الحياة « الديمقراطية » قبل ثورة 23 يوليو 1952

19/07/2016 - 11:12:24

عبد العزيز جمال الدين - كاتب مصري

في خضم ثورة 1919 عندما دفع الإنجليز بوزارة يوسف وهبه باشا القبطي لكسر الطوق الذي فرضته الحركة الوطنية بزعامة سعد زغلول عليها، ورفض التفاوض معها إلا بشروطها، فطن المصريون الأقباط إلى هدف سلطات الاحتلال فقام شاب وطني قبطي باغتياله، كما دفع الأقباط بمشاركاتهم فى الثورة إلى آفاق جديدة تدل على الذكاء والابتكار، فإلى جانب التوقيع على تفويض الوفد المصري بالتفاوض مع الإنجليز من أجل الجلاء، قام القساوسة بالتحريض على الثورة داخل المساجد، بل دخلت السيدات المسيحيات المساجد وألقين الخطب، كما حدث فى يوم 24 أبريل عندما استقبلت لجنة من المسلمات فى مسجد السيدة زينب وفدا من السيدات القبطيات أتين للشكر على التهنئة بعيد الفصح، وألقيت الخطب من المصريات مسيحيات ومسلمات مما لم يسبق له نظير.
وعندما حدثت عام 1921 استقالات بعض أعضاء الوفد بسبب خلافاتهم مع سعد زغلول لرفضه وزارة عدلي باشا، لم يبق معه سوى مسلم واحد هو مصطفى النحاس، وثلاثة من الأقباط: واصف بطرس غالي بك، سينوت حنا بك، ويصا واصف بك. وبذلك بقي الوفد بتشكيله الوطني على صورة لم تخطر على بال أشد الحالمين قبل ثورة 1919، مسلمان وثلاثة من الأقباط! أي بقي الوفد الذي يمثل الوحدة المقدسة، وحول هذا التكوين الجديد التفت غالبية الأمة المصرية بعد أن تدعمت هويتها لتنجز دستور 1923 الذي قنن للمرة الأولى فى تاريخ الأمة المصرية هويتها وحقوق المواطنة لكل المصريين، وحقهم فى التعددية الحزبية، وكذلك حرية الاعتقاد.
عقب الثورة لم يجد الاستعمار البريطاني بدا من الاتصال بسعد زغلول. وكان هذا أول كسب شعبي للثورة، وقوى عزائم المترددين، وأزعج من كانوا قد رتبوا سلوكهم على أساس أن الثورة فاشلة، وأنها توشك أن تخمد أو تتوقف، ويكون مصيرها ومصير زعمائها ما كان مصير مصطفى كامل والحركة العرابية وزعمائها. وظل المطلبان الأساسيان للشعب هما المطلبان الأساسيان له قبل الحرب العالمية الأولى، "الاستقلال والدستور". الأول موجه إلى المحتلين، والثاني موجه إلى السراي، وكلاهما مكمل للآخر. فلا يعقل أن يطلب الشعب الاستقلال ثم يرضى بأن يحكم حكما استبداديا. والطبيعي أن يسترد حقه فى السيادة استردادا كاملا من وجهتيه الخارجية والداخلية. واكتسح الوفد المعركة اكتساحا لم يسبق له مثيل. وجاءت النتيجة مفاجأة لكل المراقبين السياسيين. فاز مرشحو الوفد فى أكثر الدوائر.
