فرنسا فى مرمى نيران داعش والقصور الأمنى أهم الأسباب

20/07/2016 - 9:42:35

تقرير: عزة صبحى

سبع عمليات إرهابية، عشرات القتلى والجرحى فى أقل من عامين تؤكد أن فرنسا تواجه أخطارًا لم تعرفها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. لأسباب كثيرة أصبحت فرنسا الهدف الأول لعمليات تنظيم داعش الإرهابى. لكن ما يزيد الموقف خطورة هو أن الأيدى المنفذة للإرهاب والقتل تحمل جنسية فرنسا حتى لو كان المحرض الأساسى موجودًا فى الخارج..


جاء حادث نيس الإرهابى الأخير الذى أسفر عن عشرات القتلى والجرحى ليؤكد من جديد أن خطر الإرهاب سيظل جاثمًا على صدر فرنسا لفترة ربما أطول مما يظن البعض، بل مما يظن المسئولين أنفسهم الذين كانوا يستعدون لإلغاء العمل بقانون الطوارئ فى نهاية هذا الشهر، بعد مرور أحداث بطولة أوربا لكرة القدم التى عقدت فى باريس بسلام.


الإرهابى القاتل مثل كل مرة جاء من داخل فرنسا حامل لجنسيتها وربما كان الجديد هو استحداث وسيلة إرهابية جديدة لقتل الأبرياء وهى الدهس بالسيارة والتى فاجأت الجميع رغم أن فيديوهات داعش فى الشهور الأخيرة حملت أكثر من مرة كلمة دهس، لكن ربما لم يتصور أحد هذه البشاعة.


مسارعة الرئيس هولاند بالدفاع عن أجهزة الأمن وتوجيه الشكر لها على أدائها حال دون جدوى استباق الاتهامات التى ستوجه إليها من الشعب الفرنسى قبل الخبراء بسبب تقصيرها أو على الأقل سوء أدائها.


وذلك رغم محاولات تأكيد الأجهزة الأمنية على أن الإرهابى القاتل له سجل جنائى وليس ارهابيا لذلك لم تعرف عنه أجهزة مكافحة الإرهاب أى معلومات.


كل التحليلات الأمنية التى ظهرت عقب حادث نيس أعادت الإشارة إلى سوء التعاون والتنسيق بين أجهزة الأمن وأجهزة المعلومات المتعددة وبعضها البعض. وهو نفس ما أشار إليه أحدث تقرير صدر عن هيئة تحقيق برلمانية فرنسية حيث نبه إلى حالة التشتت وانعدام التنسيق التى تعانى منها أجهزة الأمن الفرنسية المختلفة. من ناحية أخرى حذر البعض من حالة البطء فى تنفيذ قرارات تقوية أجهزة الأمن من حيث زيادة عدد أفرادها وتحديث أسلحتها وتدريباتهم بما يلائم الوضع الخطر الجديد وهى القرارات التى اتخذت منذ أكثر من عام ولم يتم تفعيلها بالكامل حتى الآن بسبب نقص التمويل وتأخر إصدار القوانين الخاصة بذلك. ويرتبط ذلك بشكل واضح بسوء التعاون والبطء فى اتخاذ القرارات داخل دول الاتحاد الأوربى بخصوص مكافحة الإرهاب.


وكان البرلمان الأوربى قد وافق فى شهر أبريل الماضى على نظام جديد لتبادل بيانات المسافرين بين دول الاتحاد الأوربى للمساعدة فى رصد الجماعات المسلحة بعد خمس سنوات من النقاش لحل مسألة الخصوصية التى أثارتها المفوضية الأوربية وهى الذراع التنفيذية للاتحاد الذى يضم ٢٨ بلدًا والتى اخترقت هذا النظام للمرة الأولى عام ٢٠١١. بموجب هذا النظام ينص على شركات الطيران تقديم بيانات المسافرين مثل تواريخ سفرهم وخط سيرهم وتفاصيل جوازات سفرهم وأرقام هواتفهم إلى السلطات فى دول الاتحاد الأوروبى المتجهين إليها، ورغم أهمية هذا النظام فى مكافحة الإرهاب إلا أن القائمين عليه أكدوا أنه يستلزم على الأقل عامين لتحويله إلى قوانين محلية فى دول الاتحاد !


من ناحية أخرى يحذر الخبراء من سيطرة فكرة الخوف من المس بالسيادة على فكر وعلاقة تبادل المعلومات بين أجهزة استخباراتى دول الاتحاد الأوربى مما يمنع تبادل المعلومات بشكل واسع. حيث ترفض حتى تبادل مصادرها وطرق عملها. يعود هذا أحيانا إلى أسباب تاريخية لحروب سابقة بعينها. أو لأسباب اقتصادية والتنافس القومى بينهم. هذا فضلا عن أجهزة استخبارات بعض هذه الدول تعمل على مراقبة الأخرى والتجسس عليها فى الأمور الخاصة بالتصنيع العسكرى وتقنيات التنصت والمراقبة الذكية والتكنولوجيا المتطورة فى الرصد والتصوير والاحتفاظ بهذه التقنيات لنفسها.


