أردوغان ينجو من الانقلاب الانتقام شعــــــــار الأيـــــــام القادمـــة

20/07/2016 - 10:18:15

تقرير: نهال الشريف

لاشك أنها كانت أسوأ ١٣ ساعة فى عمر حكم الرئيس التركى رجب طيب أردوغان الممتدة عبر ١٣ عامًا.. ليلة الجمعة السبت الماضى عندما وقعت محاولة الانقلاب الفاشلة والتى إذا ما قدر لها النجاح كانت ستحطم كل آمال أردوغان الحالم بعودة أمجاد الإمبراطورية العثمانية وإحياء قيادة تركيا للعالم الإسلامى على يديه.


ولكن لاشك أيضًا أن الأسوأ من هذه الساعات هو الأيام المقبلة التى سينتقم فيها أردوغان لكبريائه ويثأر من خصومه ومعارضيه ويعزز سلطاته بدرجة أكبر كرئيس وحاكم مطلق للبلاد


عاد أردوغان إلى أسطنبول بعد أن كان يقضى إجازة فى جزيرة مرمرة وقت وقوع الانقلاب. وفى مطار أتاتورك وقف يخطب فى أنصاره وجهًا لوجه بعد أن سبق له أن وجه رسالته إليهم بالنزول للشارع عبر تطبيق فيس تايم.. قال أردوغان إن المشاركين فى الانقلاب سيدفعون ثمنا باهظًا ووصف المحاولة الفاشلة بأنها نعمة إلهية ستمكنه من تطهير الجيش.


وفى خلال ساعات ألقى القبض على ٣ آلاف من العسكريين من بينهم ٥٠ جنرالًا وكولونيل ومائة ضابط. كما تم إقصاء ٢٧٤٥ من القضاة من بينهم ١٠ من قضاة المحكمة العليا، وبلغ عدد المقبوض عليهم ٩ آلاف حتى مثول المصور للطبع والبقية تأتى هؤلاء متهمون بأنهم على علاقة بحركة خدمة التى أسسها رجل الدين والسياسى المعارض فتح الله كولن. وهو الخصم اللدود للرئيس التركى رغم الصداقة والتحالف الذى جمع بينهما فى الماضي.


أردوغان لم يتردد فى كيل الاتهامات وأشار إلى الدولة الموازية ويقصد بها كولن وجماعته كما أشار أن منفذى الانقلاب الفاشل على علاقة بجماعات إرهابية متطرفة يفهم أن حزب العمال الكردستانى هو المقصود بها.


فتح الله كولن الذى اتخذ من ولاية بنسلفانيا الأمريكية منفى اختياريًا له. من جانبه نفى تمامًا أى علاقة تربطه أو تربط حركته بمحاولة الانقلاب. كما أن خبراء بالشأن التركى يستبعدون هذه العلاقة. ويرون أن كولن ليس لديه أنصار كثيرون داخل صفوف الجيش وأن معظم أنصاره فى صفوف الشرطة والقضاء ولكن الكثيرين من هؤلاء تعرضوا للإقصاء من مناصبهم بسبب اشتراكهم فى التحقيقات فى قضايا الفساد التى طالت الدائرة الضيقة حول الرئيس التركى بما فى ذلك ولداه بلال وبراق.


وبسبب أصابع الاتهام التى تشير إلى كولن قال جون كيرى وزير الخارجية الأمريكية إن الولايات المتحدة على استعداد للتعاون مع تركيا فى التحقيقات بشأن كولن. وقال إن بلاده لم تتلق طلبًا رسميًا لتسليم كولن. قبل هذه التصريحات قال رئيس الوزراء التركى بن على بلديريم إن أى دولة تساعد كولن فهى فى حرب مع تركيا، الأمر الذى يثير علامة تعجب كبيرة بخصوص العلاقة بين تركيا والولايات المتحدة، فى الوقت الذى تستخدم فيه القوات الأمريكية القواعد التركية لشن ضرباتها ضد تنظيم داعش.


وردًا على اتهامات أردوغان تجاه كولن قال فى حديث له لجريدة نيويورك تايمز إن ما حدث هو عمل مسرحى شارك أردوغان فى إعداده. هذا التفسير يؤكده بعض المحللين، كما أن البعض من المحسوبين على التيارات المعارضة لأردوغان يؤكدون أن من نزلوا إلى الشارع دعمًا لأردوغان وهجومًا على الجيش ليسوا مواطنين عاديين وإنما هم من المنتمين إلى تجمعات داعش الموجودة على أراضى تركيا برعاية أو غض الطرف من جانب نظام أردوغان، كما ذكر بعض شهود العيان أن من قاموا بإهانة الجنود والاعتداء عليهم من ميليشيات خاصة كونها أردوغان تتبعه بشكل مباشر وتضم عددًا كبيرًا من اللاجئين السوريين فى تركيا.


