ثورة 1952 في عيون غربية

19/07/2016 - 11:09:29

طه حسين وجمال عبد الناصر طه حسين وجمال عبد الناصر

من تراث الدكتور طه حسين

تستطيع مصر أن تقول فى غير إسراف ولا غلو ولا تزيد إنها فى هذهالأيام تملأ الدنيا وتشغل الناس، كما كان يقال عن شاعر عربى قديم. ليس فى الأرض حكومة إلا وهى تعنى بشؤون مصر، تتلقى أنباءها وتدرسها درس التعمق والاستقصاء، وترتب على هذا الدرس خطتها فيما يكون بينها وبين الدول الأخرى من صلة بشأن مصر خاصة، والشرق الأدنى بوجه عام.
وليس فى الأرض شعب إلا وهو مشغول بمصر، يتلقى أنباء الأحداث التى تحدث فيها فى صحف الصباح والمساء، ويسمعها من الراديو فى كل ساعة من ساعات الليل والنهار، فيأخذه العجب أحياناً كثيرة، ويأخذه الإعجاب أحياناً أخرى، والصحف تنشر ما تنشر من ذلك متأثرة بألوان من الهوى.. وفنون من الحب والبغض، وضروب من الرجاء والخوف.
قليل منها يؤثر الصدق فيما ينشر، ويؤثر القصد فيما يعلق به على الأنباء، وكثير منها يفكر فى إثارة القراء وإطرافهم بغرائب الأنباء أكثر مما يفكر فى الصدق والقصد.
وقد أرادت الظروف أن أعرف أحداث مصر فى هذه الأيام الخطيرة فى تاريخها من الصحف الأوروبية، قبل أن أعرفها من الصحف المصرية، فإذا أصبحت قرأ على صاحبى ما تبلغه يده من صحف إيطاليا، وإذا انتصف النهار حمل إلى البريد طائفة من صحف فرنسا، وإذا كان المساء حمل إلى البريد قصاصات كثيرة وأطرافاً مختلفة من صحف روما وباريس.. وقد شغلت بهذا كله عن غيره مما كنت أريد أن أفرغ له، وما أظننى قرأت الصحف قط كما أقرؤها فى هذه الأيام.
ومع أنى كغيرى من المصريين يعجبنى أن تملأ مصر الدنيا وتشغل الناس، ومع أنى كغيرى من المصريين فخور ومعجب بأن مصر قد ضربت للعالم الحديث مثلاً رائعاً بثورتها هذه، التى جمعت بين الهدوء الذى يملؤه الوقار والجلال، وبين العنف الحازم النقى الذى يحطم الظلم ويرسل ملكاً إلى منفاه دون أن يسفك قطرة من دم، ودون أن يخرج عن طور الحلم والأناة والحذر الرشيد مع أنى كغيرى من المصريين فى هذا كله، فإنى أنفق فى بعض الأوقات لحظات ثقالاً فيها غيظ شديد وضيق ببعض المراسلين الكاذبين، الذين يركبون رؤوسهم ويتبعون أهواءهم ويرسلون خيالهم إلى غير غاية، ويقولون لقرائهم كلاماً أقل ما يوصف به أنه سخف لا يصدر عن نفوس بريئة، ولا عن قلوب سليمة، ولا عن نيات مخلصة للحق. فكثير من الصحف الباريسية مثلا لا تستطيع أن تخفى إشفاقها من الثورة المصرية، لا لأنها تخاف على الفرنسيين ومصالحهم فى مصر، فهى مطمئنة على هؤلاء الفرنسيين وعلى تلك المصالح ، لأن القائد العام ورئيس الوزراء كلاهما قد أمن الأجانب على أرواحهم ومصالحهم، ولأن الأمور جرت فى مصر على خير ما يحب المصريون والأجانب من الأمن والنظام والعافية، ولكن لأنها تخشى أن تكون الثورة المصرية مثلاً لثورات أخرى تحدث فى بلاد أخرى غير مصر.
والفرنسيون يقاسون هولاً أى هول فى الهند الصينية منذ وضعت الحرب العالمية الأخيرة أوزارها، وهم يقاسون هما ثقيلا فى تونس، وعناء مبرحا فى مراكش، وهم يؤمنون فيما بينهم وبين أنفسهم بأن مصر تحتل مكان القدوة فى العالم العربى، فهم ينظرون إلى ما يحدث فيها من حركات التحرير شزراً وكل شىء يدل على أنهم غير مخطئين فى هذا الإشفاق.
