من كلاى إلى زهير شاه «عبدالناصر» بين الرياضة والسياسة

20/07/2016 - 10:23:16

  كلاى أصر على لقاء ناصر خلال زيارة الملاكم العالمى إلى مصر كلاى أصر على لقاء ناصر خلال زيارة الملاكم العالمى إلى مصر

تقرير: أحمد عسكر

تميز الزعيم الراحل جمال عبدالناصر بين أقرانه من الرؤساء بأنه كان دائمًا صاحب السبق والريادة فى عدد كبير من المجالات، ورغم اتهام البعض له بأنه كان مقصرًا فى الاهتمام بالرياضة وممارسيها معتبرين أن ممارسته لرياضة ذهنية كالشطرنج ابعدته تمامًا عن باقى الرياضات الجسدية إلا أنه كان يمتلك رؤية مختلفة وسباقة لم تتوافر فى من سبقه من حكام مصر، فكانت نظرته للرياضة والرياضيين مختلفة لإدراكه المعنى الأسمى للمنافسات الرياضية والذى من أجله خلقت منافسات الألعاب الأوليمبية على جبل الأوليمب مع زهو الحضارة الإغريقية، فتغاضى الزعيم الراحل عن الشكليات المقولبة بلا داع واهتم بإدخال الرياضة فى السياسة مدركًا دون من حوله لأهمية الدور الذى تلعبه الرياضة فى السيطرة والهيمنة النفسية بين الشعوب، وهو ما تغلل فى وجدان الشعوب العربية بشكل تلقائى جعلهم يدموجون بين ناصر والرياضة دون أن يدركوا أهمية ذلك إلى حد تسمية عدد كبير من المنشآت الرياضية العربية باسمه مثل ملعب جمال عبد الناصر فى قرية الخيارة بلبنان.


بدأ الرئيس جمال عبدالناصر مشواره مع الرياضة بتعلم درس مهم للغاية من فترة حكم من سبقه وهو الرئيس محمد نجيب، الذى استخدم كرة قدم والرياضات المختلفة كوسيلة لدعم الجيش بعد إصداره قرارًا بمنع أفراد القوات المسلحة من اللعب لأندية أخرى غير الجيش مما جعل فريق القوات المسلحة هو الأقوى بين الفرق، كما قام أيضًا بتعديل نظام ودور ورسالة اللجنة الأوليمبية المصرية عام ١٩٥٤ لتصبح مجرد جهة تابعة لوزارة الشئون الاجتماعية، واستثمر شعبية كرة القدم لمصلحة الثورة حتى وإن كانت هذه المصلحة على حساب اللعبة نفسها.


أما عبدالناصر فلم يكن يرى كرة القدم لعبة ممتعة ولم يكن يتابعها إلا لأغراض سياسية بحتة رغم أن رشاد كامل أكد فى كتابه بعنوان «عبدالناصر الذى لا تعرفه» على لسان منير حافظ الرجل الثانى فى مكتب معلومات جمال عبدالناصر إن الرئيس كان يشجع الأهلى سرًا، وأن أسرة الرئيس كانت يعيش حالة من السعادة عندما يفوز الأهلي، لكن عبدالناصر كان حريصًا على أن تبقى أهلاويته من أحد أسرار الدولة العليا حتى يبقى رئيسًا لكل المصريين، وقد قبل جمال عبد الناصر منصب الرئاسة الشرفية للنادى الأهلى تقديرا منه لدور النادى العظيم فى الوطنية المصرية، وقام بزيارة الأهلــى فى شهر أكتوبر عام ١٩٦٠ واصطحب معه زهير شاه ملك أفغانستان لمشاهدة مباراة دولية فى الهوكى أقيمت فى ملعب النادى.


وكانت أولى نقاط التماس بين ناصر والرياضة عندما تحدث عن كرة القدم لأول مرة كرئيس مصر يوم طالب بأن تسهم كرة القدم فى تسليح الجيش المصرى وأن يخصص جزء من مباريات الدورى العام لتسليح مصر، مؤكدًا أن هذا هو أهم الأدوار التى يمكن أن تقوم بها كرة القدم، فاستجاب اتحاد كرة القدم والأندية فى مقدمتها الأهلى والزمالك، حيث اتفق الناديان على تخصيص جزء من إيراد مباراتهما معًا التى أقيمت يوم الجمعة الحادى والعشرين من شهر أكتوبر عام ١٩٥٥ لمصلحة تسليح الجيش المصري، وكانت أول مباراة لكرة القدم يحضرها الرئيس جمال عبدالناصر، وأول مرة يلعب الأهلى والزمالك معا لمصلحة تسليح جيش مصر، كما قرر لاعبو الفريقين عدم الاكتفاء بالمشاركة واللعب وحرصوا على التبرع من مالهم الخاص لمصلحة الجيش المصري، وقد حضر هذه المباراة عشرون ألف متفرج دفعوا ٢٥٧٦ جنيهًا تم التبرع منها بـ١٢١٦ جنيهًا لمصلحة الجيش المصري.. أما المباراة نفسها فقد انتهت بالتعادل بهدفين لكل فريق، وبهذا أكد ناصر أن الرياضة وسيلة للدعم السياسى والعسكرى وليست غاية بحد ذاتها.


