طقوس غرائبية فى احتفالات المكسيكيين بيوم الموت

19/07/2016 - 11:06:55

محمد محمد الخطابي محمد محمد الخطابي

د. محمد محمد الخطابي - كاتب مغربي، عضو الأكاديمية الإسبانية - الأمريكية للآداب والعلوم في بوجوتا (كولومبيا)

يلتقي المصريون القدامى فى حضارتهم الفرعونية الفريدة ـ التي بهرت العالم وملأت الدنيا، وشغلت الناس ـ مع سكان المكسيك القدامى من شعوب المايا والأزتيك وسواهما من الدول، والإمبراطوريات السابقة للوجود الكولومبي التي تعاقبت على المكسيك، في بعض مظاهر احتفالاتهم بالموت، وبالطقوس المحيطة به، وفى نظرتهم للغيب، وللعالم الآخر، والبعث، وعودة الحياة، حيث نلتقي فى هذه الاحتفاليات الغرائبية مع شبيهي إله الموت عند قدماء المصريين "سوكر" ومع نظائر من إيزيس، وأوزير، وسواهما من آلهة المصريين القدامى.
ومثلما ارتبطت احتفالات المكسيكيين بالظواهر الفلكية والنجوم والتنجيم، والأفلاك، والأجرام السماوية، فقد ارتبطت أعياد الفراعنة واحتفالاتهم منذ القدم كذلك بالظواهر الفلكية، والأرض، والطبيعة ومظاهر الحياة، وتعود احتفالات المصريين القدامى منهم والمعاصرين بعيد شم النسيم منذ ما ينيف على خمسة آلاف عام، ولقد أطلق الفراعنة على هذا الاحتفال اسم عيد "شموش"، أي إعادة بعث الحياة، وتم تغيير هذا الاسم في العصر القبطي إلى "شم"، ثم أضيفت إلى الاسم كلمة "النسيم" نسبة إلى صَبَا الربيع ونسائمه العليلة، وكانت الأكلات، والأطعمة التي تُقدم خلاله تعتبر عندهم ضربا من ضروب "أطعمة الموت". ومثلما كان يعتبر البيض الملون فى أعياد الفراعنة القدامى مظهرا من مظاهر الاحتفال بعيد شم النسيم وفى مصر اليوم كذلك، فهو ما انفك يشكل عند المكسيكيين فى احتفالاتهم بيوم الموت مظهرا أساسيا كذلك من مظاهر هذه الطقوس إلى يومنا هذا المشهود، ومثلما ارتبطت بعض العادات المصرية القديمة بالحياة الجنائزية، حيث كانت أُسَر المتوفى تضع إلى جانبه عند دفنه بعض المأكولات التي كانت أثيرة عنده فى حياته، كما كانت هذه الأسر تزور فى أعياد الموت والموتى المقابرَ لإحضار الأطعمة لموتاها، فكذلك يوجد فى المكسيك هذا التقليد إلى اليوم. ومجمل القول أن القارئ المصري والعربي سيلتقي فى هذا المقال مع العديد من مظاهر الاحتفالات، والعادات، والعوائد، والتقاليد، والموروثات التي كانت مصر القديمة مصدرا ومنبعا وبوتقة، ومهدا لها منذ أقدم العصور الغابرة، والدهور السحيقة.
منذ الأيام الأولى من شهر نوفمبر من كل عام يخيم على مختلف مدن وقرى المكسيك سكون هادئ، وصمت رهيب، لم يألفهما الأجانب القاطنون بها، أو الزوار الوافدون على هذا البلد مترامي الأطراف، ففي مدينة مكسيكو سيتي العملاقة لم تكن ترى فى شوارعها وأزقتها سوى القليل من المارة، يجوبون الدروب مهرولين، قلقين، متوجسين، مشدوهين، كانت هناك بعض قشور البيض الملون المكسر على واجهات بعض الدور والأبواب، وكان الأمر يبدو غريبا نوعا ما أو على الأقل غير مألوف. اتضح بعد ذلك أن السكان قد برحوا المدن، وأموا القبور، وكنت تسمع أصوات الغناء والصياح تتعالى هنا وهناك، ورائحة البخور الغريبة، والناس ما زالوا فى حيرة من أمرهم، يهرولون فى اتجاه المقابر وبأيديهم باقات من الورود والزهور متباينة الألوان، والأشكال والأحجام، وهم يحملون صحونا مختلفة من الأطعمة، وأطباقا شهية، وفى الأسواق لم تكن ترى سوى القرع (اليقطين) وقد احتلت الصدارة بين المعروضات فى كل مكان.