واضح أن كلتا السلطتين (المحتل فى المقام الأول، وإرادة السراى فى المقام الثانى) أخذت تضيق بالوزارة، لما كان من مواقفها المضادة لإرادتيهما. ومن هنا بدأ الجو يشحن بالغيوم. فلما قام سعد زغلول بمفاوضة مستر رامسي ماكدونالد فى سبتمبر 1924‏ وانتهت المفاوضات بالفشل، أدرك الكل أن أيام الوزارة معدودة. ووقع فى 19 ‏نوفمبر 1924 ‏حادث الاعتداء على سردار الجيش المصرى وحاكم السودان العام، فاهتزت له البلاد وجرت الحوادث بسرعة مذهلة. فثارت سلطة الاحتلال، ووجهت إنذارا حمله اللورد اللنبي فى مظاهرة عسكرية كبيرة إلى سعد زغلول. وأدى الإنذار غايته واضطرت الحكومة الشعبية إلى تقديم استقالتها. ومن هنا جاء اختيار أحمد زيور رئيسا للوزارة وهو رجل مسالم للاحتلال والسراى، مجرد موظف ارتقى حتي بلغ منصب الوزارة، فلا شأن له بالشعب ولا شأن للشعب به. أما الوزراء، فكانوا طبقة من موظفين بيروقراطيين اعتادوا أن يؤمروا فيطيعوا.
انتخابات 1925
أجريت انتخابات جديدة، ودخلها الوفد والأحرار الدستوريون والحزب الوطنى وحزب الاتحاد الجديد وتدخلت فيها الإدارة جهدها ما استطاعت. وعلى الجملة لم تدع وسيلة ممكنة للوصول إلى غرضها المنشود إلا اصطنعتها. وعلى الرغم من كل هذا فقد ظهرت نتيجة الانتخابات وحصل الوفد على 116‏ مقعدا والأحزاب غير الوفدية على 87 ‏مقعدا.
وسرعان ما استصدرت الحكومة مرسوما بحل مجلس النواب تُلى فى الساعة الثامنة مساء اليوم الأول لاجتماع البرلمان وبذلك كان هذا المجلس أقصر المجالس النيابية عمرا فى مصر، وربما فى العالم كله، إذ إنه لم يعش أكثر من تسع ساعات، وقررت الأحزاب عقد البرلمان فى موعده الدستورى وهو السبت الثالث من شهر نوفمبر 1925 ومنعتهم السلطات من الاجتماع فى مقر البرلمان، فاجتمعوا فى فندق الكونتنينتال وأصدروا قرارات، منها الاحتجاج على تصرفات الوزارة واعتبار دور الانعقاد موجودا قانونا، كما قرروا عدم الثقة بالوزارة طبقا للمادة 60 ‏من الدستور.
وفى 23 أغسطس 1927 توفي سعد زغلول. فتركت وفاته فراغا هائلا إذ كان يمثل، بغير منازع الكتلة الشعبية الكبرى، ويقف كالجبل الراسخ فى وجه السراي، وفي وجه المحتلين ومهما تكن أخطاؤه التي يعدها عليه خصومه قبل ثورة 1919 وبعد قيادته لها، فلا شك أن حركة الجهاد الوطنى من أجل الاستقلال والدستور قد تركزت فيه وفرضت نفسها عليه. وانتهى الأمر باختيار مصطفى النحاس لهذه الرياسة.
وفى ذلك الوقت عرض عبد الخالق ثروت نتيجة مباحثاته فى لندن مع سير أوستن تشامبرلن على مجلس الوزراء فقرر فى 4 مارس 1928 رفضها. فلم يكن أمام ثروت إلا أن يستقيل. وخلفه مصطفى النحاس رئيسا للوزراء فى 17 مارس 1928. ثم أقال الملك فؤاد وزارة النحاس فى 25 يونيو 1928 وعهد بالوزارة الجديدة إلى محمد محمود فى 27 يونيو.
بدأت وزارة إسماعيل صدقى حكمها بتأجيل انعقاد البرلمان شهرا بداية من 21 يونيو، كما فعلت وزارة زيور سنة 1924، وكما فعلت وزارة محمد محمود سنة 1928، ولكن النواب والشيوخ اقتحموا دار البرلمان وحطموا السلاسل التى غلل بها الباب، وعقدوا اجتماعهم يوم 23 يونيو، ثم قام الوفد من أول يوليو بشن حملة واسعة فى القاهرة والإسكندرية والأقاليم لتعبئة الشعب للدفاع عن الدستور ولمقاطعة الحكومة. وعبأت الحكومة قوات عظيمة من الجيش والبوليس لقمع المظاهرات الشعبية بأقسي التدابير، وأطلقت الرصاص على المتظاهرين، وبلغ عدد القتلى عدة مئات. واستعان صدقى بالاستعمار فأرسلت بريطانيا بارجتين حربيتين إلى الإسكندرية بحجة المحافظة على أرواح الأجانب، ووقعت محاولة لاغتيال إسماعيل صدقى فى أغسطس 1930.
