مصر .. من الثورة إلى البوتقة

19/07/2016 - 11:11:21

د. مصطفى نور الدين - كاتب مصري

لماذا عجزت ثورة ١٩٥٢ عن إدارة السياسة بالحوار واختارت الإقصاء والعنف في مواجهة التيارات السياسية المتواجدة في الواقع عشية الثورة؟ بعد تدقيق في عشرات الكتابات الجادة والشهادات عن الثورة، يمكن القول دون السقوط في حكم جائر، إن النية كانت مبيتة منذ اللحظات الأولى للثورة للقضاء على الأحزاب والحياة النيابية التي سادت واتخذت هذه النية آليات مراوغة حتى تضمن تمريرها وتجسيدها برضاء شعبي بعد تجريد الأحزاب من كل أسلحة المقاومة الشعبية والقانونية.
وما يستحق التفكر هو أنه على مدار تاريخ مصر منذ القرن التاسع عشر لم تتمكن أي قوى وصلت إلى السلطة من حل الصراعات مع القوى السياسية الأخرى إلا بالعنف. فهي سياسة تستمر منذ محمد علي ومذبحة القلعة والتخلص من الوطنيين مرورا بحل الأحزاب السياسية بعد شهور من قيام ثورة ١٩٥٢. منذ ذاك التاريخ وفلسفة الحكم الفعلية تتجسد في رفض كل اختلاف ولو داخل المشاركين في الحكم والمقربين والحلفاء. فالكل مطالب بالانصهار في بوتقة وإلا كان الجزاء هو الإبعاد في أفضل الحالات أو الاعتقال "كسياسة عادية"، والتعذيب أو الإعدام، كل ذلك بدعوى الحفاظ على الدولة والمجتمع بالنظر إليهما ككيان واحد إذا انتفى أحدهما ضاع الآخر.
ففي كل من تلك الممارسات السياسية بدا مستبعدا قيام سلطة إلا بنفي نقيضها كلية من العمل السياسي وإحكام إبعاده نهائيا. في كل المرات غابت السياسة وكانت القوة هي الأسلوب. ولكل فترة ولكل تجربة سياسية معطياتها التاريخية حينما لجأت لهذا المسلك الأحادي وتقديم تبريراته التي قد نقبلها أو نرفضها.
قامت "الحركة المباركة" في مجتمع منكسر بعد النكبة، ثائر على الاحتلال، غاضب من أحزاب تتشاحن فيما بينها. تتهادن مع المستعمر ومع القصر تشغلها مصالحها أكثر من مصالح المواطنين. تحرق القاهرة ويمارس الاحتلال مذبحة الإسماعيلية ضد قوات الشرطة. مجتمع يسوده فساد الملك وصراعه مع الجيش.
كيف تعاملت ثورة يوليو مع التعددية الحزبية والنيابية؟ هل كان هناك من سبيل آخر؟ السؤال شديد التعقيد والرد عليه نسبي لأنه يستحيل إعادة عقارب الزمن للوراء لرؤية ما كان يمكن أن يحدث لو سلكت الثورة طريقا مختلفا. الرد معقد عندما ندرس ممارسات الأحزاب قبل سقوط الملكية وتناقضاتها ورؤاها السياسية في قضايا الجلاء والمجتمع وعلاقاتها بالقصر والمستعمر، وعندما ندرس الحياة البرلمانية منذ وجدت في مصر.
مسيرة عسيرة وقصيرة العمر تلك التي مر بها نظام الحكم في مصر بداية من "نظام نامة" في ١٨٦٦ إلى حل الأحزاب السياسية في ١٩٥٣. فالحياة النيابية لم تكن فعلية طوال الفترة الممتدة من ١٩٢٤ إلى ١٩٤٧. فبحسب سلامة موسى في "كتاب الثورات": "مصر حكمت حكما نيابيا مدة ٤٢٦٠ يوما من ٨٦٩٥ يوما.. وظلت ٤٤٣٥ يوما منذ إنشاء النظام النيابي - أي ١٣ سنة - وهي تحكم دون برلمان". واتسمت الحياة النيابية بأزمات متكررة مع السلطات التنفيذية حتى عشية قيام الثورة وكانت أحد مسببات قيامها والترحيب بها شعبيا.
