نوستالجيا ديمقراطية النخب.. منظور ليبرالي عربي يرى المسار التاريخي مقلوبا

19/07/2016 - 11:10:28

سلامة كيلة - كاتب فلسطيني

بعد تجربة "النظم القومية" التي كانت مستبدة إلى أبعد حد، أخذ يظهر الميل لاسترجاع "المرحلة الليبرالية"، وهي المرحلة التي سبقت الانقلابات العسكرية، وكان يشار إلى أنها شهدت وجود نظم ديمقراطية. حيث شهدت وجود الأحزاب، وحرية الصحافة والانتخابات البرلمانية. والتي كانت تبشّر بانتقال ديمقراطي "حقيقي" كما بات يُشاع. لكن الانقلابات قطعت هذا المسار نحو الديمقراطية، وأسست لنظم مستبدة (دكتاتورية، شمولية).
في هذه الرؤية تقدير خاطئ لواقع الديمقراطية في تلك المرحلة من جهة، ولطبيعة الأزمة المجتمعية التي فرضت ضرورة التغيير من جهة أخرى. حيث ظهر أن الاستبداد الذي مارسته النظم بعدئذ، وتكريس الشمولية والاعتقال الطويل، ومنع الحريات بالتالي، والذي نشأت أجيال في كنفه، هو الذي فرض هذه الاستعادة لتجربة قصيرة، وعابرة، شهدتها بعض البلدان العربية قبل التحولات العاصفة التي حدثت منذ السنوات الأولى للعقد السادس من القرن العشرين، مع ثورة يوليو 1952 في مصر. لقد كانت قسوة الاستبداد هي المنتج لهذه النوستالجيا، بعد أن هيمن الخطاب "الحقوقي" وباتت الديمقراطية هي "الوعي" الذي يعاد بناء التاريخ على أساسه. ومن ثم باتت الانقلابات هي "قطع" لمسار تاريخي وليست نتاجا للتاريخ، ليست "ضرورة تاريخية". بالتالي لقد أصبحت الديمقراطية هي "منهج تاريخي" وليست صيغة لنظام الحكم، ومدخلا لفهم الواقع وليست مسألة تحتاج إلى فهم تاريخي.
يمكن القول، إذن، إن ما هو غريزي هو الذي فرض هذه النوستالجيا، وجعلها "حكما تاريخيا باتا". لهذا يمكن الإشارة إلى أن الفهم التاريخي يغيب عن هذه الموجة من استرجاع الماضي "الزاهي" للحظة ليبرالية قصيرة ومشوشة، حيث جرت أسطرتها انطلاقا من أنها واقعة ناجحة.
سنلاحظ أن هذه اللحظة كانت ضيقة في تاريخ مصر الحديث، حيث عاشتها نخب مدينية، وأحزاب متمركزة في المدينة، رغم أنها كانت تجربة مهمة. لكن رغم الحريات التي كانت قائمة، وتعدد الأحزاب والصحافة، فقد كان الحزب الذي يحظى بالأغلبية ممنوعا من الحكم، ولم يحكم حزب الوفد إلا بقرار استعماري بريطاني نتيجة الحاجة لاستقرار الوضع على أعتاب الحرب العالمية الثانية. بينما كانت أغلبية الشعب تعيش في نظام إقطاعي شديد القسوة والاستغلال. وفي سوريا لم تنتصر اللحظة الليبرالية إلا بعد أن فرض الحزبان الكبيران، الحزب الشيوعي وحزب البعث، بقوة الشارع حالة الانفراج الديمقراطي بين سنوات 1954 و1958. حيث حكمت الدكتاتورية معظم السنوات التالية للاستقلال سنة 1946. أما لبنان فقد ضمن الحريات والتعددية في ظل نظام طائفي، يتحدد تقاسم السلطة والوظائف العليا مسبقا على أساس طائفي.
لكن الأمر الجوهري هنا يتمثل في أن كل ذلك كان يتأسس على بنية اقتصادية مخلّفة، وتمايز طبقي كبير، حيث لم تحلّ مشكلات "القرون الوسطى"، لا في الاقتصاد (سوى ما يناسب مصالح الرأسمالية الاستعمارية)، ولا في التعليم، ومن ثم ظلت القطاعات المجتمعية الأساسية، التي كانت ذات طابع ريفي، مفقرة ومتخلفة، وتتعرض للنهب من قبل كبار ملاك الأرض والتجار المحدثين، والذين كانوا في ترابط وثيق، بعضه عائلي. وهذه الوضعية هي التي كانت تفجر الصراع الاجتماعي، وتُضعف الدولة. وكل دارس لتاريخ مصر الحديث يلحظ الصعود الكبير لحركة الاحتجاج الاجتماعي بعد الحرب الثانية، وتفاقم أزمة النظام التي قادت إلى "حريق القاهرة". وكذلك في سوريا حيث فرضت الاحتجاجات صيرورة انقلابات متعددة لم تنته إلا بنشاط الحزبين الكبيرين حينها كما أشرت قبلا.
