منظومة فساد توريد القمح المحلى

20/07/2016 - 9:39:11

  يقظة الأجهزة الرقابية كشفت مافيا فساد توريد القمح التى وصلت فاتورته إلى ١٫٨ مليار جنيه يقظة الأجهزة الرقابية كشفت مافيا فساد توريد القمح التى وصلت فاتورته إلى ١٫٨ مليار جنيه

بقلم أ.د: نادر نور الدين

بدأ الإعداد الجيد لمنظومة فساد توريد القمح من العام الماضي بفكر تحول الفاسدين إلى أصحاب ملايين من الجنيهات، وفي نفس الوقت يخدعون الشعب المصري بزيادة توريد القمح ويعزفون على الحلم الذي يتمناه الشعب المصري، فبعد أن رفع وزير التموين الحالي سعر رغيف الخبز والذي حدده سابقا بسعر ٢٩ قرشا لرغيف وزن ١٣٠ جراما، وصل إلى ٣٥ قرشا لرغيف وزن ٩٠ جراما، (الغريب أن الأفران تبيعه حاليا لمن لا يمتلكون كارت الخبز بسعر ٢٥ قرشا فقط بينما يبيعونه للدولة بسعر ٣٥ قرشا!!)، وتم تحديد حصة كل مواطن بما لا يزيد عن خمسة أرغفة يوميا، ومع فساد منظومة الخبز وجد الوزير نفسه أمام مأزق زيادة استهلاكنا الشهري من القمح إلى ٩٥٠ ألف طن شهريا بدلا من ٧٠٠ ألف طن فقط قبل تطبيق منظومته، والتي وعد بأنها ستعمل على تخفيض وارداتنا من القمح بنحو ٢ مليون طن سنويا فإذا بها ترفع استهلاكنا منه بنحو ٢٫٥ مليون طن سنويا!!،


لم يجد الوزير أمامه فرصة لتغطية الأمر إلا بالسحب من المخزون الاستراتيجي للقمح والذي تسلمه من الوزير السابق والذي يكفينا لمدة أربعة أشهر لا يمكن المساس بها، تحسبا لأي أزمة طارئة في البورصات العالمية أو اندلاع حروب إقليمية أو تراجع في مستوى رصيدنا من العملة الصعبة اللازمة لاستيراد القمح، فنجد لدينا ما يسترنا من القمح إلى أن تنتهي الأزمة، وفي نهاية شهر مارس من العام الماضي وقبل بدء موسم توريد القمح المحلي بأسبوعين فقط كان قد تم سحب كامل مخزون مصر الاستراتيجي من القمح في مخاطرة غير مبررة ولم يتجاوز رصيد مصر من القمح في نهاية الشهر ما يكفينا إلا لأقل من أسبوعين فقط، ووصل الأمر إلى وجود رصيد لثلاثة أيام فقط في ٩ محافظات!!، الأمر كان مستغربا وكان يستوجب محاكمة الوزير وفورا للمخاطرة باستقرار مصر ورغيف الشعب المصري، إلا أن الأمر كان مدبرا وبترتيب إجرامي قبل موسم توريد القمح لإخفاء جريمة قادمة كلفت الخزانة العامة للدولة ١٫٨ مليار جنيه مصري في فساد غير مسبوق لمنظومة توريد القمح المحلي.


كشف قرار وزير التموين بتحديد مواصفات استلام القمح المحلي على أمرين بالغي الخطورة وليس لهما سابق تطبيق في مصر، الأول هو النص وبوضوح على عدم رفض القمح القادم للشون والصوامع والمصاب بالحشرات والسوس «حفاظا على المال العام!!»، وبالطبع لا يمكن للقمح القادم من الحقول مباشرة والخارج للتو من سنابله أن يكون مصابا بالحشرات والتسوس والتي تصيب القمح في المخازن بسبب طول فترة التخزين، وثانيا أن ينص القرار على أنه حفاظا على المال العام! رغم أن القمح المصاب بالتسوس والحشرات ما زال مالا خاصا ملكا للتاجر أو المورد ولم يصبح بعد ملكا للدولة ولا يمكن للدولة أن تضحي بمالها العام في قمح مسوس ومصاب بالحشرات لأن الوزير أراد أن يوهمنا أنه مال عام، رغم أن الدولة من حقها أن ترفضه، بل إن تصادره وتحول صاحبه إلى النيابة للمحاكمة في تهمة غش وتدليس، وهنا يكون الحفاظ على المال العام هو مصادرة القمح لصالح الدولة ومحاكمة الفاسدين وليس دفع المال العام للدولة للفاسدين أو لشراء قمح فاسد مصاب بالسوس والحشرات.