وكان معظم خبراء الأمن العالميين قد أكدوا أن الاتحاد الأوربى يعانى من مشاكل إدارية وقانونية وسياسية فيما يتعلق بمكافحة الإرهاب خاصة فيما يتعلق بتبادل المعلومات فيما بين دول الاتحاد وفيما بينها وبين دول أخرى خارج الاتحاد لها دور فاعل ومؤثر فى المنظومة الإرهابية من حيث الضبط والمراقبة من جهة ومن حيث التوجيه والتسهيل والتحكم من جهة أخرى.


ومن أهم هذه الدول الولايات المتحدة وتركيا، هذا التبادل المعلوماتى لا يتم بشفافية بل تتحكم فيه قيود وإشكاليات تفرضها استراتيجية كل دولة من هذه الدول. فالولايات المتحدة على سبيل المثال لها استراتيجية خاصة حول الإرهاب ومكافحته تتمكن من خلالها استغلاله لتنفيذ سياستها المتشعبة والتى تتوزع بين رغبتها بالضغط غير المباشر على الاتحاد الأوربى بشكل عام، وعلى كل دولة من دوله بشكل خاص وذلك لأسباب متعددة منها التنافس الاقتصادى ومن ضمنه صراع «اليورو - دولار» ومنها سباق الفوز بأسواق الأسلحة المتطورة والتى تساعد فى رفع معدل النمو فى هذه الدول، ومنها أسباب استراتيجية أخرى لها علاقة بإسرائيل وصراعها مع محيطها. أو بروسيا وشبكة المصالح المتعددة بينها وبين دول الاتحاد الأوربى من الناحية الاقتصادية والسياسية والديموجرافية وغيرها.


أما بالنسبة للعلاقة بتركيا فيؤكد خبراء الأمن الدوليون أن الجميع بات يعرف أن لها دورًا مشبوهًا فى رعاية ودعم الإرهاب بشكل عام لأسباب عقائدية أو توسعية. ويصل هذا الدور إلى حد التورط بالكامل فى عمل الإرهاب على الساحة الأوربية من خلال ابتزازها لدول الاتحاد التى تسعى دون جدوى للدخول فيه. وهذا مايدفعها لتنفيذ مناورات حول اختيار أو انتقاد أو حجب المعلومات المتعلقة بالإرهاب التى تتبادلها مع دول الاتحاد الأوربى. وتعتبر تركيا مصدرًا أساسيًا لهذه المعلومات لكونها المعبر شبه الوحيد بين أوروبا وبين الدول غير المستقرة المشتعلة بالحروب فى سوريا والعراق.


لماذا فرنسا؟


إلى جانب الجدل حول سوء الأداء الأمنى الفرنسى والأوربى هناك جدل آخر له نفس الأهمية حول تساؤل لماذا يضرب الإرهاب داعش فى فرنسا بالتحديد أكثر من غيرها من دول الاتحاد الأوربى. طبقا لتحليلات الكثير من المتخصصين هناك الكثير من الأسباب منها أنها صاحبة أكبر أقلية مسلمة فى أوربا - ستة ملايين مسلم - معظم هذه الأعداد من الجيل الثانى والثالث الذين ولدوا وتربوا فى فرنسا لكنهم للأسف لم يندمجوا فى المجتمع. فضلا عن أن معظمهم يعانى من التهميش والفقر والبطالة والتمييز فى فرص الحياة. فى السنوات الماضية كان غضب هؤلاء يظهر فى صورة أعمال شغب خطيرة مثل تلك التى ظهرت فيما يعرف بأحداث الضواحى عام ٢٠٠٥. لكن فى الأعوام القليلة الماضية تحول هذا الغضب إلى اعتناق الفكر المتطرف فى بداية من فكر القاعدة ثم داعش وغيرها من الجماعات المتطرفة. حدث ذلك فى غياب تعامل صحيح من الحكومات الفرنسية المتعاقبة يمينًا ويسارًا مع هذه المشكلة حيث اقتصر التعامل فى الشق الأمنى فقط دون حل جذور المشكلة والقضاء على أسبابها.. ومع تطور وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعى لم يعد هناك أى سيطرة أو فى إمكانية تتبع لما يمكن أن يسمع أو يقرأ كل هولاء الشباب من فكر متطرف ثم من تجنيد لهم عبر الإنترنت. وطبقًا لمعلومات وتقارير أمنية منشورة فى الإعلام الفرنسى فهناك أكثر من عشرة آلاف شخص مدرجين على سجلات أجهزة الأمن بينهم العديد من الإسلاميين المتطرفين. وتعمل المديرية العامة للأمن الداخلي فى فرنسا يوميًا على مراجعة سجل «أمن الدولة» المعروف بالسجل «إس» والذى يضم ما يسمى بالمشاغبين إضافة إلى أعضاء مجموعات من اليسار واليمين المتطرف وغيرها من الحركات. وتراقب الأجهزة الأمنية الفرنسية أكثر من ثلاثة آلاف من المتطرفين بينهم ١٣٠٠ منهم لديهم اتصالات مع منظمات إرهابية فى سوريا والعراق. من ضمن أسباب استهداف تنظيم داعش لفرنسا أيضا. امتلاك التنظيم أفرادًا تابعين له يحملون الجنسية الفرنسية. وكشفت المعلومات أن هناك أكثر من ١٨٠٠ شخص غادروا فرنسا إلى سوريا والعراق وأن هناك ٨٠٠ آخرين يريدون المغادرة والانضمام إلى داعش. وأن هناك ٢٠٢٩ مواطنا فرنسيا مرتبطون بشبكات متطرفة من بينهم ٢٨٣ امرأة و١٨ قاصرًا، كما قتل ١٧٠ فرنسىًا أثناء اشتراكهم فى معارك فى سوريا والعراق بينما عاد ٣٠٠ شخص فقط إلى فرنسا. ومنذ إعلان الخلافة المزعومة لداعش تزايد ظهور أعضائها الفرنسيين فى تسجيلات التنظيم. وظهر الفرنسى «إبراهيم الخيارى» فى تسجيل فيديو ليؤكد أن فرنسا فى حالة حرب مع تنظيم الدولة. كما تعمدت الفيديوهات المذاعة أن تظهر وجه الفرنسى «مكسيم أو شارد» وهو يذبح إحدى الرهائن فى إشارة إلى أن تهديد فرنسا سيأتى من الداخل.


