رشاد مهنا ويوسف صديق ثائران ظلمتهما الثورة

20/07/2016 - 10:30:04

  يوسف صديق أيام كان عضواً فى مجلس قيادة الثورة بجوار أنور السادات يوسف صديق أيام كان عضواً فى مجلس قيادة الثورة بجوار أنور السادات

بقلم: طارق سعد الدين

كان لثورة يوليو ضحاياها من الثوار أنفسهم، فبعض الذين خرجوا ليلة ٢٣ يوليو واضعين حياتهم على أكفهم لم ينالوا من الثورة بعد نجاحها سوى التنكيل والسجون والمحاكمات والإبعاد عن الحياة العامة، بعض أبرز هؤلاء هم القائم مقام رشاد مهنا، والبكباشى يوسف صديق واللواء محمد نجيب.


كان رشاد مهنا أول ضابط دفاع جوى فى الجيش المصرى، وكان هو أول ضابط من الجيش يتولى منصباً سياسياً فقد عين وزيراً للمواصلات فى أول وزارة بعد الثورة والتى رأسها أحمد ماهر باشا، كما اختاره محمد نجيب ممثلاً للثورة فى مجلس الأوصياء على العرش وثانى هؤلاء الثوار كان البكباشى يوسف الصديق الذى لولا اقتحامه لمقر قيادة الجيش ليلة الثورة والقبض على كبار القيادات لفشلت الثورة حيث كانت القيادات مجتمعه لإحباط تحركات الضباط بعدما علم بها الملك فاروق .


التحق رشاد مهنا بكلية الطب بداية، إلا أنه تركها والتحق بالكلية الحربية وتخرج منها عام ١٩٣٢ ليلتحق بعدها بسلاح المدفعية، ثم سافر فى بعثة إلى إنجلترا عام ١٩٣٧ ليعمل بعدها مدرساً فى مدرسة المدفعية، وبعد حصوله على ماجستير العلوم العسكرية عام ١٩٤٤ عين مدرساً فى كلية أركان الحرب، ثم تولى رشاد مهنا أركان حرب قوات قسم القاهرة وهو مايسمى الآن المنطقة المركزية، وفى عام ١٩٤٧ تم اعتقاله مع مجموعة من الضباط بتهمة التآمر على الملك، ولكن أفرج عنهم بعض فترة قصيرة.


وكان رشاد مهنا شخصية لها احترام واسع في الجيش، وله علاقات واسعة، ومن ثم فقد كان هو وعبد الناصر كل منهما ينظر إلى الآخر في حذر بالغ، وكان لرشاد مهنا نفوذ في سلاح المدفعية، ولهذا كان عبد الناصر حريصًا على ضمه للضباط الأحرار، والتعاون معه ولكن بحذر.


وفى ليلة ٣١ ديسمبر ١٩٥٢ كان رشاد مهنى هو صاحب اقتراح قيام الضباط الأحرار بدعم ترشح اللواء محمد نجيب لرئاسة نادى الضباط ضد مرشح الملك حسين سرى قائد سلاح الحدود، لإثبات قوة الضباط الأحرار فى مواجهة الرغبة الملكية، وبعد قيام ثورة يوليو ١٩٥٢ تم تعيين رشاد مهنا وزيراً للمواصلات في أول حكومة بعد الثورة، ثم رشحه محمد نجيب ليكون عضوا في لجنة الوصاية على العرش (ممثلا للثورة) المكونة من الأمير محمد عبد المنعم وبهي الدين باشا بركات والقائم مقام رشاد مهنا، ولكن بعد عشرة أسابيع فقط من تعيينه تم عزله من منصبه، قال محمد نجيب فى مذكراته: “لم تمر عشرة أسابيع على تعيين رشاد مهنا وصياً على العرش، حتى وقع الخلاف، فقد تجاوز رشاد مهنا حدود سلطته الدستورية، بالتدخل في شئون تطهير الأحزاب والهيئات السياسية، وبالاتصال بالوزراء، وإقحام نفسه في شئونهم، وبالاتصال برجال الصحافة، ومناقشة الأمور معهم والاعتراض عليها، كما أنه كان كذلك، يسعى لإحياء الخلافة الإسلامية، ليكون هو على رأسها.