ويمكن القول إن ذلك تكرر أيضا بعد الثورة إذ لم يوجد برلمان حتى ١٩٥٧ واستمر ٧ شهور فقط ولم تعد الحياة البرلمانية مرة أخرى إلا في ١٩٦٤.
وواقع الفساد والعلاقة الحميمة بالقصر وبالعالم الرأسمالي يتمثل في طبقة كبار ملاك الأرض وهم أولاد وأحفاد الطبقة الاجتماعية التي خلقها محمد علي ومن تلاه. فمن "الوسية" إلى "الشفالك" و"الأبعديات"، أي تلك المساحات الشاسعة، التي وهبتها الدولة، "كحق انتفاع" أولا، لتحصيل الضرائب ولتشكيل مزارع كبيرة لزراعة القطن، الذي احتكرت الدولة تجارته، كانت بدايات خلق الطبقة الاجتماعية الموالية. ثم تطورت التشريعات خاصة في ظل الاحتلال لتصبح هذه الأرض ملكيات هائلة في يد تلك الطبقة الموالية لخالقها ولأسرته الحاكمة من بعده وللمستعمر الذي دعم وجودها قانونيا وكان شريك مصالح معها. ولم تكن الأحزاب متماثلة في انتماءاتها وعلاقاتها بالقصر وبالشعب فهي تمثل في معظمها مصالح كبار ملاك الأراضي الزراعية أو الرأسمالية المحلية في المجالات الأخرى ولكن لها ذات الجذور ككبار ملاك للأراضي الزراعية. وكانت التناقضات تخص قضيتي الجلاء والاستقلال ليتوفر مناخ لنمو الرأسمالية الصناعية التي تنافسها الرأسمالية الأجنبية في الوجود. فالانشغال بالقضية الوطنية في ذلك المناخ متوقف علي درجة تبعية كل طبقة والحزب الذي يمثلها وعلاقته بالقصر وبالمستعمر. ولا شك أن الوفد كان أكثر هذه الأحزاب شعبية برغم تركيبه الطبقي المعبر عن مصالح الرأسماليين من كبار الملاك والطبقات المتوسطة في حين كان حزب الأحرار الدستوريين ممثلا لكبار ملاك الأراضي بامتياز.
وعكست الأزمات المستمرة ترهل الحياة الحزبية وعجزها مثل النظام الملكي للخروج منها. وعندما قامت الثورة قدرت الأحزاب أنها ستترك السياسة فجاءت مطالبة الثورة بتطهير الأحزاب لنفسها وتقديم برامج لها لتزيد من حالة الضياع في تفهم ما يحدث. وكان فعل التطهير الحزبي الذاتي لعدد من الأحزاب، خاصة الكبرى، هو الإقرار بما فيها من فساد وسببا في تشويهها وسهل ضربها. وفي سبتمبر ١٩٥٢ اعتقل العشرات من قادة الأحزاب وصدر "قانون الأحزاب" ومنح لوزارة الداخلية كلمة نهائية في إقرار الأحزاب الجديدة من عدمه. ثم صدر قانون الإصلاح الزراعي فكشف ذلك عن التوجه القادم للحركة المباركة إذ ضربت الطبقة المالكة الزراعية التي كانت العمود الفقري لمعظم تلك الأحزاب. وكان التحذير بأن الجيش فعل ذلك من أجل التطهير فإن لم يحدث من جانب الأحزاب فسيضطر الجيش للتصرف بحلها "وهذا هو المكروه الذي يبغضه كل محب للديمقراطية"!
تحول الصراع بين الأحزاب والثورة إلى المحاكم للبت في عدم دستورية قانون تنظيم الأحزاب فألغت الثورة دستور ١٩٢٣ وكان ذلك كلمة الفصل بحل الأحزاب برغم أنها قدمت جميعها تنازلات بمعاودة تشكيل كياناتها من الصفر كأحزاب جديدة وقدمت برامجها وكان البعض منها يتفق مع سياسة الثورة الإصلاحية. وكانت الثورة قد حرمت النشاط السياسي في الجامعات والمعاهد العليا قبل ذلك وفرضت الرقابة على الصحف لكي تحول دون أي تعبئة جماهيرية معارضة أو نشر مقالات معادية لها. فكان رجال الثورة يحق لهم التواصل مع الجماهير ومنعت الأحزاب من مثل هذا التواصل.