تقاليد تستمد أصولها من الحضارات القديمة
كان اليوم هو "يوم الموت" وربما كانت تلك أكبر مظاهرة يقيمها الأحياء للموتى، فالمكسيكيون يعتقدون أن موتاهم فى هذا اليوم يعودون إلى دورهم فيعد لهم أهاليهم أطيب المأكولات، وأشهى الأطعمة، وبالذات تلك الأطباق التي كان يحبها الميت عندما كان على قيد الحياة، فضلا عن إعداد أنواع كثيرة من الفواكه والعسل والسكر والبيض الملون، والملح وبعض الحلوى يطلقون عليها "خبز الموتى"، وتقابله فى الحضارة المصرية القديمة "أطعمة الموت"، ويعتقد المكسيكيون أن موتاهم يخرجون إليهم فى ذلك اليوم فيقضون الليل كله معهم فى المقابر ويسهرون فيها حتى الصباح، فتغدو هذه الطقوس عندهم بمثابة احتفالات بالحياة كذلك.
تستمد هذه الاحتفاليات الغريبة أصولها وجذورها البعيدة فى الغالب من الحضارات القديمة، وفى طليعتها المصرية على وجه الخصوص، ومن العادات القديمة للسكان الأصليين للقارة الأمريكية، وسواها من المصادر والمنابع والمظان، وتتمثل هذه فى الاحتفال بيوم الموتى أو يوم الموت، وقد أصبحت هذه العادة مزيجا بين العادات الشعبية المتوارثة الضاربة فى القدم، ومن المعتقدات التي استجدت بعد اكتشاف أمريكا عام 1492. وما زالت هذه العادات والطقوس منتشرة بين الناس على اختلاف طبقاتهم، ومستوياتهم الاجتماعية والثقافية، ولهذه الاحتفالات عندهم رموز وأبعاد عميقة، وهي تجسيم لمفهوم الإنسان فى هذا الصقع النائي من العالم، ونظرته للموت كحدث طبيعي لا يمكن رده أو صده أو التغلب عليه، أو تفاديه، يشل حركة الكائن، ويعود به من حيث جاء أول مرة.
وقد عرفت مختلف الحضارات القديمة وفى مقدمتها الحضارة الفرعونية العريقة هذا النوع من طقوس الاحتفال بالموت كظاهرة طبيعية محيرة، وخلفت لنا تلك الحضارات معالم، ومآثر، ومقابر أشهرها أهرامات مصر، والحضارات السابقة للوجود الكولومبي فى أمريكا، ومجسمات كلها ترمز للموت أو الموتى.
الموت فى هذه الحضارات نوع من التصرف العلوي، حدوثه لا يثير أي حزن أو هم أو ألم أو حسرة أو حداد. وكان الناس يتقبلونه كحدث طبيعي، وظل هذا الشعور مستمرا حتى تاريخ الاكتشاف، ويرجع الاحتفال بالموت أو الموتى فى الحضارات المكسيكية إلى ما يزيد على ألفي سنة قبل المسيح.أي أنه يعود الآن لأربعة آلاف سنة. ومثلما هو الشأن عند الفراعنة وبعض الحضارات القديمة الأخرى، فقد عثرت على بقايا هياكل آدمية وبجانبها حاجياتها الخاصة، ومجسمات مصغرة وأقنعة وآنية وجواهر ومعادن وحلي نفيسة من ذهب، وفضة.. إلخ، وكانت كل ميتة عندهم لها تفسير خاص، فالمحاربون عندما يموتون عندهم يصبحون "رفقاء الشمس" وكذلك النساء اللائي تدركهن المنية عند الولادة. ويذهب الأطفال إلى مكان أشجاره وثماره تدر لبنا، أما هؤلاء الذين يموتون على إثر مرض عضال، أو إثر نزول صاعقة، أو هبوب عاصفة، أو ماتوا غرقا فلهم مصير آخر بعد الموت أقل درجة من السابق.