فلم تكد مصر فى أواخر العام الماضى تظهر مقاومة الاحتلال البريطانى حتى نهضت تونس تقاوم الحماية الفرنسية، وأمور مراكش أظهر من أن تحتاج إلى تفصيل.
وكثير من الصحف الفرنسية لا يظهر عطفا على الملك السابق بمقدار ما يظهر العطف على الإنجليز، ذلك لأن أمر الملك لا يعنيهم من قريب أو بعيد، ولكن أمر النفوذ البريطانى يعنيهم كل العناية، لأنه قرين النفوذ الفرنسى فى شمال أفريقيا، فإذا زال النفوذ البريطانى فى مصر كان زواله إيذاناً بزوال النفوذ الفرنسى من أفريقيا الشمالية.
والفرنسيون كالإنجليز لا يطمئنون إلى النشاط الأمريكى فى هاتين المنطقتين من مناطق النفوذ، كما يقول السياسيون فى هذه الأيام، ذلك لأن الأمريكيين لا يريدون أن يحتلوا قناة السويس مكان الإنجليز، ولا أن يحموا تونس ومراكش مكان الفرنسيين ، وإنما يريدون تأمين الشرق الأدنى والأوسط من النفوذ الروسى، وأقصى ما يمكن أن يريدوا غير ذلك هو بسط نفوذهما الاقتصادى الذى ينفع ولا يضر.
ومن أطرف ما قرأت فى صحيفة فرنسية معتدلة ولكنها محافظة، أن الأمريكيين يحسنون الظن بالكفاية العسكرية لأهل الشرق العربى، لأنهم رأوا حسن بلاء الجنود الأفريقيين الذين حاربوا مع الجيش الفرنسى.
والصحيفة الفرنسية ترى أن الأمريكيين يخدعون أنفسهم فى ذلك فشجاعة الجنود الأفريقيين لم تأتهم من ذات أنفسهم فيما تقول الصحيفة، وإنما أتتهم من الضباط الفرنسيين، والشىء الذى لا شك فيه هو أن كتاب هذه الصحيفة والمشرفين عليها قوم مثقفون ثقافة ممتازة، وهم بحكم هذه الثقافة يعرفون التاريخ الحديث، ويعرفون أن مصر فى النصف الأول من القرن الماضى قد كان لها جيش فعل الأفاعيل، وأقام أوروبا وأقعدها، وضمن لنفسه إعجاب الفرنسيين حتى فكرت فرنسا ذات يوم فى أنه قد يعينها على غزو أفريقيا الشمالية، وهم يعلمون فيما يعلمون أن جنود الجيش المصرى الحديث هم أحفاد أولئك المصريين، الذين أنشئوا جيش محمد على وإبراهيم.
ومن أطرف ما قرأت كذلك فى صحيفة فرنسية أخرى، أن أربعة أخماس الشعب المصرى نهب للعلل المهلكة .. فأربعة أخماس الشعب المصرى إذن مريض عند كاتب هذه الصحيفة.. وإذن فماذا تخاف أوروبا من شعب كثرته مريضة لا تقوى على شىء، ولا تصلح لشىء والمصريون جميعاً يعرفون أن حياتهم الاجتماعية فى حاجة إلى إصلاح شامل عميق، وهم إنما يثورون اليوم ليحققوا الإصلاح الذى حال الطغيان والاستعمار بينهم وبين تحقيقه، ولكن الحاجة إلى الإصلاح الشامل شىء ومرض أربعة أخماس الشعب شىء آخر.