ثم شكلت الثورة "هيئة التحرير" ووصفت بأنها "هيئة شعبية قومية" ولاح دور الهيئة لما يشبه الحزب الأحادي في مواجهة "لا أحزاب". غير أن الأحزاب قامت بتحريك جماهير والاتصال برجال في الجيش لخلق تيار معاكس فجاءت الضربة النهائية باعتقال عشرات من قادة الأحزاب ومن الشيوعيين ومن الضباط وممن تم اتهامهم بالتواصل مع دول أجنبية. وكان ذلك بعد أن قامت بحل الأحزاب، في منتصف ليل ١٦-١٧ يناير ١٩٥٣، وإلغاء "قانون تنظيم الأحزاب" ذاته ليصبح الأمر الواقع متمثلا في سلطة "مجلس قيادة الثورة" وحده ومستمدا شعبيته من جملة قراراته بإلغاء الألقاب وإنشاء مجلس للإنتاج القومي وإصدار قانون الإصلاح الزراعي ومن رفع شعار الاستقلال أولا. وفي ١٠ فبراير تم إصدار الدستور المؤقت وإسقاط الملكية وإعلان النظام الجمهوري وتولى محمد نجيب منصب الرئيس في ١٨ يونيو. وفي سبتمبر تم تشكيل محكمة الثورة أو "محكمة الغدر" التي حرمت من الحقوق السياسية وتولي الوظائف العديد من الشخصيات وحكمت بالسجن على من رأت أنه سلك ضد مصلحة البلاد أو خان الوطن أو ارتكب أفعالا ضد النظام الحاضر أو ضد أسس الثورة أو مارس أفعالا ساعدت على فساد الحكم السابق واستغلت نفوذها.
في ١٩٥٤ أكملت الثورة مشروعها أولا: بالتخلص من الإخوان المسلمين بعد معارضتهم لمباحثات الجلاء مع الإنجليز والقول بأن التحرير يتم بالسلاح ولعدم رضاهم عن رفض الثورة لتضمين البعد الإسلامي في مشروع الثورة ولمحاولتهم اغتيال عبد الناصر في الإسكندرية. ثانيا: بالتخلص من محمد نجيب والقول بأنه قريب من الإخوان ويسعى لحكم دكتاتوري ويطالب بعودة الحياة الحزبية في وقت كان الكلام عن فساد الحياة الحزبية. ثالثا: بالتخلص من رفاق الثورة من الشيوعيين بإبعادهم إلى أوروبا واعتقل بعضهم لمطالبتهم بعودة الحياة النيابية.
إن المغزى خلف ممارسات "الحركة المباركة" يبدو غير واضح للوهلة الأولى ذلك أنها قبل تنفيذ مشروعها كان لها علاقات قديمة مع الإخوان وبعض الشيوعيين، فما الذي دفعها لتنحية كل هؤلاء والاستفراد بالثورة؟ أكرر دون السقوط في خطأ فاحش هو أن الثورة كان لديها منذ البداية خطة لإلغاء الأحزاب نهائيا ويتضح ذلك ليس فقط من الممارسات ولكن من الإقرار به فيما كتبه رجالها وشهادات المشاركين فيها.
كان الوفد، أهم حزب حينئذ، وقامت حركة الضباط بالاتصال بفؤاد سراج الدين، في ديسمبر ١٩٥١، وسراج الدين يقول بوقوع اتصال فعلا به. ويقول أحمد أنور، الذي قابل سراج الدين من قبل عبد الناصر، دون أن يكشف له عن هوية قيادة الحركة، "بأن عبد الناصر فهم، من خلاصة المقابلة، أن الوفد لن يكون معاديا لأي حركة للجيش". ويقول أنور السادات في "أسرار الثورة المصرية" : تقديم جمال عبد الناصر، (١٩٦٦): "لم تكن أهميتها (أي المقابلة مع سراج الدين) عندنا ناجمة من شعور منا بأهمية معاونة الوفد لنا في حركتنا فقد كنا منذ مدة طويلة قد قررنا نهائيا أن ينفرد الجيش بالحركة دون تعاون مع أي هيئة سياسية أو غير سياسية خارج نطاقه". و"إن جميع الهيئات والأحزاب التي اتصل (عبد الناصر) بها، قد أثبتت أنها غير جديرة بالثورة، ولا مستعدة لعمل أي شيء، بل لعل ما فيها من رجعية أصيلة كان وحده خليقا بدفعها إلى خيانة الثورة، لو أنها استطاعت إلى ذلك سبيلا".