وأن المسألة لم تكن مجرد مناصرة أردوغان الذى طلب من الجماهير البقاء فى الشارع لمدة أسبوع آخر تحسبًا لموجة جديدة من الانقلاب، وإنما هى إهانة متعمدة لكسر هيبة ما تبقى من الجيش التركي.


ما يثير التساؤلات فى الوقت الحالى هو إلى أى حد يمكن لقادة الجيش الذين وقفوا بصفة عامة خلف الرئيس التركى أن يبتلعوا مزيدًا من الإهانات دون أن يحركوا ساكنًا.


وبرغم الدعم العلنى الذى حظى به أردوغان من شخصيات هامة مثل الرئيس الأمريكى والمستشارة الألمانية ميركل ووزيرة خارجية الاتحاد الأوربى فيدريكا موجيريني، إلا أن دبلوماسيين غربيين يعربون عن مخاوفهم سرًا من استغلال أردوغان للأحداث لزيادة نفوذه وسلطانه على حساب الديمقراطية.


ولعل هذا هو السبب فى وضع مسألة الالتزام التركى بقواعد الديمقراطية على رأس جدول أعمال قمة وزراء خارجية الاتحاد الأوربى صباح الأحد التالى للانقلاب الفاشل، فقد لوح رئيس الوزراء التركى بعرض إعادة تفعيل عقوبة الإعدام على البرلمان لتكون ثمنًا للخيانة، المعروف أن تركيا سبق وأن ألغت هذه العقوبة لتلبى أحد شروط عضويتها للاتحاد الأوربى والتى لم تحصل عليها حتى اليوم.


المثير للدهشة أن الدعم الدولى الذى حصل عليه أردوغان جاء بزعم دعم الديمقراطية ولكن فى نفس الوقت يتغاضى الكثيرون عن انتهاكات أردوغان للديمقراطية والتى أخذت خطًا متصاعدًا منذ عام ٢٠١٣ مثل إلقاء القبض على الصحفيين الذين يوجهون له الانتقادات وإغلاق الصحف وكان آخر هذه الممارسات إغلاق صحيفة الزمان، كما أنه يسرف فى ممارسة سلطاته كرئيس للدولة برغم أن نظام الدولة حتى الآن هو النظام البرلماني. ومن المؤكد أن خطوة أردوغان القادمة ستكون إدخال تعديلات دستورية تزيد من صلاحيات رئيس الدولة على حساب صلاحيات وسلطات البرلمان ورئيس الوزراء.


فمنذ فترة قريبة استصدر أردوغان قرارًا لعقد اجتماعات مجلس الوزراء فى قصر الرئاسة الجديد المكون من ألف غرفة والمشيد على مساحة ٣.٢ مليون قدم مربع بتكلفة مليارات الدولارات، هذا إلى جانب حملته ضد النظام القضائى بسبب التحقيقات فى قضايا الفساد التى تضمنت اتهامات بالرشوة والتزوير وغسيل الأموال وتهريب الذهب حيث أطاح بكل القضاة والمدعين الذين عملوا فى هذه القضايا من مناصبهم، وفى ذاك الوقت اتهم أردوغان فتح الله كولن بتدبير ما أسماه الانقلاب القضائي.


لماذا فشل الانقلاب؟


تعد تركيا صاحبة تاريخ حافل بالانقلابات العسكرية نجح ٤ منها فى تغيير نظام الحكم بداية من عام ١٩٦٠ وكان آخرها ١٩٩٧ حين أطاح الجيش بحكم نجم الدين أربكان مؤسس حزب الرفاة ذى التوجه الإسلامي. وبالتالى يعد عدم اتباع مدبرى الانقلاب الفاشل لخطوات إنجاح الانقلابات العسكرية أمرًا غريبًا.