وفى 22 أكتوبر صدر الأمر الملكى بإلغاء دستور 23 وإعلان دستور جديد، وكان من وزراء حكومة صدقى حينذاك، الذين وافقوا على هذا الاعتداء على الدستور، علي ماهر، كما صدر قانون جديد للانتخاب، وقد حدث هذا الانقلاب المعادى للديمقراطية بموافقة وإذن الإنجليز. وقامت مظاهرات واسعة احتجاجا على الدستور الجديد. وقابلت حكومة صدقى المظاهرات الشعبية بالرصاص تطلقه قوات الاحتلال البريطاني. وفى يونيو 1931، أجرى صدقى الذى ألف لنفسه "حزب الشعب" الانتخابات على أساس دستوره الجديد، فكانت انتخابات تجرى فى حكم الإرهاب ومزورة وواجهت الحكومة حركة مقاومة واسعة انتظمت فيها الجماهير الشعبية والطبقة العاملة.
تبلورت حركة المقاومة الثورية حول العمال، وأعلن الاتحاد عدة مطالب قومية وديمقراطية مهمة هي:
أولا: إعادة دستور 1923 الذى أوقفه محمد محمود عام 1928، وألغاه إسماعيل صدقى فى بداية حكمه، وإعادة قانون الانتخاب المباشر الذى يضمن للطبقة العاملة ممارسة الحقوق الديمقراطية.
ثانيا: تحديد ساعات العمل.
ثالثا: إقامة نظام للتأمين الاجتماعى.
رابعا: نقل الاحتكارات إلى الدولة.
خامسا: إلغاء البدل العسكرى وجعل العسكرية إجبارية.
واتحدت القوى القومية مع القوى الشعبية اتحادا رائعا، وعلى الرغم من مقاومة الإنجليز وحكومة صدقى لتلك الثورة فقد استمرت الأعمال الثورية حتى سقطت حكومة صدقى فى سبتمبر 1933، وأعيد دستور 1923 فى نوفمبر 1934.
ما حققته احتجاجات 1930 من الناحية السياسية، أنها أسفرت عن استعادة دستور 1923، وعقد معاهدة 1936. ومع أن المعاهدة كانت أقل من الحد الأقصى للأمانى القومية فى مصر حينذاك، فإنها كانت – مثل تصريح 28 فبراير – خطوة مهمة فى طريق نضال الشعب فى سبيل الاستقلال، وأتاحت لمصر إمكانية التخلص من الامتيازات الأجنبية وصندوق الدين.
وفي عام 1946 بدأت المرحلة الثالثة من مراحل الثورة القومية فى مصر بنشوب الحرب العالمية الثانية، وبدء المرحلة الثانية من الأزمة العامة للاستعمار. ونشبت الحرب نتيجة للأزمة الرأسمالية العالمية التي استمرت منذ 1929، وبسبب التناقض بين الدول الاستعمارية القديمة وفي مقدمتها بريطانيا وفرنسا من ناحية، والدول الاستعمارية الحديثة، وفى مقدمتها ألمانيا وإيطاليا من ناحية أخرى. ودخلت الولايات المتحدة تلك الحرب إلى جانب الدول الاستعمارية القديمة للدفاع عن مصالحها النامية فى المستعمرات البريطانية والفرنسية فى آسيا وإفريقيا، وللاشتراك فى إعادة اقتسام العالم. وشهدت الفترة من سنة 1942 إلى سنة 1945 فى مصر ضغوطات شعبية حققت مكاسب أهمها إصدار قانون نقابات العمال وقانون عقد العمل الفردى سنة 1942، وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية عام 1945، كانت مصر تعانى آلام مخاض مرحلة جديدة فى ثورتها القومية.