والغريب أن كاتب هذا المقال قد زار مصر وأقام بها ، ورأى أبناءها فى المدن والقرى، وعرف أنهم والحمد لله بعيدون جداً من هذه الحال التى صورهم فيها، فالذين يسعون فى القاهرة والإسكندرية وفى مدن الأقاليم وقراها لا يرون شعباً مريضاً متهالكا، وإنما يرون شعباً قوياً نشيطا، يعمل ويجد ويكد ويكسب لبلده مركزاً ممتازاً فى الاقتصاد العالمى، ولو عمل الفرنسيون فى أرضهم ومصانعهم كما يعمل المصريون فى أرضهم ومصانعهم لما كانوا من الضعف الاقتصادى بحيث هو الآن، ولكن الهوى يفسد على العقول حسن تقديرها للأمور، وحكمها على الأشياء ، والواقع أن على عقول الفرنسيين غشاوة من الخوف على إمبراطوريتهم فى أفريقيا الشمالية، تمنعهم من أن يروا الأشياء كما هى ويحكموا عليها حكماً مستقيماً، ولو قد برئ الفرنسيون من الهوى، ونظروا إلى الأشياء نظرة صادقة مبرأة من الخوف والطمع، لعرفوا أن مصر إنما تمثل فى الشرق أثناء القرن العشرين ما مثلته هى فى الغرب فى أواخر القرن الثامن عشر ، مع فرق خطير جداً ، وهو أن مصر لم تسفك دماً ولم تقتل الملايين من أبنائها كما فعلت فرنسا فى ثورتها الكبرى.
طالبت مصر باستقلالها وحريتها فى أعقاب الحرب العالمية الأولى، فصنع الشرق العربى كله صنيعها،وطالبت مصر بالحياة الدستورية فى أعقاب ثورتها القومية فظفرت بالدستور، وصنعت بلاد الشرق العربى صنيعها، فأصبحت مستقلة مستمتعة بالحياة الدستورية ، وطالبت مصر باستكمال استقلالها فى أعقاب الحرب العالمية الثانية، فتأثرت بها بلاد المغرب العربى فى شمال أفريقيا وأخذت تطالب باستقلالها وحريتها، وبالحياة الدستورية النيابية.
فالذى فعلته مصر وتفعله الآن فى العالم العربى هو الذى فعلته فرنسا أثناء القرن الماضى فى العالم الأوروبى.
ولو أنصف الفرنسيون أنفسهم لنظروا إلى مصر نظرة عطف وإعجاب، لا نظرة شك وخوف وإشفاق ، ولأطالوا النظر فى المرآة المصرية ليروا فيها أنفسهم، فهم على كل حال قد ضربوا للعالم القديم أروع مثل للتضحية فى سبيل الحرية والإخاء والمساواة، ولكن الهوى يطبع على القلوب ، ويغشى الأبصار ، ويحجب نور الحق عن العقول، وينسى أصحابه كل شىء حتى التاريخ القريب.
ونحن نلوم الفرنسيين وغيرهم من الأوروبيين على سوء ظنهم بمصر، وعلى ما يشيعون عنها من مقالة السوء، ولكن من الحق علينا أن نبدأ بلوم أنفسنا، فنحن أول من يسىء الظن بمصر ويشيع عنها مقالة السوء، ويكفى أن نذكر كتاباً رسمياً رفعه بعض رؤساء الوزارات السابقين إلى الملك السابق، لنعلم أن المصريين هم الذين يلقون فى روع الأجانب كل ما يشيعون عن مصر من السيئات، ويكفى أن ننظر فى بعض الصحف المصرية ونعلم أن كل ما ينشر فى مصر أو يقال يسجل عليها فى السفارات والمفوضيات ووكالات البرق، وعند مراسلى الصحف الأجانب سواء منهم من أقام بمصر أو ألم بها، فنحن نشهد على أنفسنا أسوأ شهادة وأشدها نكراً فى الوثائق الرسمية أولاً، وفى صحفنا ومجلاتنا بعد ذلك، وإذا شهدنا على أنفسنا كان من الحق علينا ألا نسرف باللوم على غيرنا؛ لأنهم لن يكونوا أشد إنصافاً لنا من أنفسنا.
إنى لأرجو أن تكون هذه الثورة المباركة التى ردت إلى مصر كرامتها وشرفها فى وقار وأناة، ونالت بذلك إعجاب العالم الخارجى، قد ردت إلى المصريين ثقتهم بوطنهم وحسن رأيهم فى أمتهم، وردت إليهم شيئاً من التفاؤل الذى يجلو أمام أعينهم منظر وطنهم جميلاً نقيا كريما يستحق أن يحبه أبناؤه ويكرموه ليحبه غير أبنائه ويكبروه.
(البلاغ 5 أغسطس 1952)