وتضم فرنسا أهم منظمتين متطرفتين فى أوربا وهما «فرسان العزة» و«السلفية الجهادية» ولهما فروع فى كل دو أوربا كما يرتبطان بداعش بشكل أو بآخر. معظم أعضاء هذين التنظيمين من شمال إفريقيا ويعيشون فى باريس ومدينة نيس الفرنسية والتى تضم واحدة من أكبر الجاليات من الأصول العربية والإفريقية وكثير منهم يعتنق الفكر المتطرف. فمع بداية هذا العام فقط خرج من مقاطعة ألب مارتيم فى نيس ما لا يقل عن ٥٥ شخصًا بينهم ١١ فردًا من عائلة واحدة إلى سوريا والعراق، بينما أغلقت الحكومة خمسة مساجد فى أنحاء نيس يشتبه فى إدارتها من حركات متطرفة وذلك من اجمالى أربعين مسجدا فى جميع أنحاء المدينة. وتضم مدينة نيس وحدة خاصة لمراقبة وتحليل الإشارات والبيانات التى تتلقاها من المعلمين والعاملين فى الشرطة وموظفى السجون الذين تم تدريبهم جميعًا على يد علماء نفس لاكتشاف ذوى الميول المتطرفة.


ويشير البعض أن من أسباب كراهية داعش وغيره من التنظيمات المتطرفة لفرنسا هو تشددها فى إصدار القوانين المتعلقة بالمسلمين مثل منع الحجاب من المدارس ومنع النقاب وفرض غرامة على من يرتدونه مما يعطى فرصة للمتطرفين لاستغلال ذلك لجذب الشباب صغير السن على أساس أن ذلك اضطهاد للمسلمين وسببًا كاف لمحاربة الدولة. ومن ضمن أسباب استهداف فرنسا بصفة خاصة من تنظيم داعش هو قيامها بدور عام فى محاربة التنظيم فى سوريا والعراق من خلال الضربات الجوية ومن خلال الاشتراك فى تدريب القوات العراقية التى تحارب داعش وأيضا التنسيق مع الجانب الروسى فى هذا الأمر.


أيًا كانت الأسباب التى جعلت من فرنسا الهدف الأول لتنظيم داعش الإرهابى فالمؤكد أن القضاء على هذه الأسباب واستعادة الأمن لن يتم بسهولة، وقد يستغرق سنوات طويلة. لكن الأمر يستلزم قدرًا من الحكمة من المسئولين فى فرنسا لوقف تعاطف مسلمى فرنسا مع الفكر المتطرف سواء لأسباب نفسية أو اقتصادية أو مجتمعية. ومن هنا كانت حالة اندهاش مسلمى فرنسا من تصريحات الرئيس هولاند التى خرج فيها عن نص الخطاب الذى ألقاه بعد العملية الإرهابية فى نيس وقال إن فرنسا كلها تقع تحت ما وصفه بتهديد الإرهاب الإسلامى سواء كانت كانت تصريحات هولاند «زلة لسان» أو دعاية انتخابية لجذب مؤيدين مع اقتراب الانتخابات فى العام القادم إلا أن مثل تلك التصريحات تستغلها التنظيمات الإرهابية لجذب صغار السن من الشباب بالتحريض ضد فرنسا


 



آخر الأخبار