جدلية الاغتراب والانتماء في ديوان « بدأت مع البحر »

19/07/2016 - 11:05:40

أحمد عنتر مصطفى - شاعر مصري

أعتقد أنه من فضول القول التأكيد على أن الشعر ـ وباستثناء الموسيقى التي شاركها الشعر أهم خصائصها: الإيقاع ـ يظل هو ألصق الفنون بالنفس البشرية وأقدرها على استفزاز المُخَيِّلَة الفردية والجمعية والتوغل في وجدان الإنسان مبدعا ومتلقيا.. والشعراء؛ تلك الكائنات الوترية كما سبق أن أطلقت عليهم؛ هم الأكثر والأسرع استجابة وتفاعلا في حوار الذات مع الكون والكائنات؛ واشتباكا بمفردات الوجود بحكم ملكاتهم وتكوينهم المرهف الذي اختصتهم به السماء.
ومحمد عبد الله البريكي واحد من هذه الكائنات الوترية المشدودة على قوس الحياة.. هو شاعر من الشارقة؛ واحة الشعر في هجير الواقع العربي؛ تلك الإمارة التي تُولي هذا الفن عناية فائقة ورعاية خاصة؛ تجلّت في قيام دائرة الثقافة والإعلام بإنشاء بيوت الشعر في العديد من الأقطار العربية في مقدمتها مصر وتونس وغيرهما؛ على غرار بيت الشعر - المركز - بالشارقة الذي يترأسه شاعرنا محمد البريكي.
للبريكي أربع مجموعات شعرية؛ اثنتان منها للشعر الشعبي (النبطي): همس الخلود وسكون العاصفة. ومجموعتان من شعر الفصحى؛ الأولى: بيت آيل للسقوط 2012؛ والثانية وهى موضوع دراستنا هذه بعنوان "بدأت ُمع البحر" 2015.
وبداية؛ نلاحظ أن الشاعر يكتب شعر الفصحى والشعر الشعبي؛ وهو مجيد في كلا الشكليْن؛ وقد تقاسم النْوْعان قلبه وإنتاجه:
أنا معدمٌ؛ لو جاء مجلسَ قومِهِ
وقف الجميع لأجل هيبتهِ فقط
قلبي (يُدَوْزِنُ) في الحروف قصيدة
ف(غناؤهُ) فصحى؛ ولهجتُهُ نبط
وإذا كان يدعونا إلى معرفته عن طريق شعره: (فّتِّشْ عن قلبي في شعري) مؤكدا مقولة (ستيفن سبندر): "إن شخصية الشاعر هى شعره. وإننا نعرف الشاعر بشعره أكثر مما نعرفه عن طريق دقائق تاريخ حياته". فإننا هنا نؤكد على ملاحظتين فارقتين شفّ عنهما تأمُّلُ البيتين السابقين. الأولى: تأكيد البريكي على أن (حضوره الشعري) هو (حضوره الشخصي) بل إن الحضور الأول هو ما يحقق من خلاله ذاته الشخصية وما يدعو الجميع إلى تقديره.. والثانية: ما تؤكده الكلمتان: ( يُدَوْزِن) ذلك الفعل المفعم بالنغم؛ و(غناؤه) وهى مفردة دالة على عفوية الترنم الموسيقي بالمشاعر والأحاسيس والأفكار النابضة في الحروف والكلمات. وتقودنا تلك؛ إلى ملاحظة ثالثة فارقة؛ أن (الغنائية) في شعر البريكي سمة غالبة؛ بل لها اليد الطولى؛ فنيا؛ على قصائد المجموعة؛ حتى أنه لم يحدث أن استعمل مادة (كَتَبَ) ومشتقاتها ومستلزماتها من (سطور/ مداد/ أوراق..الخ ) تعبيرا عن إبداعه؛ لم يقل إنه (كتب) قصيدة مثلا .. بل دائما ما يؤكد أنه (يتغنَّى) ولا (يكتب).. وليكن ولوجُنا إلى عالمه هنا قصيدته (قهوة الضوء):
(واحدا) كنتُ في مرايا طموحي