الأخطر وهو المعد سلفا للتمهيد لمنظومة فساد التوريد بتجريف مخزون مصر الاستراتيجي من القمح هو إبلاغ المسئولين في الدولة بحتمية السحب من القمح المحلي أثناء موسم التوريد بسبب عدم وجود قمح في مصر!! وعدم الانتظار حتى نهاية موسم التوريد وإجراء عمليات الجرد السنوي بمطابقة المدفوع من المال العام مع الموجود من القمح بالشون والصوامع، وبذلك يكون تم إجهاض عملية الجرد السنوي المعتادة لإخفاء أي توريد وهمي أو توريد لأقماح مستوردة على كونها أقماحا مصرية محلية بعد إخفاء كل معالم الجريمة، بالإضافة إلى أن السحب من القمح المحلي أثناء موسم التوريد يمكن أن يؤدي إلى جريمة أخرى وهي ازدواج التوريد بمعني أن سيارة القمح المحلي التي تخرج من شونة أو صومعة قمح في محافظة المنوفية على سبيل المثال يمكن أن تذهب إلى صومعة أو شونة أخرى في في محافظة القليوبية مثلا أو في الجيزة وتورد مرة أخرى على أنها قمح قادم من الحقول، ثم يتم إرسال حمولة أخرى من القمح المستورد إلى المطاحن على كونها قمحا محليا والتوقيع من المطحن على وثيقة استلام هذا القمح المستورد على كونه قمحا محليا، وإلا سيكون الجزاء حرمان المطحن من أي حصة مستقبلا وخروجه من منظومة رضاء الوزارة عنه وربما إغلاقه، هنا يظهر أن القمح نفسه تم توريده مرتين وتم سداد ثمنه مرتين وحل محله قمح مستورد أقل بألف جنيه في السعر لكل طن، وتم إخفاء أي معالم للجريمة بإجهاض عملية الجرد السنوي لأن القمح الطازج يتم السحب منه يوميا بسبب عدم وجود مخزون استراتيجي من القمح في مصر مع زيادة الاستهلاك الشهري من القمح إلى ٩٥٠ ألف طن بدلا من ٧٠٠ ألف طن في المعتاد، وبذلك تحولت هذه الجريمة إلى جريمة جديدة باستخدام الجريمة الأولي لتجريف المخزون الاستراتيجي من القمح في تحقيق أرباح بجريمة ثانية اسمها التوريد المزدوج والوهمي للقمح، ثم إحلال القمح المستورد بالقمح المحلي والاستفادة بألف جنيه عن كل طن مزور اعتمدتها الدولة لدعم فلاحيها الفقراء فذهبت إلى جيوب الفاسدين.


لم يكن من المستغرب في نهاية موسم التوريد أن يعلن وزير التموين عن ارتفاع القمح المحلي المورد للوزارة في العام الماضي إلى ٥.٥ مليون طن بدل من الثابت خلال السنوات الخمس السابقة لتولية المسئولية عند مستوي ٣,٧ مليون طن فقط بفارق ١,٨ مليون طن دون وجود أي مبرر لهذه الزيادة بأن تكون تمت زيادة المساحة المزروعة بالقمح أو استخدام تقاوي جديدة من القمح عالية الإنتاجية أو توزيع الأسمدة مجانا على المزارعين وأي من هذه الأمور لم تحدث، وزير التموين خرج علينا مبررا زيادة التوريد غير المبررة للقمح في العام الماضي بأن الفلاح قد اطمأن على رغيفه بعد منظومة الخبز الحالية، وبالتالي لم يعد في حاجة إلى احتجاز كميات من القمح المحلي لخبز رغيفه وقام بتوريد قمحه كاملا، بما أدي إلى القفزة التوريدية في القمح غير المبررة، وبما يوضح دفاع الوزير عن فساد منظومة التوريد واختراع حجج للتبرير دون أن يفكر ولو للحظة للتأكد من فساد أو صحة المنظومة لأنه شارك فيها وخطط لها، من البداية وأعد لها تماما واستعد بالمبررات، هذا الأمر مردود عليه بأن التوريد هذا العام من القمح المحلي قد انخفض إلى٤.٨٥٠ مليون طن فقط بانخفاض ٦٥٠ ألف طن عن توريد العام الماضي فهل هذا يعني فقدان الفلاح الثقة مرة أخرى في منظومة رغيف الخبز وعودته إلى تخزين جزء من قمحه مرة أخرى لخبز رغيفه؟!، الغريب في الأمر أن وزير التموين وبلا شفافية خرج علي الشعب المصري ليقول إن توريد القمح هذا العام قد زاد بنسبة ٢٥٪ عن المستهدف استلامه وهو ٤ ملايين طن من القمح؟!! الوزير يتصور أنه يتعامل مع شعب لا يفكر ومع متخصصين غائبين ومسئولين لا يتابعون، فكيف تكون الوزارة قد تسلمت في العام الماضي ٥.٥ مليون طن من القمح ويكون المستهدف هذا العام هو ٤ ملايين طن فقط؟! ولمَ لم يعترف الوزير بانخفاض التوريد هذا العام عن العام الماضي وأخذنا في سكة المستهدف بعيدا عن الشفافية؟! وهل كان تحديد المستهدف بأربعة ملايين طن فقط اعترافا ضمنيا من وزير التموين بفساد منظومة توريد القمح في العام الماضي وأن الطفرة التوريدية خادعة وفاسدة؟! وبالتالي عودتها إلى رقم ٤ ملايين طن فقط قريبة من الثابت خلال خمس سنوات وهو ٣,٧ مليون طن فقط؟! وهل كان الوزير ينتوي بعدم تكرار فساد منظومة توريد العام الماضي، ولكن، معاونون في هيئة السلع التموينية والصوامع التابعة للوزارة (والتي تسلمت وحدها ٦٠٪ من القمح المورد بدلا من ٢٠٪ في الأعوام السابقة) والشون الخاصة المستأجرة من صوامع وزارة التموين بلا مبرر لأن صوامع الوزارة كانت خاوية وتسمح بتخزين القمح المحلي، إلا أنها فضلت استئجار صوامع وشون قطاع خاص لغرض في نفس يعقوب وهو أنه عند الضبط يتم إلقاء المسئولية على صاحب الصومعة أو الشونة، متناسين أن لجان الوزارة توقع على محاضر الجرد ومخزون هذه الصوامع والشون من القمح، الأمر الثابت حقا أن نجاح منظومة فساد توريد القمح في العام الماضي وتحقيقها لأرباح ليس بأقل من ١,٨ مليار جنيه تتسع للتوزيع على العديد من الفاسدين وتحول كل منهم إلى مالتي مليونير في زمن قليل وفي غفلة من الدولة.


