قريبا من «ديمقراطية» قضى عليها الضباط الأحرار

19/07/2016 - 11:13:34

سعد القرش سعد القرش

سعد القرش

قبل سنوات قرأت ترجمة لكتاب جابرييل باير «تاريخ ملكية الأراضي في مصر الحديثة 1800 ـ 1950»، فأغراني ببحث متواصل في مجالات معرفية وتاريخية أخرى، سياحة أفادتني في تقصي السياق التاريخي الخاص بزمن روايتي «أول النهار». فرق كبير بين قراءة حرة متأنية لا تبغي التوصل إلى نتيجة محددة، وإطلاق حكم انفعالي حاسم، مضاد لفكرة «البحث» في تشككه الدائم، فيعلو صوت مؤكدا أن ثورة 25 يناير 2011 أنهت ستين عاما من الحكم العسكري، وتسعى لاستعادة «الديمقراطية» المغدورة في حقبة الليبرالية (1923 ـ 1952)، قبل «انقلاب» الضباط الأحرار، واستيلائهم على الحكم. يتجاوب مع هذه المقولة لغو آخر عن الانقلاب على ديمقراطية أثمرتها ثورة 25 يناير، باختيار رئيس مدني، لم يستمر حكمه إلا عاما واحدا، وانتهى في 30 يونيو 2013.
في فترات التحولات العاصفة عقب الثورات، تتصارع القيم القديمة متسلحة بآليات راسخة وجيوش ممن تطمئن قلوبهم بالاستقرار، مع جديد لا يملك أحيانا إلا الحماسة لهدم الأوثان، قبل امتلاكه وسائل البناء. وتستمر التفاعلات زمنا قد يطول وفقا لموزاين القوى.
اليمين الديني يعادي 30 يونيو، ولا يؤمن أصلا بالديمقراطية. يعتقد يقينا أنها ـ 30 يونيو والديمقراطية معا ـ من وجوه الكفر وأبوابه، ربما يتغاضى عن مبدأ الكراهة الفقهية، بوازع أن الديمقراطية «سلم» يحمله إلى الحكم، يجب يتخلص منه، فترفع الأقلام. أما كارهو 23 يوليو الزاعمون بأنها أجهزت على الديمقراطية، فينتمون إلى بقايا طبقة متوسطة صعدت مع الاستقلال الوطني بعد 1952، وبهذا الحكم الإطلاقي الانفعالي يهدرون تفاعلات وتفاصيل لم يفلح سطح يطلق عليها استسهالا «الليبرالية» في طمسها، وهذا يمكن مناقشته. ولكن ما يستعصي على النقاش حالة مريضة تستدعي التحليل النفسي، لتفسير الانتكاسة العقلية والرغبة في قتل أب مات قبل نحو خمسين عاما، ويمثل هذه «الحالة» من كانوا أبواقا لحركة الضباط الأحرار، يقرعون الأجراس لجذب انتباه «العسكر» وخصوصا جمال عبد الناصر، ولا يخلو الأمر من إشادات نثرية وشعرية وتنظيرية سارعوا إليها تطوعا، ويمثل جمع هذه القصائد حاليا ديوان «المدائح الناصرية». وقد تصالح بعضهم مع عصري أنور السادات وحسني مبارك، انسجموا بمجرد التلويح بمقال أسبوعي في «الأهرام»، وتماهى البعض فخدم سيدتيْ العهدين، جيهان وسوزان، فصار للمهزلة سببان وجيهان. ثم جاءت 25 يناير كفارة ظاهرية، فرصة للانقضاض على 23 يوليو باستعارة معاول 25 يناير، وقبل الإفاقة فوجئوا بممثل الجيش بعد 30 يونيو 2013، فأسقط في أيديهم، وكفوا عن سباب «حكم العسكر»، وانتكسوا إلى النحر في جذور شجرة يوليو 1952؛ لأن بطلها غائب في حضوره لدى المبصرين بقلوبهم.
حتى غير ذوي البصائر سيتوقفون أمام الحقائق. سيتساءلون عن غرس الليبرالية والديمقراطية في نظام إقطاعي أقرب إلى العبودية، إقطاع زراعي سياسي ينتمي إلى العصور الوسطى. دولة منزوعة السيادة تقع تحت احتلال مزودوج تمثله أسرة محمد علي وبريطانيا، وحركة ثقافية تفتقد إلى الرشد، لا تتفاعل مع شعب يعاني الفقر والجهل والحفاء، وواجهة سياسية تتحصن باستبداد كبار الملاك. يقول جابرييل باير: «لم يكن للديمقراطية ما يذكر لأن من يتسلطون على البرلمان كانوا أصحاب الملكيات الكبرى، وكان من اليسير عليهم أن ينتخبوا، ويعاد انتخابهم بأصوات أولئك الجهلة من الفلاحين الأذلاء». وقد رسخ دستور 1923 مبدأ الطبقية؛ فالمادة 78 تشترط أن يكون عضو مجلس الشيوخ من الطبقة العليا أو «الملاك الذين يؤدون ضريبة لا تقل عن مائة وخمسين جنيها مصريا في العام. من لا يقل دخلهم السنوي عن ألف وخمسمائة جنيه»، ثم نصت المادة 81 من دستور 1930 الملكي الانقلابي على أن يتوفر للمرشح لمجلس النواب «شرط نصاب مالي» يحدده القانون. وهذا كله ترف؛ فأكثر من 90 بالمئة من الشعب لا يملك هذه الأرقام ولا يسمع بها، لكي يظل وقودا يحسم المعارك الانتخابية، ثم يذهب إلى النسيان.