وعلى الرغم من ممارسة الرئيس الراحل جمال عبدالناصر لعدد من الرياضات مثل التنس وتنس الطاولة والمشى والسباحة أحيانًا، لم تتغير فكرته أو اعتقاده بأن الرياضة وسيبة لدعم السياسة المصرية فقد كلف المسئولين عن الكرة بالاهتمام بإفريقيا لتعميق علاقات مصر الإفريقية عن طريق الكرة، وفى عام ١٩٥٦ وتحديدًا فى يوم الثامن من يونيه اجتمع المصرى عبدالعزيز سالم كأول رئيس للاتحاد الأفريقى ومحمد لطيف ويوسف محمد، مع السودانيين عبدالرحيم شداد وبدوى محمد وعبدالحليم محمد والجنوب أفريقى وليم فيل فى فندق بمدينة لشبونة عاصمة البرتغال، وبدأوا الخطوات الفعلية لتأسيس الاتحاد الإفريقى لكرة القدم وفى انطلاق بطولة كأس الأمم الإفريقية، وتحقق حلم ناصر بتنظيم أول بطولة لكأس أمم إفريقيا فى السودان فى شهر فبراير عام ١٩٥٧، ولم تشارك فيها إلا ثلاث دول فقط هم مصر وإثيوبيا والسودان صاحبة الأرض التى حرص الرئيس عبدالناصر على إقامتها فى السودان دعما للعلاقة بين البلدين، فلم يكن يفكر فى الفوز بالبطولة بقدر رغبته فى التقرب لبلدان القارة الإفريقية، وقد فازت مصر بالبطولة بأربعة أهداف سجلها الديبة فى مرمى إثيوبيا، وفى عام ١٩٥٩ أقيمت البطولة الثانية بمشاركة نفس الدول الثلاث ولكن فى القاهرة هذه المرة وحصلت مصر على اللقب بعد الفوز على السودان بهدفين مقابل هدف وهى آخر بطولة كرة قدم تحرزها مصر فى عهد الرئيس الراحل، ففى البطولة الثالثة عام ١٩٦٢ خسرت مصر النهائى أمام إثيوبيا التى استضافت البطولة، وتأكيدًا على موقف الرئيس جمال عبدالناصر من الرياضة رفض مشاركة مصر فى الدورة التى أقيمت بتونس عام ١٩٦٥ نتيجة خلافاته السياسية وقتها مع الرئيس بورقيبة، ومع النكسة المشينة عام ١٩٦٧ استحالت مشاركة مصر فى بطولة ١٩٦٨ التى أقيمت فى إثيوبيا وبقيت كرة القدم فى نظر عبدالناصر ورؤيته مجرد نشاط ترفيهى لابد أن يتوقف وقت الأزمة والشدة، لذا توقف الدورى ولم تعد مصر مستعدة نفسيًا وسياسيًا وفنيًا للمشاركة فى كأس الأمم، لكنه تراجع عن الحظر تدريجيًا سواء على المستوى المحلى أو الإفريقى فعادت مصر للمشاركة فى بطولة كأس الأمم فى السودان عام ١٩٧٠، وخسرت فى الدور قبل النهائى أمام السودان.


ولا بد هنا من أن نذكر وجود فارق كبير بين رؤية الرئيس جمال عبدالناصر ورؤية المشير عبدالحكيم عامر لكرة القدم فالرئيس لم يكن يعنيه الانتصار فى ملاعب الكرة، ولم يكن يمانع أن تخسر مصر مباراة أو بطولة مقابل أن تكسب العرب وإفريقيا، بينما كان عامر عاشقًا لكرة القدم ولا يقبل بغير الانتصار فى ملاعب الكرة دون أى اعتبار للسياسة أو أى دور آخر غير سعادة مشجعيها بانتصار منتخب بلادهم.