كان من عادة الأزتيك أنه عندما كان يموت أحدهم يجعلونه يجلس القرفصاء ثم يوثقونه جيدا، ثم يضعون الجسم فى نسيج من قطن حديث الصنع، ويضعون فى فمه قطعة من "يَشْم" (معدن متدرج الألوان) ترمز إلى قلبه، وعليه أن يتخلى عنها وهو فى طريقه إلى "متكتلات" وهو مكان الموتى، ثم يخيطون الكتان والجثة بداخله. وفى ساحة بعيدة عن المدينة يعدون منصة عالية يضعون عليها الميت محاطا بحاجياته الخاصة التي استعملها فى حياته مثل درعه وسيفه، وتعد الأسرة مأكولات غالبا ما تكون من عجة الذرة، واللوبياء والبازلاء وبعض المشروبات. ويقوم كبير القوم ليتأكد من أنه لا شيء ينقصه، ثم تضرم النيران عليه على طريقة الهندوس، وعندما يعلو اللهب فى الفضاء يجلس أفراد عائلة الميت وهم يتأملون نهاية عزيزهم وينشدون أغاني هي مزيج بين الحزن والفرح فى آن واحد، ثم يوضع الرماد داخل وعاء إلى جانب اليشم. وكان الأزتيك يعتقدون أن الموت ليس سوى شكل جديد للحياة، كما كانوا يعتقدون فى العالم الآخر، وكل ميت يأخذ طريقه نحو هذا العالم، ويصنف حسب الأعمال التي قام بها فى حياته، وعندما يصل الميت إلى السماء السابعة كدليل على حسن تصرفه، عليه أن يترك هناك قطعة اليشم التي وضعها الأحياء فى فمه.
وكان السكان الأصليون فى أمريكا السابقة للوجود الكولومبي يؤمنون بالبعث أيضا وهم يفسرون ذلك باختفاء النجوم وراء الأفق، ثم تعود للظهور من جديد، كما يشبه عالم الأموات عندهم بالذرة التي بعد أن ترمى فى أحشاء الثرى وتموت تعود للحياة من جديد فى شكل نبات قائم جميل مثمر، كانوا يعتقدون أن الوجود الحقيقي هو للروح وليس للجسد الذي يلحق به الفناء. وكانت الجمجمة عندهم لا ترمز للموت وحسب، بل ترمز للحياة كذلك، إذ إنها تعني الأمل فى البعث من جديد. ويقول شاعر أزتيكي فى هذا الخصوص:
إننا نأتي فقط لننام / إننا نأتي فقط لنحلم
فليس صحيحا أننا / نأتي للأرض لنعيش
فقد كانت الأرض عندهم بمثابة محطة للمرور، أو جسر للعبور والانتقال إلى عالم آخر، وهكذا كان مفهوم الزمن أو الفضاء، أو الحيز، أو العالم المرئي، والعالم غير المرئي ليس سوى عالم واحد، وهنا تكمن ثنائية الاعتقاد فى الموت والحياة، وأن الموت هو دليل الخلود وليس العكس.