فهم لم يبدأوا بالقضاء على رأس الدولة بالاحتجاز أو القتل. بل تركوه حرًا. فى مرمرة يحدث أنصاره لهاتفه الذكي. كما أنهم فشلوا فى إبقاء أى قوة عسكرية غير مشاركة فى الانقلاب مشلولة الحركة أو بعيدة جدًا عن موقع الأحداث. كذلك فقد توقع مدبرو العملية بأنهم سيحصلون على دعم دوائر أوسع فى الجيش مع بدايات نجاح خطتهم وهو ما لم يحدث. ويبقى العنصر الأهم هو أنهم لم يحصلوا على أى دعم شعبى فالأتراك من الموالين لأردوغان والمعارضين له لا يقبلون بالعودة لعصور الحكم العسكري. وينطبق نفس الشىء على الأحزاب السياسية. تأكيدًا لذلك.


أصدرت الأحزاب السياسية الأربعة الرئيسية فى الدولة بيانًا مشتركًا فى جلسة البرلمان الاستثنائية التى عقدت يوم السبت أكدت جميعها رفضها للانقلاب. رغم أن هذا الرفض ليس من المؤكد أنه سيوفر الحماية لأعضاء هذه الأحزاب من ملاحقة نظام أردوغان ومضايقاته.


الجيش بعد الانقلاب الفاشل


يعد الجيش التركى أحد أفضل عشرة جيوش فى العالم بموازنة تصل إلى ١٨ مليار دولار سنوياً ويضم نصف مليون عسكرى من مختلف الرتب. ووفقًا لموقع جلوبال فاير باور يمتلك الجيش التركى أكثر من ١٣ ألف آلية حربية من دبابات ومدرعات وأنظمة دفاع صاروخى ومدفعية، إضافة إلى ١١٥ سفينة حربية وعددًا من الغواصات والسفن المقاتلة والفرقاطات، وتركيا إحدى الدول المؤسسة لحلف شمال الأطلنطى وتمتلك ثانى أكبر جيش فى الحلف ويلعب دورًا هامًا فى الوقت الحالى فى شن ضربات ضد تنظيم داعش فى الأراضى السورية.


ورغم ذلك فإن محاولة الانقلاب الفاشلة ستلقى بظلالها على أحد أهم جيوش المنطقة. فالمحاولة الفاشلة وعمليات التطهير التى أعقبتها والتى ينتظر أن تستمر لفترة مقبلة تشير لوجود تصدعات داخل المؤسسة العسكرية. ومع نجاح مدبرى الانقلاب فى الحصول على طائرات إف -١٦ وهليكوبتر ودبابات وتمكنهم من احتجاز رئيس الأركان خلوصى آكان رهينة فى إحدى القواعد الجوية قبل تحريره يعنى أن أنقرة فى مواجهة مشكلات طويلة المدي. فقد توقفت عمليات الناتو ضد داعش بسبب الانقلاب الفاشل. وقطع التيار الكهربائى عن قاعدة انجيرليك التى يتواجد فيها قوة أمريكية مكونة من ١٥٠٠ من إجمالى ٢٢٠٠ عسكرى أمريكى على أراضى تركيا، وفى تلك القاعدة الواقعة فى جنوب تركيا توجد عشرات من قنابل B.٦١ النووية الأمريكية المخزونة فى مخابئ خاصة تحت الأرض.


وفى بيان للمتحدث باسم البنتاجون بيتر كوك قال إن المسئولين الأمريكيين والأتراك يعملون على استئناف العمليات الجوية ضد داعش فى أقرب وقت ممكن وأن القوات الأمريكية تعمل على إعادة ضبط طلعات الطيران للإقلال من أثر الأحداث الأخيرة على الحرب على داعش.


قبل فترة تسبب عدم استقرار الأوضاع الأمنية فى تركيا بسبب هجمات حزب العمل الكردستانى وتنظيم داعش فى إصدار الأوامر لعائلات العسكريين الأمريكيين فى قاعدة آنجيرليك بضرورة مغادرة تركيا فيما يعرف بالمستوى دلتا للتأمين.


مع إلقاء القبض على قادة الانقلاب الفاشل يبدو ظاهرياً أن القصة قد انتهت ولكن فى حقيقة الأمر أن قصة جديدة ستبدأ وهى أن أردوغان الذى نجا من الموت بعد أن غادر الفندق فى مرمرة قبل أن يتعرض للقصف سيتعامل بشراسة وسرعة مع أى طرف يعوق خطته لإحكام قبضته على مقاليد الأمور فالديمقراطية التى يتحدث عن حمايتها لا تعنى أكثر من وصوله لمقعد الحكم بالانتخابات ولكن فى الوقت نفسه لا تعنى بأية حال مغادرة هذا المقعد.