استهداف قاتل من اللحظات الأولى ثورة يوليو والإرهاب

20/07/2016 - 11:18:30

بقلم: خالد عكاشة مدير المركز الوطنى للدراسات الأمنية

لم تكد ثورة يوليو ١٩٥٢م تعلن عن نجاحها وتتلقى التأييد من جموع الرأى العام المصرى والعربى ويتشكل لها ظهير جماهيرى عريض، حيث عدت فى هذا التاريخ معبرا عن تشكيل جديد لقضية التحرر الوطنى وامتلاك الدولة المصرية لمقدراتها بالصورة التى تلبى طموحات شعبها والأشقاء فى مختلف الدول العربية، فقد كانت جميع تلك الشعوب ما زالت تعانى بشدة من مأساة الهزيمة العسكرية لجيوشها فى حرب فلسطين ١٩٤٨م، وشكلت هذه المأساة التى أنتجت سقوط فلسطين وإعلان قيام دولة إسرائيل على أراضٍ عربية الوقود الحيوى الأهم لثورة يوليو بعد ٤ أعوام من النكبة، وهى قد خرجت من هذا الرحم دون شك بالعدد الكبير من الضباط الأحرار، الذين ساهموا بالأدوار الرئيسية والفاعلة فيها وهذا دلل فى حينه على مسببات الترحيب الشعبى العربى الكبير بالثورة المصرية، لكن هذا الزخم من التأييد الداخلى والإقليمى لم يكن ليمر من دون استهدافات خطيرة ومحاولات عديدة للإجهاض، خاصة فى المراحل الأولية للثورة،


وربما امتد لسنوات بعدها طالت بقدر استهداف المشروع المصرى برمته، لكن ظل استهداف الفصول والسنوات الأولى هو الأخطر فقد كانت مراهنته تدور حول إفشال المشروع الثورى واستغلال فترة ترتيب الأوراق وتثبيت الأقدام، كى تكون الضربات مؤثرة بالشكل الذى قد ينقل الأوضاع إلى حالة فوضوية، لاسيما وقد ضربت دولا مماثلة حينئذ فى أعقاب ثورات فاشلة أو صراع على السلطة، الاستهداف الداخلى كان عنوانه الأشهر وقتها «تنظيم الإخوان المسلمين» وخاض ضد نظام يوليو جولات ربما امتدت إلى العام ١٩٦٥م وما بعدها، لكن ما نود الوقوف عنده اليوم هو المخطط الخارجى للعدو الأبرز «إسرائيل» فهى من التقط إشارة الخطر مبكرا فيما لو استقرت ثورة يوليو وبدأت فى تشكيل برنامجها التحررى الوطني، خاصة وهذا التوقيت لم يكن قد مر على حرب فلسطين وتأسيس إسرائيل سوى أعوام قليلة لذلك نظرت إلى مشروع يوليو المصرى بأنه المهدد الأول لكيانها برمته، ورصد فى هذا التوقيت المبكر قلقا إسرائيليا عميقا من مساحة الترحيب الدولى الذى كانت الثورة المصرية تتمدد فيه بسرعة لافتة وتنجز مفاوضات إجلاء الاحتلال البريطانى بنفس تلك السرعة المقلقة للجانب الإسرائيلي، الذى لم يجد سوى النزول إلى ساحة العمل الإرهابى والاستخباراتى فى محاولة لقطع الطريق على ثورة يوليو بأى وسيلة ممكنة.


السبيل الذى اعتمدته إسرائيل بدأ مبكرا كما أشرنا، حيث ترجع وقائعه حينما كانت مصر تتهيأ للاستقلال الكامل عن بريطانيا كأول منجزات ثورة يوليو، عبر مفاوضات الجلاء التى كان بموجبها ستنسحب القوات البريطانية من منطقة قناة السويس فى الوقت الذى تتطور فيه علاقات مصر بالولايات المتحدة، حيث اعتبر الرئيس الأمريكى «دوايت إيزنهاور» أن تدعيم العلاقات مع مصر هو الجسر الأهم لميراث نفوذ الإمبراطوريات القديمة بريطانيا وفرنسا، هذا الرئيس الأمريكى القوى بخلفيته العسكرية كأشهر قيادات الحرب العالمية الثانية حدد أن تلك المعادلة الجديدة يجب لها أن تستمر حتى ولو خصما ما لإسرائيل لدى أمريكا، وقد فهمت إسرائيل المعادلات الأمريكية الجديدة جيدا واستشعرت خطورتها البالغة عليها وعلى دولتها الوليدة، ولهذا جاء تحركها عبر خطة وضعتها المخابرات العسكرية للجيش الإسرائيلى للإضرار بالمصالح البريطانية والأمريكية بداية لزعزعة الأمن المصرى ودفع بريطانيا للعدول عن سحب قواتها من مصر، فضلا عن خلق توتر وعدم ثقة ما بين مصر والولايات المتحدة، وعلى خلفية تلك الأهداف تم تجنيد مجموعة من الشباب اليهود المقيمين فى مصر حيث رتبت الخطة القيام بعملية تفجيرات لدور السينما والمنشآت الخاصة بالمصالح البريطانية والأمريكية فى القاهرة والإسكندرية، وللتنفيذ والإشراف على هذه الخطة أسس «بنجاس لافون، وزير الدفاع الاسرائيلي» المجموعة «١٣١» برئاسة المقدم/ مردخاى بن تسور الذى كلف بدوره الرائد/ إبراهام دار بالسفر إلى مصر على الفور، وفى نهاية ١٩٥٣م نجح إبراهام فى دخول مصر بجواز سفر لرجل أعمال بريطانى كساتر يتحرك خلفه تحت اسم»جون دارلينج».