إن الانطلاق من منظور "ليبرالي" نتيجة رفض الاستبداد، هو الذي يحصر فهم الواقع في اللحظة الليبرالية تلك، ويمنع فهم الواقع ككل، خصوصا هنا وضع العمال والفلاحين الفقراء والمتوسطين والفئات الوسطى المدينية. الوضع الذي كان يتسم بسيطرة علاقات ما قبل رأسمالية في الريف، الذي كان يشكّل الغالبية المجتمعية (بين 80 و90%)، وبحالة من الفقر والتهميش مزرية في الريف والمدينة معا. بالتالي ما كان مطروحا هو ليس الديمقراطية بمعناها السياسي فقط، بل أساسا كان الواقع يطرح مجمل المهمات الديمقراطية التي حققتها البرجوازية الأوروبية، أي إنهاء الإقطاع، وتحديث المجتمع، وبناء اقتصاد صناعي. وهذا ما كانت تطرحه الاحتجاجات والتظاهرات الكبيرة التي تصاعدت بعد الحرب الثانية. وكان ذلك يفترض أن تقود الأحزاب الشعب من أجل تحقيقها، وهو ما فشلت به، لأن بعضها لا يريد الوصول إلى السلطة رغم قوته (الأحزاب الشيوعية)، نتيجة فهم أن تلك المهمات هي من "حصة" البرجوازية، وأن عليه دعمها فقط. ولأن بعضها الآخر لم يجد سوى الطريق الانقلابي لكي يصل السلطة (البعث). لهذا كان الجيش هو الوسيلة التي حققت إنهاء النظام القديم والسعي لبناء نظام جديد.
لماذا الجيش؟ بالضبط لأنه كان المعبّر بجنوده وصغار ضباطه عن "وجع" الريف، حيث لم يكن لدى الفلاحين مقدرة على بناء حزب، وهذه أزمة الريف عموما، لهذا كان الجيش الريفي في بنيته هو طريق الفلاحين لتغيير العلاقات الاقتصادية التي حكمته، وفتح الطريق لتطور مختلف، وهو في الأخير يعبّر عن مصالح فئات ريفية أرادت أن تترسمل. لقد أضعف الصراع الطبقي الذي تصاعد الدولة، دون أن تتقدم الأحزاب لكي تفرض التغيير الذي يريده الشعب، الذي بات عاجزا عن الاستمرار في الوضع المزري الذي يعيشه، كما باتت الدولة عاجزة عن الحكم، الأمر الذي فرض تحوّل الجيش من قوة قمع لحكم الشعب، وهو الذي يعاني من أزمة الريف، إلى قوة تغيير تحقق المطالب الأساسية المطروحة: الإصلاح الزراعي، التعليم المجاني، ثم بناء الصناعة وإقرار حقوق العمال، والتوظيف الكامل. لكنه لم يكن مؤهلا لإقرار الديمقراطية بحكم تكوينه الأوامري، وبحكم الطابع الريفي الذي يحكم ضباطه، وبالتالي ساد الوعي البطريركي. لقد حقق المهمات الديمقراطية المطروحة حينها، لكن في مصلحة فئات فلاحية كانت الملكية الخاصة حالة مقدسة بالنسبة لها، وهو الأمر الذي فرض الشمولية كغطاء لممارسة النهب (الشمولية المتوافقة مع الوعي البطريركي والتكوين الأوامري) سواء بوعي هذه العملية أو بدونها.
إذن، لا يتعلق الأمر بـ"قطع مسار" التطور الليبرالي، بل على العكس كانت الانقلابات هي التعبير عن حاجة المجتمع إلى تغيير لم تقم به الأحزاب، لكن تأسيسا على أولويات مجتمعية وليس أولويات النخب والأحزاب التي ظلت بعيدة عن مشكلات الشعب. حيث كان يجب حل مشكلات الريف واحتجاز التطور، وتحقيق مطالب الفلاحين والعمال والفئات الوسطى المدينية. وتحقيق كل ذلك، في تلك اللحظة، هو ما فرض تسمية ما حدث ثورة رغم أن الشكل الانقلابي هو الذي حكم التغيير. فقد أنهت الإقطاع وحررت الريف وتحققت مطالب العمال، وبدأت ببناء الصناعة وتحديث التعليم، قبل أن تأكل فئة سلطوية كل ذلك، وتتحوّل إلى "رجال أعمال جدد". لقد كان الوضع الاقتصادي هو الأولوية للغالبية الشعبية نتيجة وضعها المزري، وكانت كل أشكال الاحتجاج السابقة للتغيير تعبّر عن الحاجة لوضع اقتصادي جديد يفرض حل مشكلات أوجدها النمط الاقتصادي الذي صيغ في المرحلة الاستعمارية، والذي أبقى الريف متخلفا ومنحكما لعلاقات إقطاعية، ومنع بناء الصناعة. وبالتالي تكوين اقتصاد يعيد إنتاج التخلف والإفقار.
