من ابن الفلاح إلى ابن البوسطجى..

20/07/2016 - 9:22:14

  حمدى رزق حمدى رزق

بقلم - حمدى رزق

وكيف يكتب من لم يعش أيام ثورة يوليو عن ثورة لم يرها، ولم يعاصر أحداثها، ولم ير رؤية العين نظرة قائدها، وكيف يصير من دراويشها، ويعيش على ذكراها، ذكريات عبرت أفق خيالى بارقًا يلمع فى جنح الليالى.


هو أنا ومثلى كثير من أولاد الطيبين الكادحين الشقيانين العرقانين الذين منحتهم ثورة يوليو أملا فى الحياة، وفتحت الطريق سالكًا ليتحصلوا على حقوقهم المهدرة فى بلاط الملك، من قال لهم خالد الذكر جمال عبد الناصر، «ارفع رأسك يا أخى فقد مضى عهد الاستعباد».. فرفعوا الرؤوس ليبصروا حقهم فى الحياة.


هو أنا ومثلى كثير ولدوا والثورة قايمة والكفاح دوار، تربوا على لبان العزة والكرامة والوحدة العربية التى لا يغلبها غلاب، ونار على الاستعمار، وهـذه أرضـى أنـا وأبـى ضحّى هـنـــــــــا، وأبى قال لنــــــا مزقــــوا أعـداءنـــا، أنـا شعبٌ وفدائـىٌ وثـــــــــــــــــورة، ودمٌ يصنع للإنســــــــــــــــــان فجْرهْ، تـرتـوى أرضـى بـه مـــــــــــن كل قطرة، وستبقى مـصرُ حـرة مـصر حـــــــــــــرة.


أنا هو ومثلى كثير، من تلقى تعليمه بالمجان، ومكافأة تفوق تعينه على الحياة، وسكن فى المدينة الجامعية يقيه التشرد فى شوارع العاصمة الكبيرة، وجلس جنبًا الى جنب مع أولاد الأكابر، كانت فى أفواههم ملعقة ذهب، وفى فمى طعم الحياة حلو المذاق، عيش بالأمل، متى كان التعليم لأولاد الفلاحين حقًا، متى كان التوظيف لأولاد العمال أملًا، متى كان لنا نصيب من الحياة فى الوطن، متى كان الأجداد محسوبين كبشر لهم حقوق وعليهم واجبات؟.. يا سادة إنها ثورة الفقراء الذين أنصفهم ناصر، كان الله يرحمه نصير الضعفاء.


هو أنا ومثلى كثير، منهم من تحصل والده على خمسة أفدنة بعقد تمليك أخضر، أول مرة فلاح مصرى يملك طينًا، قبلها كان مغروز فى الطين حتى رقبته، ويشيل الطين، وطين البرك على كعابه المشققة من لفحة أرض الهجير، ويخدم فى الوسية، وزوجته تخدم فى بيوت أصحاب الطين خدمة العبد للسيد، كان يزرع وغيره يحصد حبات العرق من على جبينه، يبيع تعبه وشقاه فى المزاد الكبير، أخيرًا أكل والدى مما زرعت يداه، وكفاه سؤال اللئيم.


أنا هو ومثلى كثير، منهم من تحصل والده العليل على معاش، وعاش بجنيهات المعاش، جنيهات تقيم صلبه، وتعينه على الحياة، وربى أولاده من حلال، وعاش على سيرة الثورة، مخلصًا، إنها ثورة شعب، ثورة ابن الشعب، ناصر والضباط الأحرار، ويقص علينا الجد الطيب ما تيسر من مرور طيف ناصر على الزراعية، كانت الناس تتوق للرؤية، وتحتشد على الزراعية، وترفع أكفها سلامًا وتحية، وناصر كالمارد يطل من باب القطار، بتنط من عينيه الفرحة، وهو بين أهله وناسه، بين الأحباب، يتشمم رائحة العرق المنسابة على سلسلة الظهور المنحنية فى الحقول، بنى وطنى.


أنا هو ومن غيرى، وكان نسيًا منسيًا فى عزبة قصية فى مدينة مختفية من على خارطة القطر الكبير، فشب عن الطوق فإذا بناصر يخبره من القبر يا بنى إن التعليم حق لكم كالماء والهواء، وإن المصريين جميعا أمام القانون سواء، وما نيل المطالب بالتمنى ولكن تأخذ الدنيا غلابا.