وفي الوقت الذى كانت فيه القوى القومية والشعبية وقوى الطبقة العاملة تزداد اتساعا وإمكانية ونضالا، كان الاستعمار البريطانى يعانى أزمات متوالية نتيجة لهزائمه الكبرى خلال الحرب، ونتيجة لنمو الحركات القومية فى مستعمراته وخاصة فى الهند، كما كان الاستعمار البريطاني يواجه خطرا جديدا فى مصر والشرق الأوسط، وهو النفوذ الأمريكى. فسارعت بريطانيا بالموافقة على الدخول فى مفاوضات الجلاء مشترطة الاعتراف بضرورة استمرار التعاون على أساس "المشاركة الحرة الكاملة بين ندين.. للدفاع عن مصالحهما المشتركة" ولكن اللجنة الوطنية للطلبة والعمال رفضت تلك الشروط، وطالبت بالجلاء دون قيد ولا شرط، ونظمت اللجنة مظاهرات شعبية من الطلبة والعمال وأعضاء الطبقة المتوسطة ابتداء من 9 فبراير 1946 فى المدن والأقاليم. وسرعان ما اتخذت حكومة محمود فهمي النقراشي حينذاك أعنف التدابير ضد تلك المظاهرات، ووقعت حادثة كوبرى عباس المشهورة التى أدت إلى اشتداد سخط أكثر عناصر القوميين اعتدالا، وسقطت حكومة النقراشى وتشكلت حكومة إسماعيل صدقى بأمر السراي.
وأحس الاستعمار وصدقى بمدى القوة القومية الشعبية المعبأ، وأحس ـ بصفة خاصة - بمدى قوة تلك الوحدة القومية الشعبية التي تمثلها اللجنة الوطنية للطلبة والعمال، فبدأت حكومته– بمساندة الاستعمار والسراى – توجه ضرباتها إلى لجنة الطلبة والعمال وإلى طليعة القوى القومية الديمقراطية ممثلة فى شباب الوفد وبعض الصحفيين الأحرار، وقامت منذ 10 يوليو 1946 بحملة واسعة اعتقلت فيها عددا كبيرا من القوميين الديمقراطيين ومن طليعة القوى الشعبية.
وعلى الرغم من مساومات صدقى مع الاستعمار والسراى, وإرهابه للشعب، فما لبث أن سقط، وخلفه النقراشى ليواصل التفاوض مع الاستعمار. ولكن المفاوضات فشلت. وكان الملك والجيش يدعمان جماعة الإخوان وندبا بعض الضباط للاشتراك فى تدريبهم وأصبح واضحا أن نشاطهم العسكرى أو الشبية بالعسكرى يجرى بتشجيع من الملك والحكومة وتحت كفالتها. ولم تنقطع الحوادث الإرهابية عامي 1947 و1948 وبلغت ذروتها عام 1948 إذ قتل أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف فى 22 مارس 1947، وفى 25 أبريل 1947 حاول بعض الجناة نسف دار النحاس. وفى 4 ديسمبر قتل اللواء زكى حكمدار العاصمة. واشترك أشخاص منتمون إلى جماعة الإخوان فى أعمال الإرهاب فأصدرت الحكومة أمرا بحلها فى 28 ديسمبر 1948 حتى إذا كان يوم 28 ديسمبر، أطلق الرصاص على النقراشى ومنذ ذلك الحين والبلاد تنتقل من جريمة إلى جريمة ومن إرهاب إلى إرهاب أشد.
أجريت الانتخابات فى 3 يناير 1950 وحصد الوفد 228 كرسيا. ودهش البعض لهذا الفوز الساحق، وإن كان العارفون بطبيعة الصراع القائم وراء مظاهر الحوادث لم يتوقعوا نتيجة أخرى فإن النظام الذى قام فى مصر منذ 8 أكتوبر 1944 إلى يوليو سنة 1949 كان نظاما منقطع الصلة إلى حد كبير بالشعب. ومعتمدا فى أكثر الأحوال على نفوذ السراى فحينما دعى الناخبون إلى صناديق الاقتراع أعادوا الحزب المناوئ للسراى أو على الأقل الحزب الذى كان واضحا أن السراى ليست راضية عنه وكان مجرد الظن أو الإحساس أن مرشحا أو حزبا ترضى عنه السراى أو تؤيده كافيا لكى ينصرف عنه الناخبون.