لم تمضِ سوى أسابيع قليلة على استقرار الضابط الإسرائيلى فى القاهرة حتى وصلت له أوامر بالبدء فى تنفيذ الخطة الموضوعة سلفا بإسرائيل، ففى ٢ يوليو ١٩٥٤م وقع انفجار فى (مبنى البريد الرئيسى بالإسكندرية) عثر فريق التحقيق المصرى على مجموعة من الأدلة، تمثلت فى علبة أسطوانية الشكل لنوع شائع من المنظفات حينها كما وجد بمكان الحادث حافظة لنظارة طبية تحمل اسم محل شهير بالإسكندرية، وتبين بالفحص الفنى لمسرح الجريمة أن العلبة المشار إليها كانت تحوى مواد كيميائية وقطعا من الفسفور الأحمر، أعقب تلك العملية فى ١٤ يوليو حدوث انفجار ثانٍ فى (المركز الثقافى الأمريكى بالإسكندرية) وفى الوقت الذى كان الأمن المصرى يفحص مكان الحادث هز انفجار آخر (المركز الثقافى الأمريكى بالقاهرة)، وكان الأمن المصرى يحاول أن يفكك غموض تلك الحوادث خاصة مع ظهور نفس المواد الكيميائية فى مواقع التفجيرات الثلاثة، ليأتى يوم ٢٣ يوليو ذكرى قيام الثورة يحمل انفراجة أولية لتلك الحوادث المتعاقبة ذات الأهداف المريبة خاصة مع مواقع استهدافها المشار إليها، ففى ذكرى الثورة المصرية كان المخطط أن تقوم مجموعة «دارلينج» بوضع كميات مختلفة من المتفجرات فى عدد من المرافق العامة بينها «محطة السكك الحديد الرئيسية، ومسرح ريفولى بالقاهرة» و»سينما مترو، وريو بالإسكندرية”، كانت المفاجأة من نصيب الشخص المكلف بالتنفيذ فى سينما ريو عندما فوجئ رواد السينما والمارة أمامها باشتعال النيران فجأة فى جيب أحد الأشخاص وامتدادها بصورة سريعة إلى ملابسه، وفى الوقت الذى هرع الجميع لمساعدته على إطفائها ظنا منهم أنها محاولة انتحار ساور الشك أحد ضباط الشرطة المكلفين بالحراسة فى تلك المنطقة أمام دور العرض السينمائى التى تشهد عادة ازدحاما كثيفا خاصة فى المناسبات، فاصطحب الرجل سريعا إلى المستشفى بعد إصابته بحروق مؤثرة وأبلغ وزارة الداخلية على الفور بتلك الملابسات الغريبة التى أثارت شكوكه، وفى المستشفى خضع هذا الشخص لفحص طبى دقيق أفاد بأن جسم الشخص المحترق به آثار لمادة غريبة يرجح أنها مادة كيميائية وأن الاشتعال قد نتج عن تفاعل مبكر لهذه المادة، وقام ضابط الشرطة بتفتيش دقيق لكافة متعلقات الشخص لتكتمل الصورة بعد العثور على حافظة نظارة مشابهة لما تم العثور عليه فى الحوادث السابقة وبها مكونات لقنبلة أخرى معدة للتفجير !