فتشظّيتُ (أُمَّة) في نقائي
وتهاويتُ والنجوم تغني
"طلع البدرُ" وانتشتْ في لقائي
لم أكن حينما قدمتُ نبيا
إنما خِلت ُبعضَ قومي ورائي
بعضهم عاش في عيوني طويلا
بعضهم نام في زوايا وفائي
بعضهم بين مدمعي صار لصّا
يتوارى عن البكا في بكائي
بعضهم كان في (يمامة ظهري)
كاذبا يستبيح عرض غنائي
(لا يمر الخليل دوني إماما
حين أشدو.. ولا أطيع الكسائي)
تتعرى اللغات حين أغني
وأراهُنَ كلَّهُنَّ نسائي
ألمس الحرف قطعة من حديدٍ
ثم ألقاه راقصا في غنائي
ستشيخينَ يا لحون الأغاني
وتعودين طفلة في غنائي
قد يغيبون عن سماك؛ ولكن
ستعيشين (نخلةً) في ردائي
في هذه القصيدة نحن إزاء شاعر (يتغنى) ببساطة وعفوية؛ ويضنيه ألا يعرف (البعض) ما لهذا الغناء من حرمة ف (يستبيح "عِرضَ") غنائه، ونحن ندرك عربيا وإنسانيا قيمة لفظة: "عِرْض" ودلالتها هنا مع فعل الاستباحة. ثم نلقى هذا الشاعر لا يأبه بأساطين اللغة والنحاة لا عن امتهان لهم ولكن لأن غناءه شجيٌ سَويٌ عفويٌ لا يخضع للترتيب والتنميق والحسبان.. إن اللغات تتعرّى أمامه فيجتلي محاسنها ويجتني مفاتنها وكلهن حليلات وخليلات له.. وهو قد يلمس الحرف الحرون (قطعة من حديدٍ) فإذا بالحرف ينبض ويُحِسُّ ويطرب راقصا في قصيدته.. إن الصيرورة والتجدد تلحق باللحون التي شابت فتبُعث في رواءٍ من الشبابِ جديدِ.. ولنلاحظ في هذا البيت قولَهُ: "يا لحون الأغاني" كان يمكنه أن يقول: "يا لحون القوافي" ولا يُخِلُّ ذلك بالبيت عروضيا؛ ولو فعل ذلك لما كان محمد البريكي الذي يحرص دائما على إشاعة مفردات (الغناء) في شعره. وتفضيلها على مستلزمات (الكتابة) كما أسلفنا. وفي البيت الأخير نرى تحولات هذه اللحون التي تتجسد نخلة تتخذ سمت الشاعر وهيئته وتحل في جسده وردائه؛ ولنا إطلالة قادمة على هذه الصورة ومثيلاتها.
وتشف أبيات القصيدة عن ملامح اغترابٍ عانى؛ ويعاني؛ منه الشاعر فيفاجئنا بصوته الفرد: (واحدا كنتُ).. وكان يمكن أن نعتبر حديثه ذاك لا يتعدى التعبير عن الفرادة الإبداعية مثلا. ولكن خيط النزيف الإنساني يمتد فيكشف عن جحيم الآخرين الذين يصفهم ب (بعض / بعضهم) هذه الصيغة التي تتكرر خمس مرات في هذه القصيدة؛ وفي عدة قصائد أخرى. ونحب هنا أن ننوه بأن مفردة (بعضهم) هنا ليست للتقليل العددي بقدر ما تصور تهوين الشاعر من شأنهم وعبث محاولاتهم. ويعترف: (لم أكن حينما قدمت نبيا) ولكنهم خذلوه وقد تخيلهم ظهيرا له. وفكرة الشاعر صاحب الرسالة الذي يُواجِه الرفض والإنكار أو عدم القبول من الآخر السائد؛ فكرةٌ تتردد أصداؤها في شعرنا العربي عبر مراحله المختلفة. وإذا كان المتنبي يقول إنه: (غريبٌ كصالحٍ في ثمودِ) أو (كالمسيحِ بين اليهودِ) فشاعرنا يتواضع ولا يُنَصِّب نفسه نبيا؛ وإن كان يتفق مع شاعر العربية الأكبر حيث يقول: (إن النفيس غريب حيثما كانا).