منحنى ابن البوسطجى، منح ابن الفلاح جواز مرور إلى العاصمة الكبيرة، وكانت العاصمة ووظائفها حكرًا على أبناء الأعيان، صار ابن البوسطجى رمزًا كريمًا، نتقفى أثره فى المشوار الصعيب، وصار علمًا منقوشًا على القلوب فى الصدور، وصار بيت شعر مغنى، ويا جمال يا مثال الوطنية.


أنا هو ومن غيرى وهو يرفل فى رغد الحياة، التى أتاحها هنية ناصر للأولاد والأحفاد، نعم والدى لم يشاهد عبد الناصر، ولم يحادثه إلا فى الحلم الأخضر، الله يرحمه ويبشبش الطوبة اللى تحت راسه جمال عبد الناصر بن حسين، ولكن كان يعيش ناصر وثورته بكل جوارحه، لم يكن يقرأ الكتاب، ولكن حفظ الميثاق، مات دون أن يرى غيره رئيسًا وزعيمًا.


أنا هو ومثلى كثير، من مشت والدتى فى جنازته خلف نعشه وهى تندب رحيل الأب والأخ الكبير، والعزوة والسند والجمل، جمل الحمول، نعته يومها وكأنها تحفظ ما جادت به قريحة المعدة من العديد، ولو سجل العديد فى رحيل الزعيم لكان كتاب الحزن يفطر الوجدان، ماتت أمى وهى تدعو لناصر، لأنه لم يبخل عليها، كان إنسانًا، وتلونت ثورته بالإنسانية والكرامة الإنسانية التى كان ذروة سنامها عطفته على الفقراء.


هو أنا ومن غيرى لم يسمع من خطبه بالأبيض والأسود إلا كل اعتزاز بهذا الشعب العظيم، لم يكن يعيرهم بفقرهم وهو ابن الفقير إلى الله، وكان يحبهم لله فى لله، كان مفطورًا على حب الفقراء، وأنا منهم، وأنت منهم، وهو منهم، سمعت منه وعنه ما هو طيب، طيب السيرة، طيّب الله ثراه.


مجددًا، لماذا أكتب والرفاق فى موعد مضروب من كل عام عن ثورة لم نرها، الشوف مش نظر، الشوف الحقيقى وجهة نظر، وعذرنا أن فى وجهنا نظر، والأعمى ليس أعمى البصر هو أعمى القلب والنظر، نكتب ونشعر ونتذكر ثورة يوليو ليس حنينًا نستولوجيًا إلى ماضٍ مضى عليه نصف قرن ونيف من السنين، لكن لأن آثارها باقية، معلمة فى جسد مصر، كالشامة الحسنة فى الوجه الحسن، تنيره.


لماذا أكتب، ومن غير ناصر يستحق الكتابة، والثورة الأم خليقة بالذكرى العطرة، والأعلام مرفوعة فى ميدان التحرير، تهتف بسماها وبترابها، والشعارات تصدح بالمعانى التى جسدتها ثورة الأجداد، وأحفاد مخلصين للمعنى الكامن فى ثورة الفقراء، وصوت عبد الحليم يدوى «ناصر يا حرية، ناصر يا وطنية، يا حرية يا وطنية يا روح الأمة العربية.


أكتب، لأننا رأيناها حلمًا فى عيون الآباء، وسمعنا الهتاف من حكى الأجداد، وتجسدت فينا، هذا ضابط، وهذا طبيب، وهذا مهندس يفوت على الصحراء تخضر، أكتب مترحمًا على ناصر، لو عاد بنا الزمان لخرست أفواه صارت تمضع علكة أمريكية الصنع، وتعمد إلى إعادة عجلة الزمن إلى الوراء، تبعية واستعمار.


طالما فى مصر جمال محال، وطالما تنبت الأرض الطيبة رجال من طينة ناصر محال، ومحال ننسى جمال وثورة الضباط الأحرار، وثوار أحرار هنكمل المشوار، لازم نكتب لأن الإخوان الذين يلعنون جمال، تمثلوا شعاره «ثوار أحرار هنكمل المشوار».. وهم عبيد المرشد ويكرهون جمال كراهية التحريم، ألف رحمة ونور على نور العيون جمال عبدالناصر.. يا جمال يا مثال الوطنية أجمل أعيادنا المصرية.