أمام أجهزة التحقيق المصرية اعترف المتهم «فيليب ناتاسون» البالغ من العمر ٢١ عاما ويعتنق الديانة اليهودية بعضويته فى منظمة إرهابية هى المسئولة عن التفجيرات الغامضة، وعثرت أجهزة الأمن فى منزل المذكور حينئذ على معمل صغير لتركيب العبوات الناسفة والحارقة وبعض الأوانى التى بها نفس المادة المضبوطة فى العملية الأخيرة وما سبقها من حوادث، فضلا عن وجود بعض القنابل الحارقة المجهزة للاستخدام، فضلا عن أوراق تشرح وتبين كيفية صناعة تلك العبوات ومقادير المواد الكيميائية اللازمة لها، واعترف فيليب على شخصين آخرين تشاركا معه فى تنفيذ العمليات السابق الإشارة إليها وهما عضوان بنفس الخلية الإرهابية، الأول «فيكتور موين ليفي، يهودى مصري، ٢١ عاما ويعمل مهندسا زراعيا” والثانى “روبير نسيم داسا، يهودى مصري، ٢٤ عاما ويعمل بالتجارة”، بعد إلقاء الأمن المصرى القبض عليهما حاول الثلاثة بداية ـ كما تم تلقينهم من تدريب مسبق ـ الادعاء بأنهم يرغبون فى المساهمة فى القضية الوطنية المصرية، وذلك عن طريق استهداف المصالح البريطانية والأمريكية لإجبارهما على الخروج من مصر بالقوة، لكن تقرير المعمل الجنائى بالقضية حمل لهم مفاجأة قاسية أخرى، حيث تم العثور بمقار إقامتهم على شرائح دقيقة لميكروفيلم مخبأ بصورة محكمة، فضلا عن أن تلك الشرائح لا تستخدم سوى فى الأنشطة الاستخباراتية، ولا يمكن الحصول عليها إلا فى حال اتصال وعمل هؤلاء لصالح أحد أجهزة الاستخبارات لدولة بعينها، ومن ثم بدأت القضية تأخذ أبعادا أخرى لا تقتصر فقط على العمل التخريبى والارهابي، إنما تتعلق بأنشطة تجسس تمس الأمن القومى للبلاد.


كثفت الأجهزة الأمنية المصرية من عملها للوصول إلى أطراف الخلية كاملة بعد التيقن من التعاون بينها وبين الاستخبارات الإسرائيلية، وفى غضون أسابيع محدودة تم القبض على «صمويل باخور عازر، ٢٤ عاما وهو مؤسس خلية الإسكندرية” وتولى قيادة الخلية لفترة قبل أن يتنازل عنها لـ “فيكتور ليفي” الذى تلقى تدريبا استخباراتيا بإسرائيل وكلف من قبلها بقيادة المجموعة فور عودته لمصر، وأيضا “مائير موحاس، يهودى بولندى ٢٢ عاما ويعمل مندوب مبيعات”، وكان أهم وأخطر اعترافات موحاس هو إشارته إلى المدعو «جون دارلينج/ إبراهام دار» بكونه هو قائد شبكة التجسس والخلايا الإرهابية بالقاهرة والإسكندرية وهو ضابط إسرائيلى رغم حمله لجواز سفر بريطانى الجنسية، وقد فر مغادرا البلاد سريعا فى نفس يوم القبض على فيليب الذى اشتعلت به النيران أمام سينما ريو بالإسكندرية، وأعقب ذلك القبض على «موسى ليتو، طبيب جراح ومسئول عن فرع القاهرة» وبعده سقطت «فيكتورين نينو، الشهيرة بمارسيل»، وعن طريق الأخيرين وصل الأمن لكل من «ماكس بينت، وإيلى جاكوب، ويوسف زعفران، وسيزار يوسف كوهين» ليقدم الجميع للمحاكمة بتهم متعددة، ففضلا عن العمليات الإرهابية التى قام هذا التنظيم بتنفيذها فعليا فى كل من القاهرة والإسكندرية، وجهت لهم تهمة تشكيل تنظيم للتجسس لصالح دولة إسرائيل حيث صدر قرار الاتهام من النيابة العامة المصرية بأدوارهم فيه كالآتي:


إبراهام دار «جون دارلينج» ـ ضابط بالمخابرات الإسرائيلية ـ هارب ـ مؤسس التنظيم.


بول فرانك ـ هارب ـ المشرف على التنظيم.


ماكس بينت ـ حلقة الاتصال بين الداخل والخارج.


صمويل عازر ـ مدرس بهندسة الإسكندرية ـ مسئول خلية الإسكندرية فى البداية.


فيكتور مويز ليفى مسئول خلية الإسكندرية عند القبض عليه .


د. موسى ليتو مرزوق ـ طبيب بالمستشفى الإسرائيلى بالقاهرة ـ مسئول خلية القاهرة.


فيكتورين نينو ـ وشهرتها «مارسيل» ـ مسئولة الاتصال بين خلايا التنظيم.