ومن هنا أيضا؛ يتفق محمد البريكي مع شاعرنا العربي القديم الذي يفتح عينيه ويغلقهما (على كثيرٍ.. ولكن لا يرى أحدا) في قصيدته التي حملت المجموعة عنوانها "بدأت مع البحر" وكأنما يلقي بخطاب وداع بتكراره: (سلامٌ عليّ) حين يردد:
سلامٌ عليّ إذا ما بدأت الحياة
بسجّادةٍ ألفتْ وجهَ أمي
وسجّادةٍ فاض دمع أبي فوقها
ثم قالوا: "انطلق.. أنت وحدك في الدربِ / فوقك ربٌّ أحَدْ.
سلام على قريتي وهى تنفض عنها نعاس النخيل
وتلبس فجرَ البلدْ
سلامٌ على البدءِ والمنتهى
على فرحة الأهل حين قدومي
على صرخة (البعض) عند رحيلي
على الأرض حين تفتش عن ضحكة فوقها
إنما.. لا أحد.. لا أحدْ!!
هذه الصرخة هى الاحتجاج الحاد الذي يرفعه المبدع في وجه من يطعنونه في (يمامة ظهره) على حد تعبير شاعرنا؛ وهى الصرخة نفسها والقرار الذي اختتم به الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي قصيدته المعروفة: (الموت فجأة) حيث ينتهي إلى أن: (هذا الزحام.. لا أحد).
ومن يتأمل قصائد المجموعة يجد معجم الشاعر يؤكد انتماءه إلى بيئته ووطنه حيث تشكل العديد من المفردات؛ ومن ثم الصور؛ حبلا سُرِّيا يشده إلى الوطن الأم.. ومن رموز هذا المعجم؛ البحر، القمر، الريح، النخيل، الجرح، الجواد، الغيم، الضوء الشتات.
انتماؤه يمتد؛ أيضا؛ إلى تبنيه قضايا مجتمعه؛ وإنسانيا يرفع احتجاجه في وجه الجوع والفقر وقهر البسطاء هنا ترد مفردات وتركيبات مثل: الجوع الرغيف/ طاحونة/ سنبلة/ المخابز: ويأتي صوته نحيلا صامدا:
هذي السماءُ وهذا الليل مدّ يدا
حنونة تطعمُ الأشرافَ والفقرا.
وأهديته من دموعي عيونا
ومن وحشتي أرغفة
وفي هذا البيت الأخير يكسر الشاعر النمط المألوف؛ فمن المعتاد أن يهدي الشاعر دموعا من عيونه؛ هكذا جرى العرف عند الشعراء؛ أما هو فيهدي من الدموع عيونا فتجيء التورية التي تتماهى فيها العيون التي تدمع وعيون الماء في الصحراء.
حضور التراث العربي
من أهم ملامح انتماء الشاعر حرصه على حضور تراثنا العربي في ثنايا قصائده؛ وهو يجلو هذا التراث بكونه (تاريخا) وليس في سياق (الحنين إلى الماضي)؛ وتتعدد عنده أساليب التناول وتكثر لديه مواطن الاستلهام لسِيَر وأسماء الأنبياء والقصص المعروفة في الأدب العربي؛ وندر أن يستشهد أو يستلهم شيئا من التراث الإنساني العالمي؛ إذ أملى عليه انتماؤه أن تكون مرجعيته عربية في هذا الصدد؛ وربما يؤخذ عليه ذلك. وطبيعي هنا أن يجد القارئ أسماء ورموزا واستلهام َمواقفٍ وسير لشخصيات لها مكانتها في الوجدان العربي مثل: (قيس وليلى/ بغداد/ صنعاء/ بلقيس/ طائر الفينيق/ هولاكو/ المعتصم/ أصحاب الفيل/ الطير الأبابيل.. كما يأتي التلميح بأبي العلاء في قول الشاعر (خففوا الوطء فوق الحروف/ لأن الحروف بها قلبنا).
وفي أكثر من موقع يتقصى قصة يوسف عليه السلام في العديد من تفاصيلها، أما موسى عليه السلام فيرد ذكره في قوله: وسارِعوا إنني في بدء بسملتي/ (آنستُ نارا، وكان البرد صحرائي؛ (من أنتِ؟ موسى.. أنا في البحث أتعبني.