يوم الموت
الموت يسوي بين جميع الأحياء، وهو واقع يومي يحاول الناس نسيانه، إلا أنه يدركهم فى آخر المطاف مهما طال مقامهم فى هذه الديار، ويقاسم الشاعر الأزتيكي الكبير" نيزاوالكويوتل" شاعرنا العربي القديم زهير بن أبي سلمى المزني هذه الحقيقة فيقول هو الآخر:
هكذا نحن أحياء- أموات / لا بد لنا يوما أن نرحل
عن هذا العالم الأرضي / مهما طال بنا به المقام
وللموت آلاف الأسماء فى مختلف لغات الأرض، فالأموات الذين كانوا يوما أحياء يرزقون فى الأرض ليس من السهولة نسيانهم فى الحياة، ويحاول الناس فى المكسيك مرة من كل عام فى هذه التواريخ أن يرتدوا لباس المنية، أو يتدثروا بمسوح الموت، أو قناع الحمام يتمثلونه فى الحياة قبل الممات استذكارا واستحضارا لموتاهم، ومن ثم جاءت هذه الاحتفالات التي تنطلق سنويا من أواخر شهر أكتوبر وتتوج فى الثاني من شهر نوفمبر، حيث يخيل للناس أنهم سيلتقون بموتاهم، وفى هذه الأيام يوقد فى أعلى مكان من المنزل نور خافت إلى جانب مائدة وضعت عليها أشهى المأكولات، وأطيب الفواكه وألذ الحلويات التي كانت أثيرة لدى الميت فى حياته، ففي يوم 31 أكتوبر يبدأ الاحتفال، وعندما تسمع ضربات النواقيس (12 ضربة) توقد الشموع والأنوار فى مختلف الدور، وفى تلك اللحظة تخلو المدينة من المارة ويسودها سكون شامل، ويبدأ الأطفال فى إيقاد عيدان الند والبخور التي تشيع روائح زكية فى مختلف أركان البيوت والمنازل، وتوضع إلى جانب المائدة ورود، وأزهار، وشموع بيضاء، واحدة لكل ميت، كما يوضع كوب من ماء ومجسمات من طين وفخار ولعب لاستقبال الموتى، وفى الصباح يتخيل الناس أن موتاهم الصغار والأطفال، مثلا يأتون لزيارتهم ويشاركونهم الإفطار، وفى الساعة الثانية عشرة ظهرا تستبدل الزهور البيض بالصفر ثم تقرع النواقيس من جديد لاستقبال الموتى الكبار، كما تستبدل الشموع بقناديل سوداء، وشموع أكبر من الشموع السابقة، وفى الساعة الثانية عشرة ليلا يترحم على الأموات، وعند الصباح تقرع الأجراس من جديد، عندئذ يخرج الناس من دورهم ويتجهون للمقابر، وقد أوقدوا الشموع من جديد، وأشاعوا البخور فى الأجواء، ويقضون الليل كله إلى جانب أحبائهم الراحلين وقد غطوا القبور بالورود والأزهار، وفى ثالث نوفمبر يتزاور السكان فيما بينهم ويتبادلون الأطعمة والأطباق التي كانوا قد أعدوها لموتاهم، وهكذا يقيمون روابط وأواصر ووشائج فيما بينهم باسم الموت.
كما يتجه الناس فى هذا اليوم أفواجا ووحدانا ليلا إلى مدينة "مكسيك" القريبة من العاصمة العملاقة للترحم على أجدادهم القدامى، وهم يحملون آلاف الشموع والقناديل المضاءة، ويشكلون بذلك منظرا مثيرا حيث تتلألأ الأضواء الصغيرة تحت عباءة الليل الحالكة، وينوف عدد الذين يزورون هذه المدينة فى هذه المناسبة على مليوني شخص، يؤمون مختلف منازل المدينة للسلام على ذويها، ومشاهدة الأطعمة التي أعدت للموتى فى كل دار، في تجسيد نابض للاحتفال بالحياة كذلك فى أجلى وأعمق معانيها.