القصر ينتهك الدستور ويدعم الاستبداد
مما لا بد أن يضعه الباحث نصب عينيه وهو يستقصى أدوار هذا الصراع الدستورى أن السراى فى سعيها للتحكم فى مفاصل الدولة كانت تكسب خطوات قصيرة نسبيا، ثم تستأنف سيرها فى فترات الحكم غير الشعبى وكانت هى الأطول، وقد كسبت السراى بالتقاليد والعادة وسكوت الوزارات والبرلمانات حق تعيين موظفى السلك السياسى بأوامر ملكية تصدر من الملك دون حاجة إلى إقرار من وزير الخارجية أو من الوزارة.
فالسياسة الخارجية كانت فى يد السراى عن طريق السفراء والوزراء الذين عينتهم وفى السياسة الداخلية كانت عيونها وكان رجالها فى كل مكان وقد جعلت همها أن تشدد قبضتها على البوليس والجيش فأصرت فى كل الحالات تقريبا وحتى فى عهود الوزارات الشعبية على تعيين أشخاص بالذات فى المناصب الكبرى. وفيما يتعلق بالجيش أصرت على تعيين اللواء محمد حيدر وزيرا للحربية فى الوزارة الائتلافية برياسة حسين سرى فى سنة 1949، وحيدر مفروض أنه رجلها وبقى فى منصبه حينما أعاد سرى تأليف وزارة حيادية فى 3 نوفمبر 1949 فلما أجريت الانتخابات واستقالت وزارة سرى فى 12 يناير 1950 وعهد إلى مصطفى النحاس تأليف الوزارة أصرت السراى أيضا على تعيين حيدر قائدا عاما للجيش. وهكذا أمسكت بكل خطوط الداخلية والخارجية وانتقل ولاء كبار الموظفين أو كثرتهم الكبرى من الدستور إلى السراى.
وضعت السراى يدها أيضا ومنذ أمد طويل على الأزهر والمعاهد الدينية فكان تعيين شيخ الأزهر والمفتى ومشايخ المعاهد الدينية وغيرهم من كبار الموظفين الدينيين يتم برأى السراى دون اعتبار لرأى الحكومة المسؤولة وحدها عن سياسة الدولة وتصريف شؤونها وهذا يعنى أن السراى وضعت يدها أيضا على القوة الروحية فى البلاد لمساندتها سياسيا. ثم كانت معركة تشريعات الصحافة دليلا آخر إذا أردنا أدلة على ارتخاء قبضة الوفد عن أنصاره فقد أرادت السراى تقييد حرية الصحافة وعهدت إلى أحد النواب بتقديم مشروعات قوانين ثلاثة وقدمها بالفعل وأحيلت إلى اللجان البرلمانية وما كادت نصوصها تذاع حتى ثار الرأى العام ثورة شديدة وكان أشد الثائرين الجناح المتقدم من الهيئة الوفدية والشباب الوفدى فحملوا لواء المعارضة إلى اجتماعات الهيئة.
وكانت الوزارة الوفدية أعلنت فى خطبة العرش سنة 1951 أنها ستلغى معاهدة 1936 إذا لم تؤد المفاوضات إلى ما يرجوه الشعب من إقرار مبدأى الجلاء والوحدة مع السودان. وكان لهذا البيان دوى القنبلة فى الشعب، فالتهبت حماسته، وغطت فرحته بهذا الإلغاء على الأخطاء التى ارتكبتها الوزارة فى شئون الحكم. وارتفعت الصيحة بالذهاب إلى القناة وإشعال المعركة الحاسمة بين الشعب والمحتلين. وتألفت كتائب من الفدائيين، قوامها الشباب وطلاب الجامعات وأخذ الجنود البريطانيون فى منطقة القنال يحسون وطأة المقاومة الشعبية. وانتهى الأمر بأن وضعت السلطات البريطانية يدها على منشآت السكة الحديد والمياه والكهرباء فى منطقة القناة، وهدمت بعض القرى وأخلت أخرى من سكانها.