وفي ١٩٥٤، يقول عبد الناصر، في "فلسفة الثورة" :"ذهبنا نلتمس الرأي من ذوي الرأي، والخبرة من أصحابها ومن سوء حظنا لم نعثر على شيء كثير. كل رجل قابلناه لم يكن يهدف إلا إلى قتل رجل آخر! وكل فكرة سمعناها لم تكن تهدف إلا إلى هدم فكرة أخرى! ولو أطعنا وسمعنا، لقتلنا جميع الرجال وهدمنا جميع الأفكار".
ويبدو أن قيادة الثورة شعرت بأن الأمر قد استتب لها، فألغت الرقابة على الصحف، في ٥ مارس ١٩٥٤، ففتح ذلك أبواب الانتقادات وبمعاودة المطالبة بعودة الحياة النيابية وعودة الجيش لثكناته. وبلغ عنف الحملة حدا هائلا أحدث التردد والتمزق والحيرة في قلب مجلس القيادة وهل يشكل حزبا للثورة ويترك للأحزاب حق التواجد أم لا؟ وكان الرد الوحيد هو "أن لا".. وعادت الرقابة على الصحافة وسد باب الصراع برفض الحياة النيابية والحزبية نهائيا. وفشلت بذلك آخر محاولة من حزب الوفد والأحزاب الأخرى للعودة لمسرح السياسة. وفي ١٥ أبريل تم الحكم بحرمان ممارسة العمل بالسياسة لمدة ١٠ سنوات على كل من تولى الوزارة منذ فبراير ١٩٤٢ حتى يوليو ١٩٥٢ من أحزاب الوفد والأحرار الدستوريين أو السعدي، وكذا من تولى مراكز عامة عليا أو في مجالس إدارة الهيئات والنقابات. وتخلى محمد نجيب عن رئاسة الوزارة واحتفظ برئاسة صورية للجمهورية حتى ١٤ نوفمبر تاريخ اعتقاله.
وعند تلك اللحظة التاريخية تم إنجاز البعد السياسي بانتصار الثورة نهائيا وهزيمة الديمقراطية. أي أنه كان التجسيد المادي للشعار: "تسقط الديمقراطية وتحيا الثورة" الذي رفعته مظاهرات ٢٥ مارس ١٩٥٤ وإضرابات عمال النقل، الموجهة من قبل السلطة. وتبدأ مرحلة لها خصوصيتها في تاريخ مصر إذ يستتب الوضع لإكمال البعد الاقتصادي- الاجتماعي بما يحمل في داخله من صراع طويل لأنه يمس البناء الاجتماعي والطبقة المسيطرة بتجريدها من جزء من هيمنتها على الأرض ثم في مرحلة لاحقة سوف تتعرض لرأس المال في صوره المتعددة بقيام الدولة كمساهم في عملية التحول بالتأميم والتمصير وخلق طبقة اجتماعية جديدة لإدارة الجهاز البيروقراطي على قمة المشروعات التي خلقتها وتولت إدارتها. نمط إنتاج مزيج من رأسمالية الدولة تترك للقطاع الخاص مساحة للمساهمة تحت إشراف ورعاية الدولة وتقنينها بحسب رؤية سوف تتشكل في الميثاق عام ١٩٦٢ تحت مسمى الاشتراكية.
