أنور السادات وقتها لا يتصور منى ذلك.


ولكن حذار أن تصطفوا مع الإخوان مجددا أو تتصرفوا تصرفا يخدمهم ويصب فى مصلحتهم مرة أخرى.. لا تنخدعوا بما يقوله بعض الإخوان أوحلفاؤهم مرة أخرى.. يكفيكم أنهم خدعوكم عدة مرات من قبل.. قبل ٢٠١١ وبعدها.. ولا تسهموا بمواقف خاطئة واختيارات غير صائبة فى تسهيل مهمة من يستهدفون تقويض كيان دولتنا الوطنية من خلال إضعاف قواتنا المسلحة أو تعطيل النهوض باقتصادنا أو بإثارة الشكوك والقلق فى نفوس الناس.. ولتذكروا بمن تنتسبون إلى أنكم إذا حدث ذلك سوف تدفعون مثل غيركم الثمن باهظا!