خالد محيى الدين .. عندما قال لا لمبارك والسادات

20/07/2016 - 10:57:58

  إيمان رسلان إيمان رسلان

بقلم: إيمان رسلان

فى عام ٢٠٠٥ أعلن الرئيس الأسبق حسنى مبارك قراره بأن يتم تعديل الدستور ليصبح منصب رئيس الجمهورية عن طريق الانتخاب المباشر، ولأنه كما يقول المثل “الحداية لا ترمى كتاكيت” بدأت الجوقة فى العزف على مقولة ضرورة ترشيح الرئيس المخلوع، لأنها ستكون المرة الأولى بالانتخاب، مع أنه كان يحكم مصر بالاستفتاء “الذى لا يذهب إليه أحد” طوال ما يقرب من ٢٤ عاماً.


وفى هذا الوقت بدأت المقطوعة الموسيقية فى وضع شروط الترشح، وطبعاً كانت شروطاً مانعة ودخول الجنة أسهل منها، ولكن كانت التمثيلية لابد وأن تكتمل فأخذوا يبحثون عن أسماء قوية للترشح أمام مبارك، خاصة أن فى هذا الوقت تردد اسم أيمن نور ود. نعمان جمعة باعتبار أن التعديلات الدستورية تسمح لرؤساء الأحزاب أو الأحزاب بترشيح ممثلين لها، ولكن حتى هذه الأسماء لم تقنعهم فأخذوا يبحثون عن اسم قوى وبدأ يتردد اسم الأستاذ المناضل خالد محيى الدين رئيس حزب التجمع والرمز الأكبر لليسار المصرى وعضو مجلس قيادة لثورة ٢٣ يوليو .١٩٥٢


وفى هذا السياق قرر الأستاذ مكرم محمد أحمد وكان مازال فى منصبه كرئيس تحرير مجلة المصور استضافة الأستاذ خالد فى حوار الأسبوع.. وللحقيقة حضر زملاء كثيرون للندوة احتراماً لمقام خالد محيى الدين والمجلة ودارت أغلب الأسئلة على ما أتذكر حول خطوة مبارك وتعديل الدستور ومبدأ انتخاب الرئيس، وبالتأكيد كانت كل هذه الخطوات تتويجاً لحركة نضال من النخبة والقوى السياسية المصرية، والتى كانت قد بدأت تعرب عن غضبها بشعار «كفاية» الشهير لا للتمديد لا للتوريث.


وكانت الأسئلة أغلبها يدور حول ذلك وبطريقة أو أخرى كانت للضغوط على أستاذ خالد للترشح أمام مبارك على اعتبار أنها فرصة لتكريس نظام الانتخاب وفى نفس الوقت عرض برنامج اليسار للحقيقة جلست طوال الندوة فى حالة قلق بالغ وتوتر؛ خوفاً من مزيد من الضغوط على المناضل وصاحب التاريخ المشرق خالد محيى الدين، ولكن هيهات أن تسفر الأسئلة عن استنطاق كلمة واحدة من الأستاذ خالد، حتى إنه يفكر وأتذكر أنه لسبب أو آخر قام الأستاذ مكرم من مكانه ليخرج خارج القاعة لدقائق قليلة انتهزت الفرصة وذهبت إلى الأستاذ خالد لأهمس فى أذنه بكلمة واحدة “لا توافق” على وزن لا تصالح، فنظر إلى مبتسماً وقال اطمئنى أولاً عن قناعة بعدم الترشح وثانياً أنه كان يرى أنه وصل إلى سن لا تسمح بالتنقل كثيراً والذى تحتاجه المعركة الانتخابية وثالثاً لأن حزب التجمع كان موقفه فى الاستفتاءات السابقة هى التصويت بـ“لا” لمبارك فما الذى تغير، انتهت الندوة ولم يرحب الأستاذ خالد بالعرض وأغلق الباب نهائياً وعلى أبواب المؤسسة ذهبت معه لأودعه حتى السيارة، وأذكر أنى قلت له أياً كانت الضغوط فى الأيام القادمة “لا تلين” وارفض فضحك ضحكته الشهيرة وقال مرة أخرى بحسم لا تقلقوا، ولكن الرسالة بعدها جاءت بقوة فى انتخابات مجلس الشعب عن دائرة كفر شكر أمام مرشح الإخوان المسلمين رغم أنه ابن اخيه الدكتور محمود محيى الدين والوزير بعد ذلك كان رئيس الحملة.


هكذا كان الأستاذ خالد محيى الدين حاسماً فى اختياراته ومواقفه عبر تاريخه منذ أن بدأ العمل السياسى مبكراً فى حياته وانضم إلى الضباط الأحرار وأسس مع زميله أو صديقه جمال عبدالناصر التنظيم والإعداد للثورة، وأذكر أنه كتب ذلك فى الجزء الأول من مذكراته، وأعتقد أن الرئيس عبدالناصر حينما سمى ابنه البكر خالد كان اعتزازاً بعلاقته مع خالد محيى الدين.


ورغم أننى انضممت لحزب التجمع وكثيراً ما رأيت الأستاذ خالد وسمعت منه وحضرت اجتماعات برئاسته، إلا أننى لا أذكر أننى تكلمت معه شخصياً إلا فى مرات قليلة للغاية بجانب الندوة التى عقدت بمجلة المصور رغم أنه يعرفنى من خلال عضوية الحزب والشباب، ولكن كانت له هيبة وحب فى قلوب الجميع، وقبل هذا وذلك احترام شديد نخشى منه أن نقترب كثيراً.. أكثر مما ينبغى


وأذكر أنه فى تلك الأيام كان قد اتخذ قراره التاريخى بألا يترشح أيضاً لمنصب رئيس حزب التجمع، وقال إنه اكتفى بالعمل اليومى المباشر وأنه يحاول أن يرسل رسالة أنه لابد من تداول السلطة وظهور أسماء جديدة، وأعتقد أن تلك الرسالة وصلت للجميع بما فيها سلطة حسنى مبارك، وأذكر أن التصفيق والهتاف له استمر دقائق طويلة ودمعت عين الجميع حينما أعلن هذا القرار قبيل انتخابات الحزب التى جرت فى العقد الماضى، ولكن مازال الأستاذ خالد وسيظل الرئيس الشرفى لحزب التجمع لأن ما سطره خالد محيى الدين فى تاريخ مصر الحديث عقب ثورة يوليو، وتحديداً فى دفاعه عن الديمقراطية وعن فقراء مصر وعن العدالة الاجتماعية.. رغم أنه ابن لأسرة لا تنتمى إلى الفقراء، ولكنه كان اختياره للدفاع عن الغالبية من شعب مصر الذى رغم مرور أكثر من ٦٠ عاماً على ثورة يوليو ١٩٥٢ وأحد أبطالها خالد محيى الدين مازال يبحث عن العدالة الاجتماعية وعن تحقيق الديمقراطية أحد البنود الستة التى قامت على تأسيسها ثورة يوليو.


فتحيتة لخالد محيى الدين فى ذكرى ثورة يوليو عبر كفاحه فى الدفاع عن حقوق المصريين، سواء مع زميله عبدالناصر أو ضد زميله الثانى أنور السادات أو ضد حسنى مبارك، وليس غريباً أنه عندما تقوم ثورة ٢٥ يناير٢٠١١ يكون أول قراراتها تكريم خالد محيى الدين وإعطاءه قلادة النيل التى ضنت بها عليه الأنظمة التى قال لها لا.