كان الإقطاعيون أهل حظوة، نالوا ثقة محمد علي وبنيه. رسخت «الإقطاعيات» أوضاعا طبقية قاسية، خادشة للكرامة الإنسانية، وترتبت عليها نتائج سياسية لم تهذبها طموحات ثورة 1919. ظل كبار الملاك هم الحكام التنفيذيين ونواب الشعب في البرلمان. لم يكن تعميم التعليم يشغل بال القصر والإقطاع؛ لأن الوعي العام سيتكفل بإنهاء هذا الحكم الجائر، واقتصر التعليم على أبناء القادرين وبعض المتفوقين من أبناء الطبقة المتوسطة. كما كان للترقي في الجيش بعد طبقي، من أحمد عرابي إلى عبد الناصر. عبر ثغرة سمحت بصعود أبناء كبار الملاك في الجيش تفجرت، بقيادة عرابي عام 1881، شرارة أول ثورة دستورية في مصر والعالم العربي، ثم سمحت معاهدة 1936 لأبناء الطبقة الدنيا وصغار الموظفين بالالتحاق بالكلية الحربية، وقادت الدفعة الأولى حركة التغيير عام 1952.
أسفر العصر «الليبرالي» عن حصاد غير ديمقراطي، فحزب الأغلبية «الوفد» ـ الضامن للأغلبية في أي انتخابات ـ لم يحكم إلا ست سنوات. جرت عام 1925 كوميديا سياسية، لم يهنأ «الوفد» بفوزه، فلم يعش البرلمان إلا بضع ساعات، وصدر مرسوم بحله مساء يوم انعقاده. وفي عام 1928 عطل رئيس الوزراء «المعيّن» محمد محمود العمل بدستور 1923، وبعد عامين ألغى الملك فؤاد الدستور المعطل، وأصدر دستورا جديدا. يسجل سلامة موسى في «كتاب الثورات» أن مصر حكمت حكما نيابيا 4260 يوما من 8695 يوما، أي أنها حكمت 4435 يوما (أكثر من 12 عاما) منذ إنشاء النظام البرلماني بلا برلمان.
كان السفير البريطاني مايلز لامبسون (لورد كيلرن) يطلق على الملك فاروق لقب «الصبي»، وفي 4 فبرير 1942 سلمه إنذارا مكتوبا، يأمره بأن يكلف مصطفى النحاس بتشكيل الوزراة، أو يتنازل عن العرش. هو نفسه الملك الذي أقال شيخ الأزهر عبد المجيد سليم بسبب قوله: «تقتير هنا، وإسراف هناك»، في إشارة إلى بذخ الملك في سياحته بالعواصم والمنتجعات الأوروبية. يذكر سلامة موسى أن الملك فؤاد حين تولى العرش عام 1917 لم يكن يملك «ألف جنيه خالصة، ومات عن الملايين»، ويسجل الكاتب الأمريكي وليم ستادين في كتابه «فاروق ملك مصر: حياة لاهية وموت مأساوي» أن فؤاد صار أغنى رجل في مصر بعد مصادرته الأراضي والعقارات لصالحه «وكان يملك بمفرده سبع مساحة الأراضي الصالحة للزراعة.. ورث فاروق ثروة تقدر بأكثر من مئة مليون دولار أمريكي مستثمرة في أوروبا وفي مصر»، وأن الملايين كانت «تضيع على المصريين فوق موائد القمار بنادي السيارات الملكي وفي نفس الوقت يعاني 80 بالمئة من الفلاحين المصريين من البلهارسيا والرمد».
لم يكن طه حسين مضطرا إلى أن يكون أول من يطلق على 23 يوليو 1952 صفة «الثورة»، ويعلن في مقال نشرته «البلاغ» في 5 أغسطس 1952 فخره بأن «مصر قد ضربت للعالم الحديث مثلا رائعا بثورتها.. المصريون جميعا.. إنما يثرون اليوم ليحققوا الإصلاح الذي حال الطغيان والاستعمار بينهم وبين تحقيقه».
من يتجاهل طبائع الاستعباد في «العصر الذهبي لليبرالية» يشبه المرضى بالحنين إلى «العصر الذهبي للفن»، إلى ما يتخيلونه خلوّ بال للفلاح، استنادا إلى أغنية «محلاها عيشة الفلاح»، لحن «مطرب الملوك والأمراء» عبد الوهاب وكلمات بيرم التونسي، وغناء أسمهان عبر شفتي الراقصة بديعة صادق باستخدام الدوبلاج، في فيلم «يوم سعيد» عام 1940. كان مخرج الفيلم محمد كريم يأمر بغسل الجاموسة قبل التصوير؛ ربما قام بذلك فلاح يمسك الصابونة للمرة الأولى، لا يهم، فالأهم أن تكون «الصورة» على الشاشة حلوة، كما تبدو للبعض الصورة المتخيلة للعصر الذهبي لليبرالية مجتمع النصف في المئة.