وفي هذه الوضعية لم يكن ممكنا لديمقراطية أن تنجح، بالضبط لأن أسس وجودها منتفية. وهنا الصناعة كأساس لإعادة بناء البنى والوعي المجتمعيين. وتأسيس "مجتمع مدني". ولم تكن الطبقات المفقرة على وعي بالديمقراطية وهي تعيش وضعية "القرون الوسطى"، من جهل وتخلف وأمية. فالديمقراطية ليست "حلما نخبويا" بل بناءا مجتمعيا يسمح بأن تصبح علاقة مستقرة ومسيطرة. فقط الرغائبية النخبوية هي التي تنتج الأوهام على إمكانية ديمقراطية في بنى مخلّفة، ودون تحقيق وضع مجتمعي يتسم بالقدرة على العيش للأغلبية المجتمعية. لم تتحقق الديمقراطية الأوروبية إلا بعد أن استطاعت البرجوازية "تقديم تنازل" للطبقة العاملة بحيث يجعلها قادرة على عيش "جيد"، حين فرضت التطورات العالمية عليها ذلك، خصوصا هنا ثورة أكتوبر الروسية (1917). أيضا حين تطور التعليم وأصبح يشمل كل الشعب. وأساسا لأنها كانت تنهب كل العالم، الأمر الذي جعلها قادرة على رفع الأجور وتحقيق ضمان البطالة والضمان الاجتماعي.
بالتالي يمكن القول بأن المنظور الليبرالي العربي كان يرى المسار التاريخي مقلوبا، فيعتقد بأن اللحظة الديمقراطية يمكن أن تتوسع دون أن تكون البنية التحتية قادرة على حمل "نظام ديمقراطي"، وفي سياق منعزل عن البنية التحتية ذاتها. هذا ما أوجد النوستالجيا الليبرالية، وفرض التوصل إلى حكم بأن الانقلابات العسكرية قطعت مسارا مهما كان يفضي بـ "الحتم"، و"الضرورة"، إلى تأسيس نظام ديمقراطي. هنا يتمحور النظر في "البنية الفوقية" وحدها دون التفات إلى البنية التحتية، ومن ثم ظروف الطبقات الشعبية، ووضعها المعيشي والثقافي، وأيضا السياسي. ليظهر بأن المطلوب هو "ديمقراطية" نخب، وليس ديمقراطية مجتمعية، هذه "الديمقراطية" تكون في الغالب متنفسا يسمح النظام القائم به، وليس نظاما ديمقراطيا حقيقيا. فليس من نظام ديمقراطي حقيقي على أساس اقتصاد ريعي، وتهميش مرتفع وبطالة وفقر شديدين، لأن الأولوية ستكون للتغيير المجتمعي، وكذلك لأن البنى المخلّفة لا تؤسس لديمقراطية حقة.
ولا شك في أن الوضع عاد إلى أن يكون التغيير المجتمعي هو الأولوية، بغض النظر عن أوهام "النخب"، وحالة النوستالجيا التي تحكمهم. ويمكن في هذا المسار بلورة رؤية لديمقراطية حقيقية وليس متنفسا تستفيد منه تلك "النخب" فقط. حيث إن تغيير النمط الاقتصادي القائم على أساس ريعي، وتهميشي، ضروري لكي يتأسس نظام "مدني"، يتضمن الحريات والحقوق "البرجوازية"، ويقوم على التعددية والانتخاب تأسيسا على مبدأ المواطنة الذي يحيل ضرورة إلى أن تكون الدولة المدنية علمانية.
المفارقة أن الذين يعيشون أوهام المرحلة الليبرالية، ويعانون من مرض مجدها السالف، هم في وعيهم وتكوينهم الطبقي نتاج مرحلة الانقلابات، حيث تحسّن وضع آبائهم واستطاعوا الدراسة الجامعية نتيجة مجانية التعليم. وبالتالي باتوا يحسّون بـ "ذواتهم"، وأن لهم دورا مجتمعيا تقمعه النظم الاستبدادية. دون أن يلحظوا ذلك أبدا. بمعنى أن الوعي "الديمقراطي" كان نتاج التطور الذي أحدثته "الانقلابات"، وكان محتما أن يؤسس تطور الوعي المجتمعي وتجاوز بعض وعي القرون الوسطى على ضوء التطور الاقتصادي الذي تحقق، ميلا ديمقراطيا وحلما بالحرية.
الواقع يفرض أولوية التغيير الاقتصادي لكي يكون ممكنا حل المشكلات المجتمعية، وفي سياق ذلك يمكن أن تُطرح الديمقراطية كجزء من صيرورة التطور الضروري. وهنا يسقط كل منظور ليبرالي، و"ديمقراطي"، ويفشل في فهم الصيرورة التي تفرض التغيير، كما فرضت الثورات منذ نهاية سنة 2010.