مائير موحاس ـ مسئول التمويل بخلية الإسكندرية.


فيليب هرمان ناتاسون ـ عضو.


روبير نسيم داسا ـ عضو.


إيلى جاكوب نعيم ـ عضو.


يوسف زعفران ـ عضو.


سيزار يوسف كوهين ـ عضو.


فى أعقاب سقوط شبكة التجسس والإرهاب فى مصر والإعلان عنها وما صاحبها من دوى عالمى كبير أصدر «موشى دايان، رئيس الأركان» حينئذ، قرارا بعزل «مردخاى بن تسور» من قيادة «الوحدة ١٣١» وعيَّن بدلا منه «يوسى هارون»، وعندما ظهر بأن «موشى شاريت، رئيس الوزراء الإسرائيلى» حينئذ لم يكن على علم بالعملية كان لابد من البحث عن كبش فداء ليتحمل المسئولية، ووقتها وجهت الاتهامات مباشرة إلى «بنحاس لافون، وزير الدفاع» الذى أنكر بدوره معرفته بتلك العملية ولم يصدر تكليفات للقيام بهذه الأنشطة داخل مصر، وتم التحقيق معه فى إسرائيل لكنه لم يفضِ إلى جديد سوى أنه أطيح به من منصبه لتحمل لتلك العملية اسما كوديا شهيرا «فضيحة لافون»، رغم أن اسم العملية الاستخباراتى المعتمد بأوراق المخابرات الاسرائيلية حينها كان هو «العملية سوزانا» !


قدم أعضاء الشبكة للمحاكمة فى ١١ ديسمبر ١٩٥٤م وصدرت بحقهم أحكام قضائية تراوحت ما بين الإعدام والسجن لعشر سنوات، ولم يخضع نظام ثورة يوليو حينها لكافة الضغوط الكبيرة التى مورست عليه للإفراج عن أعضاء الشبكة لأسباب إنسانية، للدرجة التى تلقى فيها الرئيس جمال عبد الناصر رسائل من كل الرئيس الأمريكى ورئيس الوزراء البريطانى ترجوه بالإفراج عن المذكورين والعفو عنهم، رغم أن منشآت دولهما كانا محل استهداف المجموعة الإرهابية، نصت الأحكام على الإعدام شنقا لموسى ليتو مرزوق وصمويل عازر ونفذ الحكم فى يناير ١٩٥٥م، والأشغال الشاقة المؤبدة لكل من فيكتور ليفى وفيليب هرمان ناتاسون ولمدة ١٥ عاما بحق كل من فيكتورين نينو وروبير نسيم، وبالأشغال الشاقة لمدة ٧ سنوات لكل من مائير يوسف زعفران ومائير ميوحاس وببراءة كل من إيلى جاكوب وسيزار يوسف كوهين، ولم يصدر حكم بحق ماكس بينيت لأنه كان قد انتحر بالسجن وسلمت جثته لإسرائيل بعد ذلك بأعوام، وفى بداية عام ١٩٦٨م تم الإفراج عن السجناء فى صفقة تبادل للأسرى مع الجانب الإسرائيلى وتم استقبالهم فى إسرائيل بحفاوة بالغة، للدرجة التى دفعت كلا من موشى دايان وجولدا مائير لحضور حفل زفاف فيكتورين نينو وعين الجميع بوظائف إدارية بالجيش الإسرائيلى كنوع من التكريم لهم، فضلا عن منحهم العديد من أوسمة التكريم لما قاموا به من مهام لصالح دولة إسرائيل.


هذه كانت قصة الشبكة الإرهابية والتى قامت بأعمال تخريب وترويع للأمن المصرى فى هذا التاريخ المبكر من عمر ثورة يوليو، بغرض محاولة إفساد علاقاتها الدولية حينذاك بدول مهمة على المستوى الدولى وإحداهما دولة احتلال كانت مصر ممثلة فى قيادات ثورة يوليو تخوض معها غمار مباحثات للجلاء، حيث كان يشكل هذا الهدف الرئيسى الأول من قيام الثورة المصرية بغرض تحرير الأرض والوطن المصرى واستعادة حكم مصر بالمصريين، ولم تزل إسرائيل منذ هذا التاريخ المبكر وبعده تبذل كافة أنواع الجهود لمحاصرة جهود تقدم الدولة المصرية فى قضية التحرر الوطني، مما شهد العديد من الفصول الأخرى التى مثلت عناوين للصراع المصرى الإسرائيلى فى أعوام ١٩٥٦ و١٩٦٧ و١٩٧٣م خاض فيها الجيش المصرى حروبا ضروس للدفاع عن الأرض والأمن لمصر وللمصريين.