وفي شهر أكتوبر ١٩٥٢، اتصلت به، في مكتبه بقصر عابدين، لتهنئته بمولود رُزق به، ولتحديد موعد أراه فيه، لتكون التهنئة مباشرة، وجهاً لوجه، فإذا به يصرخ في وجهي، ويقول: أريدك أن تأتي إلى مكتبي في القصر، ومعك السيد سليمان حافظ، نائبك، لمقابلتي، كنت أيامها رئيساً للوزراء، وتعجبت من هذا الاستدعاء، وعلى الرغم من ذلك، قررت أن أستجيب له، لأنه صادر من أحد الأوصياء، الذين لهم، بحكم مناصبهم، اتخاذ مثل هذه الخطوة، وتوجهت فعلاً أنا وسليمان حافظ، إلى القصر، وقابلت رشاد مهنا في مكتبه، أكثر من ساعة، كان ثائراً جداً، يتحدث إلينا في عنف، ويضرب المكتب بقبضة يده، ونحن نسمع ولا نعلق.


قال رشاد مهنا: “أنني أحب أن تعرف أن رشاد مهنا ليس بصمجياً، إنني لا أقبل أن أجلس هنا، أوقع المراسيم التي ترسلونها إلينا فحسب، إنني ألاحظ أن الوزارة تتخذ خطوات كثيرة، لا أعرف عنها شيئاً، ولا يعرض علىَّ أية تفصيلات، إنك يا نجيب تستقبل ستيفنسون، (السفير البريطاني)، وكافرى، (السفير الأمريكي)، وتستدعي من السودان أقطابه، وتتباحث مع الجميع، من دون علمي، مع أنني واحد منكم، ولابد أن يؤخذ رأيي في كل شيء.


قلت له في هدوء: “أنت ثائر الآن، وأنا أفضل أن أتركك بضعة أيام، حتى تستعيد هدوءك”، لكنه ازداد انفعالاً، وقال في ثورة شديدة: اعلموا أنني لن أكون طرطوراً، حاولت أن أوضح له الأمر، عندما انتقلت إلى مكتب الأمير محمد عبدالمنعم، ومعنا بهي الدين بركات، لكنه أصر على موقفه، وشاركه بهي الدين بركات، حاولت توضيح الموقف الدستوري لهما، لكنهما لم يقتنعا، وأصر رشاد مهنا على أن يقدم استقالته، وبقي الأمير محمد عبدالمنعم صامتاً، وأعلن بهي الدين بركات أنه سيستقيل هو الآخر، فاتخذنا قراراً بإقالته، وتحديد إقامته، واقترحت على مجلس الوزراء، أن نكتفي بوصي واحد، هو الأمير محمد عبدالمنعم، ووافق سليمان حافظ، وقال:


“ لا مانع من الناحية القانونية، إذ إن من السهل تعديل الأمر الملكي رقم ٢٥ لعام ١٩٢٣، والذي يقضي بأن يكون مجلس الوصاية مشكلاً من ثلاثة أعضاء”.


وفي جلسة واحدة، أخذنا الموافقة على إعفاء رشاد مهنا، وتعديل الأمر الملكي، وفي ١٤ أكتوبر ١٩٥٢، أذعت البيان الخاص بإعفاء رشاد مهنا.


اختفى بعدها رشاد مهنا من الحياة السياسية والعامة حتى توفى فى منتصف تسعينيات القرن الماضى.


بطل ليلة الثورة


كان يوسف صديق هو بطل ليلة الثورة بحق فعندما تحرك بكتيبته من منطقة الهايكستب فى منتصف ليلة ٢٣ يوليو، حسب تعليمات قديمة حيث لم يصله أن الموعد الجديد الذى حدده عبدالناصر للتحرك هو الواحدة صباحاً، هذا التحرك المبكر مكنه من اقتحام مقر قيادة الجيش بكوبرى القبة والقبض على قيادات الجيش التى كان الملك قد أبلغها ضرورة التحرك للقضاء على حركة تتم فى الجيش بعدما أبلغ له نبأ التحرك.