ويصل انتماء البريكي إلى ذروة تجلياته في مواقفه من قضايانا القومية؛ إنه يأسى لما حل بوطنه العربي الكبير؛ وأينما فغر الجرح فاه كان نزيفه الشعري مواكبا؛ لائما ومواسيا حينا؛ وساخطا في أغلب الأحيان.. إنه لا ينسى فلسطين وغزة: غزة تنهض كالعنقاء؛ وسبأ وصنعاء (ومن سبأٍ يحكي لنا الطيرُ أنه/ بصنعاء بلقيس الأمانِ مكبّلهْ)... ويمزقه ما يحدث في سوريا والشام: (لديّ الذي لم أقلهُ فدالية الشام لن تتدلى إذا قلتُ: لا رُطبا سوف أجنيه من بلدٍ صارت الحرب زوجة أبنائها وهى تزحف مثل الثعابين نحو القبيلة؛ تلسعها من بعيد.. ويسقط حراسها ميتين). ومصر التي يختصها بقصيدة "سّاقطتُ شعرا". إنه مؤمن بهذه الأمة التي (تقاتلُ بالزيتونِ وهى مُزَلْزَلَهْ) كلما غلبه الأسى لكز جواد شعره: (وطن تنام على حروفك عينُهُ/ أخبره عن جرح الشتات ليزرعك). مؤمن بأصالة هذا الوطن وعراقته (هنا وطنٌ عيني عليه تساقطت/ وقلبي إلى مجد السموات يطلعُ/ معلقةٌ روحي على باب نبضه/ وغني به من شهقة الوجد مقطعُ).
يحاول الشعر دائما البحث عن إيقاع المعنى الغامض في مظاهر الوجود؛ وتفاصيل الحياة اليومية الدقيقة في عمقها فلسفة الحياة؛ والشاعر المبدع هو القادر على اصطياد الهنيهة الشعرية من ركام تلك التفاصيل. ومحمد البريكي ينماز بالقدرة على الغوص إلى أعماق المخيلة والظفر بلآلئها.. ويظهر ولعه بسرد التفاصيل التي تُضفي ثراء على النص وتمهد وتعمق مجراه في وجدان المتلقي.. ولنتأمل قوله:
طفلة فقدت في الحروب ذويها
أبوها الذي قبّلته الرصاصة فوق الجبين
وأم تنام على جهة غيبت حلمها
عن طوابير تزحف نحو المخابزِ كالسلحفاة.
وتحظى الأم (التي تقطف دعوتُها القمر) والأب ومعالم ومعاهد الطفولة والصبا بتفاصيلها باهتمام بالغ ملحوظ.. (..أبي/ ذلك العالم الشيخ/ أذَّنَ ثم أقام الصلاة لتبدأ رحلة هذا الصبيِّ مع الوقتِ/ حين يأتي إلى بابنا الباص/ يأخذ قلبي إلى المدرسة"، قصيدة: "بدأت مع البحر".
ويبدو أن نشأته في كنف والد شيخ متدين جعلت للمسجد والمصحف والمنبر حضورا لافتا في شعره في أكثر من موضع. كذلك تكرار مفردة (الشيخ): (منذ غادرت/ والقلب شيخٌ رعى مسجدَهْ/ تشرق الشمس؛ ثم تغيبُ/ بلا أفئدةْ/ وأنا قهوتي كالشتاء على المنضدة). ولا يفوتنا هنا أن نلفت النظر إلى أن هناك أبا آخر يتوجه إليه بالاعتذار.. وهو آدم عليه السلام؛ حامل لواء الخطيئة الأولى: (أنا يا أبي آدم ابنُكَ/ أبعُدُ شوقا عن الماءِ/ ثم أعود إلى العوْمِ/ تشغلني عن جنون الأعاصيرِ تفاحةٌ/ وأعوم بلا وعى حتى أُفيق/ وقد أرهق الموجُ قلبي/ وأني رُكِلتُ بماء الخطيئةِ/ حتى ارتميتُ على شاطئٍ من شتات).
...
متى يدرك البعض أن القصيدة/ جسرٌ لمن هَمُّهُ أنشأه؟
تساؤل يطرحه محمد البريكي متعجبا؛ مستنكرا.. وأطمئنه إلى أنه صوت شعري عربي أصيل؛ وليس عليلا بين جناحي المسافة والأماني؛ كما وصف نفسه متواضعا؛ وليُصْغِ منصتا إلى الصوت الهادر المنحدر من القرن الرابع الهجري، صوت أبي الطيب المتنبي شاعر العربية الأكبر:
فلا يتهمني الكاشحون؛ فإنني
رَعَيْتُ الردى حتى حَلَتْ لي علاقِمُهْ.