وبالاستناد إلى الدستور المؤقت والذي تلاه في ١٩٥٦، تم خلق كيان سياسي تسيطر عليه السلطة التنفيذية سيطرة مركزية التي خضع لها السلطة التشريعية أيضا وصوريا فقط كان لمجلس الأمة المنتخب حق المراقبة والمساءلة. ثم استمر الوضع نفسه مع دستور ١٩٦٤ بدمج السلطات واعتبار "الاتحاد الاشتراكي" هو الشكل الذي يمثل الشعب. كل تلك التحولات تمت في ظل الأحكام العرفية التي كانت سارية منذ حريق القاهرة (يناير ١٩٥٢) ورفعت في يونيو ١٩٥٦ ثم أعيد العمل بها مع وقوع العدوان الثلاثي في أكتوبر ودامت حتى ١٩٦٤ ثم رفعت وعادت مع نكسة ١٩٦٧.
ولم يكن قد بقى على الساحة السياسية إلا المنظمات الشيوعية السرية وأهم ما اتسمت به كان الصراع فيما بينها بجانب صراعاتها الداخلية التي أدت لانقسامات متواصلة تزيد من هذه الصراعات. ومواقف هذه المنظمات من الثورة كان مشوشا يصفها بأنها انقلاب "عسكري فاشي" معاد للشعب. في البداية أيد جناح من منظمة "حدتو" الثورة ، ثم تراجع وعارضها. ثم اختلف الشيوعيون مع الثورة ما جرى في العراق في يوليو ١٩٥٨ إذ أدان قسم منهم نظام عبد الناصر وعارضوا الوحدة المصرية السورية. وكانت مطالب عبد الناصر أن تحل الأحزاب في البلدين مثلما تم في مصر. وأخيرا رفضت هذه المنظمات دعوة عبد الناصر للالتحاق بالاتحاد القومي كأفراد وأرادوا الدخول كأحزاب. فكانت القطيعة وبداية وصف عبد الناصر في خطبه للشيوعيين "بالعملاء" واعتقلوا أفواجا بداية من يناير ١٩٥٩ وتعرضوا لتعذيب عنيف. مع دعوة بعض المعتقلين، من وقت لآخر، للحوار مع بعض أعضاء مجلس الثورة لتكليفهم بالذهاب للسودان لإقناع الحزب الشيوعي السوداني بالاعتراف بالثورة المصرية.
وعندما بلغ تلك الأحزاب عام ١٩٦٤ نية الإفراج عنهم، اقترحت "نظام الحكم الوطني" ثم أعلنت الأحزاب حل نفسها والدخول بشكل فردي في "الاتحاد الاشتراكي" باعتبار أن النظام الجديد هو طريق جديد للتحول الاشتراكي. فمن رفض منهم قبل اعتقاله في ١٩٥٩ منصبا أو دورا مع الثورة تقبله بعد حل الأحزاب وقام بالتنظير لها متخليا عن تحليله ومواقفه السابقة.
إن النموذج السياسي الذي حاولت الثورة إنجازه بدون تعدد حزبي وفي مراحله المتعددة نحى نحو خلق مجتمع أحادي الفكر وقضى على التنوع وما كان يمكن أن يحمله من تجدد. في هذا المجتمع الجديد كان الرئيس هو المشرع ومن يصدر الدستور أو يلغيه ومن يعين أو يقبل من يمثل في الهيئات السياسية وهو أيضا السلطة التنفيذية. بجانب فرض الانتماء كأعضاء في الاتحاد القومي ثم في الاتحاد الاشتراكي لمن يريدون تمثيل الشعب في مجلس الأمة بجانب أنه كان يتم فرز مسبق للمتقدمين وضرورة طلب الإذن للترشح. وقد سد النموذج الجديد آفاق الفكر عبر تشكيله البيروقراطي "العسكري" والبوليسي وتحول المجتمع إلى مجتمع مغلق يخاف الاختلاف والتنوع.
الديمقراطية كنظام حكم أيا كان التعريف الذي نتبناه تفترض التعددية وحرية الفرد قولا وفعلا ليعبر عن اختلافه ويختار من يمثله في قلب هذا الاختلاف. فإن غابت الحرية انتفت الديمقراطية ولا يمكن الادعاء بأن "مجتمع الصوت الواحد" ديمقراطي. وهذا ما كان عليه الحال في تجربة يوليو من بدايتها حتى نهايتها مع النكسة.. وما بعدها ما هو إلا مسخ أسوأ حكمته فلسفة أخرى هدمت ما سبق ولم تقم ببناء له شكل أو مضمون يشكل تغييرا نوعيا نحو مجتمع ديمقراطي.