وفي يوم الجمعة 25 يناير 1952، طلبت السلطات البريطانية إخلاء محافظة الإسماعيلية مما بها من جند وسلاح، ولم يكن فيها غير جنود البوليس العاديين، فأمرتهم الحكومة بعدم الامتثال للأمر، ودارت معركة فريدة انتهت إلى خاتمتها المحتومة، ولكنها تركت فى الشعب أثرا حاسما من الحقد والإصرار على القتال. وفي الصباح التالى قامت فى القاهرة مظاهرات من الشباب والطلبة والعمال، تهتف لأبطال الإسماعيلية وتدعو إلى الثأر وما كاد النهار ينتصف حتى بدأت الحرائق تشتعل فى بعض الأماكن العامة بالقاهرة. وما أوشك المساء، حتي أضحت القاهرة شعلة من النار. ولما ساءت الحالة فى المساء، ورأت الحكومة أن قوات البوليس ليست كافية لحفظ الأمن وإقرار النظام، طلبت إلى الجيش النزول للمعاونة على رد الأمور إلى نصابها، فلم يشأ قائده العام الفريق محمد حيدر أن يوافق على الأمر قبل الرجوع إلى الملك باعتباره تابعا للملك وليس لرئيس الوزراء. ثم أذاع مصطفى النحاس رئيس الوزراء أن مرسوما ملكيا صدر بإعلان الأحكام العرفية.
وفي اليوم التالى أقيلت وزارة النحاس، وعهد الملك إلى على ماهر بتأليف الوزارة الجديدة. وهكذا انتهز القصر الفرصة التي رآها مناسبة وتخلص من وزارة النحاس. وكان ذلك خطوة واسعة على الطريق إلى حركة الجيش فى 23 يوليو 1952 والتى أعلنت عن هدفها المباشر فى إعادة الدستور والحكومة الوفدية المنتخبة. وفى 26 يوليو تنازل الملك فاروق عن العرش لابنه القاصر أحمد فؤاد، وغادر البلاد.
وفى يومى 12 و13 أغسطس 1952 قمع إضراب عمالى فى مصانع الغزل والنسيج وأعدمت محكمة عسكرية العامليْن خميس والبقرى. وفى 17 سبتمبر ألغت الحركة دستور 1923. وفى أكتوبر أصدرت حركة الجيش قرار عفو عن جميع المعتقلين السياسيين والمحكوم عليهم فى قضايا سياسية ارتكبت فى الفترة من 1943 إلى 1952، واستثنى من ذلك الشيوعيون. وفى يناير 1953 يعتقل ضباط المدفعية المساهمون فى الحركة بسبب إصرارهم على عودة الحياة النيابية والدستورية، وعودة الجيش إلى ثكناته. وفى 17 يناير ألغيت الأحزاب السياسية. وفى 10 فبراير أعلن قرار بدستور مؤقت جعل فيه كل السلطات فى يد قائد الجيش لفترة انتقال مدتها ثلاث سنين. فى 18 يونيو ألغى النظام الملكى وأعلنت الجمهورية.
توالت الصراعات فأصدرت هيئة التدريس بجامعة الإسكندرية بيانا يطالب بإلغاء الأحكام العرفية وكافة التدابير الاستثنائية فورا، وحل مجلس قيادة الثورة وتأليف حكومة مدنية تتحمل المسؤولية أمام الشعب لحين اجتماع الجمعية التأسيسية فى 23 يوليو. كما عقد مؤتمر طلابى فى حرم جامعة القاهرة أعلن فيه تأليف جبهة الاتحاد الوطنية للطلبة التى طالبت بإلغاء الأحكام العرفية والإفراج عن المعتقلين السياسيين فورا وتأليف وزارة مدنية ائتلافية لإجراء الانتخابات وحل مجلس قيادة الثورة.