في نهاية موسم التوريد في العام المنتهي وبعد أن أبلغنا جميع الجهات الرقابية بما حدث من فساد التوريد وأن السحب أثناء التوريد هو أساس كل فساد، فصدرت الأوامر هذا العام بعدم السحب مطلقا من القمح المحلي إلا بعد نهاية موسم التوريد وإجراء عمليات الجرد ومطابقة المدفوع من أموال الدولة على الموجود فعليا في الصوامع والشون، مع مطابقة تقارير لجان الجرد الصورية التي ذهبت لتوقع وبتعليمات بأن كل شىء تمام، بل إنه تم التصديق على كميات من القمح موجودة في الصوامع والشون تقدر بثلاثة أضعاف الكميات الفعلية الموجودة في هذه الصوامع!!


وفي مواجهة من البرلمان لوزير التموين بفساد الصوامع والشون التي تم جردها والتي تجاوز الفساد بها ٢٥٠ مليون جنيه مصري وقف، وبدلا من أن يقف وزير التموين بجوار الشعب ويطالب لجنة تقصي الحقائق بالتفتيش وإصراره على كشف الفساد مهما كان مرتكبوه، وقف يعجز ويحبط أعضاء البرمان ويقول لهم إن جرد خمسة ملايين طن من القمح أمر مستحيل ولا يمكن تحقيقه ويحتاج الأمر إلى جيوش بينما حقيقة الأمر أن هناك نحو ٢٠٠ صومعة وشونة وهو عدد صغير يمكن جرده والتحقق من الفساد بها، ولكن الوزير كعادته أخذ اللجنة إلى كم القمح وليس إلى عدد الصوامع والشون، متناسيا أن كمية القمح الفعلية لن تزيد عن ٣,٧ مليون طن فقط وهو يعلم ذلك تماما وليس ٥ ملايين طن كما يدعي ويدافع ثم يقول بعد ذلك إنه غير مسئول عن هذا الفساد، بينما يشير ويوضح عن مسئولية الوزير الكاملة والضمنية والإشرافية عن منظومة الفساد.


منظومة الفساد بدأت من العام الماضي وأدى نجاحها ومرورها إلى إعادة تطبيقها هذا العام لولا يقظة الجهات الرقابية والتي يحاول الوزير اشتغالها وطرح ادعاءات لا تلاقي قبول أي متخصص ولا أي مسئول، تجريف المخزون الاستراتيجي من القمح في العام الماضي وتعريض الاستقرار المجتمعي لخطر داهم ثم فساد منظومة توريد القمح لا ينبغي أن تمر مرور الكرام أبدا، ومستعدون بالمستندات والوثائق التي تثبت هذا الفساد.


 



آخر الأخبار