متحف الموت.. وهالوين
يوجد فى المكسيك متحف فريد من نوعه خاص بالاحتفالات بيوم الموت والموتى، يضم كثيرا من الأجنحة والأروقة تشمل تقاليد مختلف جماعات السكان الأصليين، ولا يتعلق الأمر بمعرض لنماذج من الموائد التي يتم إعدادها فى مختلف الأقاليم بهذه المناسبة، بل هو معرض حول كل ما له صلة بهذه الاحتفالات، وهو مفتوح على امتداد السنة للتذكير بالموت، هو تذكير بالحياة والأحياء، ذلك أن العديد من السكان يرون فى هذه الاحتفالات مناسبة للتأمل وإعمال النظر والفكر فى الحياة الحاضرة، والحياة الأخرى التي تنتظر المرء، فيبدأ فى مراجعة نفسه، ويحاسبها حتى لا ينسى أنه مجرد طيف عابر، أو ظل زائل فى هذه الدار، وأنه لا بد راحل لا محالة يوما نحو العالم الآخر.
وكان المتحف البريطاني فى لندن قد أقام منذ سنوات معرضا حول مختلف المراسيم التي تقام للموتى فى المكسيك، حيث تسنى للأوروبيين التعرف على تفاصيل هذه الاحتفالات، والطقوس الغريبة، وكيف ينظر المكسيكيون إليها.
ولا يعرف كيف وصلت حفلات شبيهة بتلك التي تجري فى المكسيك إلى الولايات المتحدة الأمريكية تحت اسم "هالوين" أو ليلة الساحرات، ويعتقد أنه ربما تكون قد وصلت إليها من إنجلترا، أو إيرلندا، (السلتيك) حيث كانت وما تزال هذه العادة منتشرة إلى اليوم بشكل أوسع من السابق، وكانت بعض بلدان أمريكا اللاتينية قد عملت على منع إقامة هذه الاحتفالات خاصة فى الأماكن العامة، والشوارع وفى المدارس والمعاهد. وقد دأب الناس فى معظم هذه البلدان على إحياء هذه الاحتفالات خاصة فى ليلة 31 أكتوبر حيث يرتدون أقنعة مختلفة، وأردية تنكرية.
يوم خاص للكتاب والفنانين
منذ 1986 اعتاد "الاتحاد العام للكتاب المكسيكيين" على إقامة مناسبة خاصة بالكتاب والفنانين والمبدعين الراحلين، ومائدة الكتاب على عكس التقاليد السائدة ليست من مأكولات وحلويات بل من نور وزهور، وهذا التقليد جديد فى المكسيك لم يسبق إليه أحد من قبل. ويتم إقامة هذا الحفل فى مسرح كبير بالمدينة فى حي "كيوكان"، وهو حي معظم قاطنيه من الكتاب والفنانين، وتقدم خلال الاحتفال أشرطة، وتسجيلات حول حياة هؤلاء الكتاب، مع قراءة بعض إنتاجاتهم القصصية أو الشعرية، أو عرض بيان حول أعمالهم التشكيلية، كما تقام موائد مستديرة حول تلك الأعمال حيث يتخيل المحتفون أن الراحلين حاضرون معهم خلال هذه الأمسية، وذلك باستعمال أدوات تسجيل حديثة ومتطورة تتضمن أصوات هؤلاء.
وهكذا تمتزج التقاليد بالفنون فى جو تنبعث منه روائح البخور الزكية والشمع المحروق، وقد حققت هذه التجربة نجاحا كبيرا على الرغم من أنه كان هناك من عارض إقامتها معتبرا ذلك تجنيا وتطاولا على تقاليد ما زال السواد الأعظم من الناس ينظرون إليها بنوع من التبجيل. وتقدم خلال هذه الاحتفالات أعمال مسرحية تجلي عمق هذه العادة، وتحلل رمزيتها، وهكذا يكتسب هذا التقليد بالإضافة إلى طابعه الروحي طابعا اجتماعيا وثقافيا حيث يتذكر فيه الناس أحباءَهم الراحلين، ويستحضر الخلان أصدقاءَهم، ويتذكر المشاركون أن عالم الأموات فى العمق غير بعيد عنهم بل هو جزء لا يتجزأ من عالمهم، ولهذا يحتفي الناس بهذه المناسبة ولا يبكون موتاهم.