تكررت المواقف التى تؤكد اقتصار دور الرياضة فى ذهن الزعيم الخالد على أن تكون أداة سياسية ليس إلا، ومن أبرزها زيارة الملاكم العالمى الراحل محمد على كلاى لمصر والتى استمرت ١٥ يومًا بناءً على دعوة الاتحاد العربى للملاكمة بعد أن أشهر الملاكم العالمى إسلامه، فلم يكن ناصر راغبًا فى استقباله نظرًا لتوتر العلاقات بين مصر ودول الغرب، لولا إصرار كلاى على لقائه وإلحاحه فى طلبه هذا فقد كان ناصر يتمتع بشعبية كبيرة فى مختلف دول العالم بسبب قيادته حركة دول عدم الانحياز لدرجة أن كلاى قام بتقبيل تمثال جمال عبدالناصر الموجود أمام مكتبه، فقام ناصر بلقائه محولًا الزيارة إلى أهداف سياسية أتت ثمارها، حيث استخدم زيارة كلاى بصور لكلاى، وهو يصلى فى أحد مساجد القاهرة، مع دعوته لتقديم مجموعة عروض رياضية بالقاهرة وهو ما كان بالفعل، بخلاف برنامج سياحى اشتمل على زيارة كلاى لآثار الأقصر وأسوان والإسكندرية، بالإضافة إلى السد العالى الذى قال عنه كلاى «الآن رأيت السد العالى الذى سمعت عنه.. والآن أستطيع أن أقرر بحق أن هذا العمل ليس سهلا، وأنه دليل واضح وانموذج مجسم لعظمة الرئيس جمال عبدالناصر»، كما تحدث عن عظمة الآثار المصرية وروعتها.


ولا يوجد أكثر من خطبة عبدالناصر، التى ألقاها يوم افتتاح ملعب استاد ناصر للتدليل على الأهمية السياسية للرياضة من وجهة نظره فقال فيها «الحمد لله الذى أعاننا على أن نسير فى طريقنا لنبنى هذا البلد كما نريد، الحمد لله الذى أعاننا على أن ننتصر على أعداء الوطن مهما كانت قوتهم، ومهما كانت أساطيلهم، ومهما كانت جيوشهم، الحمد لله الذى أعاننا فى كفاحنا من أجل بناء بلدنا، ومكننا من الفرصة التى نجتمع فيها اليوم لنحتفل جميعًا بهذا العمل الكبير»، وقال أيضًا: «واستشهد من أبناء الوطن من استشهد، وسفك الدم العربى من أجل الوطن، ومن أجل بقائه، ومن أجل أن يستطيع كل فرد منكم أن يحضر اليوم إلى هذا المكان، ويحتفل بافتتاحه، ومن أجل أن نجتمع جميعًا ونحتفل بعيد الثورة الثامن، ففى هذه السنوات الثمانى استطعنا أن نحافظ على استقلالنا بعد أن انتزعناه انتزاعًا، واستطعنا أن نطرد المغتصب، ونطرد الاحتلال، واستطعنا أن نثبت الاستقلال، ونحافظ على حرية بلدنا، ثم استطعنا أن نفرض إرادتنا فى وطننا حرة كريمة، فنبنى بلدنا كما نريد».


كما كان لناصر قصة غريبة مع «رضا» لاعب الإسماعيلى الراحل عام ١٩٦٣ وتحديدًا فى ٢٨ سبتمبر أثناء مباراة بين الأهلى والإسماعيلي، وكان حكم المباراة صبحى نصير وكان الأهلى يضم صالح سليم والشربينى والفناجيلى وطه إسماعيل وبدأت بتفوق الإسماعيلى فأحرز شحته الهدف الأول وأبو بكر هدفين وأحرز أميرو الهدف الرابع وكانت ثلاثة منها من صنع رضا، وكان ناصر قد سبق له لقاء رضا وتكريمه مع المنتخب العسكري، وبنما كان ناصر يشاهد المياراة مع عبدالحكيم عامر فسأله عن هذا اللاعب فرد عبد الحكيم بأنه أحرف لاعب فى مصر، فرد عبد الناصر «لك الحق أن تقول ذلك وليته يعيش طويلا فى الملاعب سيحقق لمصر إنجازات كثيرة»، وشاء القدر أن يلتقى جمال عبد الناصر مع رضا بعد ذلك مرة أخرى وأن يشهد يوم ٢٨ من سبتمبر ١٩٦٥ وفاة رضا وحزن الزعيم لوفاته غير مدرك أنه سيتوفى يوم ٢٨ من سبتمبر ١٩٧٠ ليكون يوم ٢٨ سبتمبر ذكرى وفاة الزعيم والحريف.


 



آخر الأخبار