كان يوسف صديق قد تخرج من الكلية الحربية عام ١٩٣٣، وككثير من شباب هذه المرحلة، انضم يوسف صديق للأحزاب اليسارية (الشيوعية)، وفى أواخر عام ١٩٥١ انضم لتنظيم الضباط الأحرار، بدأت قصة يوسف مع الثورة قبل ليلة ٢٣ يوليو بأيام قليلة حيث تحرك البكباشى يوسف مع مقدمة كتيبته مشاة مدافع من العريش إلي معسكرها في هايكستب قرب مدينة العبور ومعه معاونه عبد المجيد شديد، ويروي أحمد حمروش في كتابه قصة ثورة يوليو فيقول: اجتمعت اللجنة القيادية للثورة وقررت أن تكون ليلة٢٢ــ ٢٣ يوليو وأعطيت الخطة اسما كوديا (نصر) وتحددت ساعة الصفر في منتصف الليل، وحدث خطأ بسيط لكنه كان عظيم الأثر، فقد تصور يوسف صديق أن ساعة الصفر هي ٢٣٠٠ أي الحادية عشرة مساء وليست منتصف الليل.


وتحركت القوة من معسكر الهايكستب دون أن تدري ما يدبر في مركز القيادة، فوجئ يوسف ببعض الجنود يلتفون حول اثنين تبين أنهما جمال عبد الناصر وعامر وكانا حسبما روي يوسف في ملابس مدنية ولما استفسر يوسف عن سر وجودهما أبلغاه بالموقف فـي رئاسة الجيش.


وهنا أعد يوسف خطة بسيطة تقضي بمهاجمة رئاسة الجيش وبعد ذلك، اقتحم يوسف صديق وجنوده مبني القيادة وفتشوا الدور الأرضي، وكان خاليا وعندما أراد الصعود إلي الطابق الأعلي، اعترض طريقهم شاويش حذره يوسف، لكنه أصر علي موقفه، فأطلق عليه طلقة أصابته في قدمه، وعندما حاول فتح غرفة القادة وجد خلف بابها مقاومة فأطلق جنوده الرصاص علي الباب ثم اقتحموا الغرفة، وهناك كان يقف اللواء حسين فريد رئيس أركان حرب الجيش، واللواء حمدي هيبة وضابط آخر رفع منديلا أبيض فطلب منهم يوسف أن يتحركوا حيث سلمهم لليوزباشي عبد المجيد شديد ليذهب بهم إلي معسكر الاعتقال المعد حسب الخطة في مبني الكلية الحربية.


وفي أغسطس ١٩٥٢ دخل يوسف الهيئة التأسيسية للضباط الأحرار مع محمد نجيب وزكريا محيى الدين.


وعقب نجاح حركة الضباط الأحرار دعا يوسف صديق إلى عودة الحياة النيابية وخاض مناقشات عنيفة من أجل الديمقراطية داخل مجلس قيادة الثورة.


ويقول يوسف عن تلك الخلافات في مذكراته كان طبيعيا أن أكون عضوا في مجلس قيادة الثورة وبقيت كذلك حتي أعلنت الثورة أنها ستجري الانتخابات في فبراير ١٩٥٣، غير أن مجلس الثورة بدأ بعد ذلك يتجاهل هذه الأهداف فحاولت أكثر من مرة أن أترك المجلس وأعود للجيش فلم يسمح لي بذلك، حتي ثار فريق من الضباط الأحرار علي مجلس قيادة الثورة يتزعمه اليوزباشي محسن عبد الخالق وقام المجلس باعتقال هؤلاء الثائرين ومحاكمتهم فاتصلت بالبكباشي جمال عبد الناصر، وأخبرته أنني لايمكن أن أبقي عضوا في مجلس الثورة وطلبت منه أن يعتبرني مستقيلا فاستدعاني للقاهرة ونصحني بالسفر للعلاج في سويسرا في مارس ١٩٥٣.


وعندما وقعت أزمة فبراير ومارس عام ١٩٥٤ طالب يوسف صديق في مقالاته ورسائله لمحمد نجيب بضرورة دعوة البرلمان المنحل ليمارس حقوقه الشرعية وتأليف وزارة ائتلافية قبل التيارات السياسية المختلفة من الوفد والإخوان المسلمين والاشتراكيين والشيوعيين وعلي إثر ذلك اعتقل هو وأسرته، وأودع في السجن الحربي في أبريل ١٩٥٤ ثم أفرج عنه في مايو ١٩٥٥ وحددت إقامته بقريته بقية عمره.