وقد كتب الكثير فى مختلف العصور عن الموت، وهناك عشرات الكتب والمجلدات والقصص والحكايات والأساطير التي تتناول هذه الظاهرة الطبيعية، فمن وجهة نظر المواطن المكسيكي فإن الموت يعيش بيننا، ويضحك ويبكي ويغني. والاحتفالات التي تقام للموت تنطلق من هذا المفهوم المبثوث فى كثير من الحِكم المأثورة، والأشعار المشهورة، والأمثال السائرة، فالموت فى هذه الموروثات هو رفيق كل من تدب فيه الحياة، وهكذا فالجمجمة المصنوعة من القرع (اليقطين) والعيش المرشوش بمسحوق السكر والملح والحلويات والزهور ذات اللون الأصفر (يرمز إلى الشحوب والذبول)، واللون الأحمر (رمز الحياة والحيوية)، كل ذلك يقدم فى الاحتفال وإلى جانبه تكتب الحِكم والأمثال والأشعار التي تذكر بالموت. وكلمة الموت التي تقشعر لها الأبدان فى مختلف أنحاء العالم هي بالنسبة للمكسيكي شيء مألوف، فهو يلاطف الموت، ويداعب الموت، وينام إلى جانبه، ويرتمي فى أحضانه، بل إنه لا يتورع عن السخرية منه!
وليس فى الآداب العالمية شاعر أو كاتب لم يتعرض للموت فى أعماله، وهو موضوع كان له وجود فى مختلف العصور، فى ملاحم بلاد الرافدين، وفى مصر القديمة، وعند الرومان، والإغريق، وعند قدماء السكان الأصليين فى أمريكا اللاتينية، وفى الأدبين العربي والأمازيغي قديميْه وحديثيْه. وهناك كثير من الشعراء والفنانين تغنوا بالموت وكتبوا عنه، ففى الأدب الإيبروأمريكي نجد على سبيل المثال: روبين داريو، وخورخي لويس بورخيس، وبابلو نيرودا، وإيرنيستوساباتو، وإدواردو جاليانو، وفدريكو جارسيا لوركا، ورفائيل ألبرتي، وفياروتيا، وخوسيه بوسادا، وبرونو ترافين، وأوكتافيو باث، وبرناردو أورتيس، وتامايو، وفريدا كاحلو، وريفيرا، وخوان رولفو الذي قدم لنا فى قصته الشهيرة "بيدرو بارامو" بطلا من الأموات، وكارلوس فوينتيس الذي يتعرض لموضوع الموت فى شخص رجل مسن يأتي من الولايات المتحدة الأمريكية بحثا عن الحِمام (بكسر الحاء) خلال الثورة المكسيكية لأنه يعتقد أن استشهاده فى هذه المعركة أكثر شرفا له من أن يموت موتة طبيعية.
كما نجد موضوع الموت عند معظم الشعراء لدى معظم الأمم، منهم زهير، وطرفة، والأعشى، والخنساء، وأبو العتاهية، وأبو تمام، وابن الرومي، والمتنبي، والمعري (فى داليته الشهيرة وسواها)، وعمر الخيام، وطاغور، وبودلير، ورامبو، وكافكا، وباسكال، وريلكه، وكامو، وهمنجواي، وسواهم من الأدباء والشعراء العالميين وهم كثير. وقديما قال المتنبي:
أصارعُ خيلا من فوارسها الدهرُ
وحيدا وما قولي كذا ومعي الصبرُ
تمرستُ فى الآفاتِ حتى تركتها
تقولُ أماتَ الموتُ أو ذُعر الذعرُ
ويُنسب إلى عمر بن الخطاب قوله:
الموت باب وكل الناس داخله / فيا ليت شعري بعد الباب ما الدارُ
الدارُ دارُ نعيم إن عملتَ بما / يُرضي الإلهَ وإنْ عصيتَ فالنارُ
وقال آخر:
تزود من الدنيا فإنك لا تدري
إذا جن الليل هل تعيش إلى الفجرِ
فكم من سليم مات من غير علة
وكم من سقيم عاش حينا من الدهرِ
وكم من فتى أمسى وأصبح لاهيا
وقد نُسجت أكفانُه وهو لا يدريِ.