عاشق الصورة.. والحرية

20/07/2016 - 10:41:44

بقلم : سامى الجزار

الخلود.. هو ما يتمناه الإنسان، وهو بالضرورة خلود معنوى، وقليل منا من يفطن لذلك ويسعى إليه بل وينجح أيضا.. فمنذ أقدم العصور سعى الإنسان إلى حفظ صور حياته، فبدأ بالرسم في الكهوف ثم الرسم على الجدران ثم بورتريهات من الشمع... الخ. حتى توصل لأول صورة فوتوغرافية حقيقية عام ١٨٢٦ ثم توالى التطور حتى وصلنا لما نحن عليه الآن، ولكن وحتى بلوغنا تلك اللحظة كان فى أوائل الخمسينيات رجل يهوى حمل الكاميرا ليسجل ويرصد حياته لنا دون أن يعى أنه يخلد نفسه بالصوت والصورة، إنه خالد الذكر الرئيس الأسبق جمال حسين عبد الناصر


، الزعيم الذى بصيحته المدوية التى انطلقت فى الثالث والعشرين من يوليو عام ١٩٢٣ ليسمعها ويعيها القاصى والدانى ليس فى وطننا مصر بل فى العالم العربى كله ليتحرر من نير الاستعمار وليتكاتف معه العالم الحر فيما بعد.. إنها صيحة الحرية.. إنها «ارفع رأسك يا أخى فقد مضى عهد الاستعباد» إنها صيحة الكرامة التى رسخت واستقرت فى قلوب المصريين حتى يومنا هذا، إنها صيحة العزة التى بها جاءت بعد ثورته على الظلم والفساد ثورتان هما ٢٥ يناير و٣٠ يونيه تكملة لما بدأه الزعيم الناصر ولترفع صورته فى ميادين المحروسة التى حكمها ولم يتحكم بها لحبه لها وحبه لفقرائها الذين دائما ما اعتزوا بصورته التى سعى لتخليدها بكاميرته التى حملها معه اينما حلّ، وبالضرورة أن الشعب لم يخذله واحتفظ بصورته وصيحته في القلب منه حتى جاء الميعاد الموعود وخروج الشعب من قمقمه يعلن عن غضبته ممن كانوا جاثمين على صدره يبخلون عليه بنصيبه فى الحياة..


إن جمال عبد الناصر لم يكن رئيسا محاطا بالرفاهية كانت أفكار مشروعاته التنموية وآماله فى بناء وطن منتج لغذائه وسلاحه لا تمنعه من ممارسة هوايته التى أورثها لأنجاله بحبه للتصوير وحمله للكاميرا، إن عبد الناصر بهوايته تلك يكون قد أرّخ لحقبة من تاريخ مصر قليلا ما يجود الزمان بها مرة أخرى لأهل تلك البلاد، فقد كانت مصر تموج بتيارات مختلفة سواء سياسية أو ثقافية أو اجتماعية ولكن قبل وبعد كل ذلك تجمعها المصرية التى كانت تملأ شرايين المصرى الأصيل ابن بنى مُر الزعيم الخالد جمال عبد الناصر الذى استطاع أن يحافظ على مصريته الأصيلة دائما فى كل المواقف.. فى انتصاراته وانكساراته، ويمد شعبه بها بقوة حتى وقفوا وراءه فى أحلك الظروف، ففى النكسة قلبوا الموقف إلى مظاهرة حب ووفاء كانت مثار دهشة وتعجب للعالم أجمع، كيف لشعب يصوّر الهزيمة بلوحة وفاء لقائد طالب بالرحيل فابقوه ثقة فى أنه يستطيع أن يكسر الهزيمة ليقف على قدمين ثابتتين بأرضية شعبية جارفة تقف فى وجه أى عدو.. إنه الشعب الذى رسم صورة لزعيمه لا تستطيع أى عدسة كاميرا أن ترصده أو تجسده حتى كاميرته الخاصة التى حملها لسنين لم تستطع ان تجسد تلك الحالة التى كان عليها الشعب المصرى آنذاك وحتى وقتنا الحالى، فهو صورة الحرية التى انطلقت من الجيش مع رفاقه الأحرار لتجمع الشعب فى ملحمة الصمود ضد الظلام للخروج إلى نور الحضارة الذى خبأ فى أوقات الضعف.


ومع الانتقادات التى وجهت لبعض سياسات الزعيم من قِبل معارضيه


إلا أنهم أيضا رسموا صورة له لا تخلو من الوفاء للوطن الذى ملك عقله وقلبه، فلم يخوّنوه بل عارضوه بشرف غيرة على الوطن وحبا لهذا الشعب الذى عانى كا المعاناة وآن له أن يستمتع بضوء بنور الحرية والأمل فى حياة أفضل وأكرم.. فهو الشعب الذى رصدت كاميرا الزمن الغابر ذله وانكساره تحت جبروت إقطاعيين تركهم الملك يعيثون فى الشعب فسادا وإفساداً حتى بلغ السيل الزبى عند مجموعة من ضباطه الأحرار بقيادة الزعيم الذى ألهب حماسهم تجاه الشعب بحبه الجارف لأهل بلده فقاموا بحركتهم المباركة لينجحوا بعون من الله فى استعادة الوطن لمواطنيه، وعملوا منذ اللحظات الأولى على رخاء هذه الأمة جمعاء ما جعل إحدى أولويات الرؤساء القوميين العرب إقامة علاقات جيدة مع مصر، من أجل كسب شعبية بين مواطني بلادهم، تأسيا بذلك الزعيم الذى جسد الكرامة الوطنية فرغم أخطائه وأوجه القصور لديه كما يرى معارضوه إلا أنه أضفى شعورا بالقيمة الشخصية والكرامة الوطنية، التي كان المصريون والعرب لا يعرفونها منذ ٤٠٠ سنة.


إن الصورة هى أقوى تخليد للإنسان، لكن هيهات بين الصورة الورقية والصورة القلبية.. إن ما ترسخ فى قلوب الشعوب العربية والمصرية خاصة من صورة ناصرية لا تستطيع مطبوعات العالم أن تمحوه مهما شوهت من صور أو أبرزت محاسنها، إن الصورة ليست بلقطتها وإنما بمدى نفاذها للعقول لتستقر فى القلوب محفورة تتوارثها الأجيال حبا وكرامة لزعيم خلّد صورته عند شعبه بكاميرته التى منحته حرية أصبغها على وطنه العربى ليظل خالد الذكر فى وجدان من يملك حريته وكرامته.. ليظل عاشقا لجمال عبد الناصر.