راديكالية عزت قرني في كتابه « أصول الفن »

19/07/2016 - 11:03:20

د. حسن يوسف طه - كاتب مصري

عزت قرني يكتب وهو يريدك أن تقرأ. وأنا أحذرك أو أنصحك أن تتأنى قبل أن تقرأ! لماذا؟ لأنه يكتب بطريقة مختلفة. انطلاقاته غير ما تعودت عليه من الكتابات. أغلب الظن أنك ستشوش وتتشتت والسبب ببساطة أن عزت قرني له مفتاح من الضروري أن يكون معك، ذلك المفتاح لا بد من الحصول عليه من قبل كي تدخل وتقرأ وتفهم. هنا سيشعر هو بوجودك أما إذا دخلت إلى قراءته بدون ذلك المفتاح فلن يشعر بك ولن يجيبك وغالبا ستكون شخصا غير مرغوب فيه! ما هذا؟ تلك هي الحقيقة فالرجل يريد التأسيس.
عزت قرني من جيل الليبرالية الفكرية في مصر، حيث عاصر أو تأثر أو تلامس أو تواشج مع عمالقة في عالم الفكر والثقافة أمثال: سلامة موسى، على عبد الرازق، مصطفى عبد الرازق، قاسم أمين، طه حسين، توفيق الحكيم، يوسف إدريس، أحمد بهاء الدين، يوسف مراد، أحمد شوقى، زكى نجيب محمود. ولد في يناير 1940 وحصل على ليسانس الفلسفة من كلية الآداب بجامعة عين شمس، وحصل على جائزة الدولة التشجيعية 1975 وحصل على وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1976.
عزت قرني يمكن أن نقول إنه راديكالي الفكر، يتفق معي من يتفق ويختلف من يختلف فأهلا بهذا وأهلا بذاك.. والراديكالية مصطلح منذ العصور الوسطى، وهى تعريف للكلمة الإنجليزية Radicalism وأصلها كلمة Radical التي تعنى باللغة العربية (أصل) و(جذر). من هذا المنطلق هو باحث عن الجذور والأصوليات. لا يهمه ما هو قائم وما قد تعودت عليه. يؤسس بطريقة جديدة ليس المهم أن يعجبك. الأهم أن يقيم أساسا جديدا لمن أراد أن يعرف ويؤسس لفكر مصري أصيل، تلك الكلمات كان من الضروري أن نبدأ بها حتى يتسنى لمن أراد أن يقرأ فليقرأ وفى ذهنه ذلك العالم المغاير. عكس العالم الذي تعودت عليه. فعليك أن تطلّق المألوف لأجل أن تقبل الجديد.
نتناول كتابه "أصول الفن" في مجال الفن والجمال. من يكتبه اسم له مكانته وجدارته في التاريخ الفلسفي المصري. وقد عرفت اسم الدكتور عزت قرني منذ كنت طالبا في الجامعة من خلال كتاباته وكتبه في مكتبة الكلية وخاصة ما كتبه في الفلسفة اليونانية. وقراءة عزت قرني لا بد أن تنطلق من أتون التأسيس، بمعنى آخر أنها قراءة قادرة على التخلي عن بعض ما ألفته في السابق كما قلنا. وقادرة على تقبل أسلوب جديد يضع أسسا جديدة ربما لم تكن مألوفة أو مستساغة. إن مثل تلك المواقف في اعتقادنا هي التي توجد حالة من الحوار الجدلي. أو الصراع الجدلي بين ما هو مألوف ومعهود ومطمئن وبين ما هو جديد يزعزع الأساسيات المألوفة الثابتة.
أظن القارئ لعزت قرني صنفين.. أحدهما يبدأ القراءة ثم ما يلبث أن يبتعد دون أدنى نية لديه أن يعود أو يحاول العودة.. والصنف الآخر يقرأ ويتحمل القراءة والتدقيق والتركيز، وكلما قرأ وقف على الأسس والمفاهيم والهدف. الصنف الأول هو من لم يمتلك الأدوات التي تؤهله أن يدخل لمثل تلك المؤلفات ليقرأها ويستوعبها ويمسك بخيوطها أو يفك خيوطها. والصنف الثاني امتلك القدرة على الصبر والتأني ليمسك بتلك الخيوط ليعرف بدايتها ونهايتها.
وفي منهجية التفكير نتوقف على طريقة التفكير عند المبدع أو الكاتب أو الفيلسوف وطريقة التفكير إما أنها تكون ترديدا لأفكار أو تعليقا على أفكار وشروح من هنا أو هناك. وإما لا هذا ولا ذاك وإنما هي انطلاقة خاصة نقول عنها (راديكالية) ذاتية. أي أنها تريد أن تبحث عن الجذور والأسس التي منها نبدأ لكي يقام البناء على أسس راسخة متينة يكون واضعها على ثقة ويقين من ثباتها ومتانتها. وإذا توقفنا عند عزت قرني نجد أنه يستخدم كلمات لها معناها ودلالتها فنجد مثلا: تأسيس الحرية: لتكوين الأساس والظواهر الكبرى، أصول الأخلاق.. الفلسفة المصرية: شروط التأسيس.
وفى عالم الكتب والفكر نقول إن هناك كتبا تجعلك تفكر وتتأمل. وهذا رائع. ولكن هناك كتبا تجعلك تعيد التفكير والرؤية فتقرأها وتتأمل لتعيد ترتيب الأفكار والاتجاهات والرؤى.. هذا الأمر يصدق على "أصول الفن" وهو كتاب لا يقف عند الجزئيات وإنما هو مسافر إلى البحث عن الكليات. وينبغي ملاحظة أنك تجد نفسك يستوقفك السؤال وتظل تستمر مع الكتاب حتى تجد الإجابة.. فالسؤال محير ويحتاج للإجابة ولا تملك إلا مواصلة الرحلة مع الكتاب كي تجد الإجابة عن السؤال. فمثل الأسئلة التي تواجهك: من ينتج الأصوليات؟ ومن المؤهل ثم القادر على إنتاج نظرية في أصول الفن؟ وعن أهمية وضرورة الفن: هنا تجد أن السؤال يتعقبك.. ضرورية لمن؟ وما وجه تلك الضرورة؟
أصول الفن نجدها في البيئة العربية؟ أم في البيئة الغربية؟ وكيف يمكن توضيحها في بيئتنا التي نعيش فيها؟
إن مقصد مبحث أصول الفن هو النظر إلى الظاهرة الفنية ككل من أجل إبراز، أو اقتراح، الأصول والأسس والمبادئ التي تقوم عليها، وما يتصل بكل ذلك جوهريا أو يكمله. إن مبحث أصول الفن يلزمه أن يتعرض لتعريف الفنون عموما ومآلاتها. وينتج عن هذا الوضع العام للأمر، ولاتخاذ موقف مما يعتبر جوهر الفن، وطبيعة العمل الفني.
ويبين عزت قرنى رؤيته بقوله: إن الفن جزء عضوي من الثقافة، وإن جوهر الفن هو الشكل، وإن الصلة بين الفن والجمال عارضة، كما يباين منظور تناولنا كل التباين طرق المبحث الغربي المسمى "بالاستيطيقا" وفيه يختلط موضوعا الفن والجمال، وتبرز فكرة "الحكم" ويتم التأكيد على دور الإدراك إلى جوار الانطلاق فعليا من كتاب لفيلسوف ألماني من القرن الثامن عشر الميلادي، ويتم اللف والدوران من حوله ومن فوقه ومن تحته. كل هذا لا شأن لنا به، لأننا ننطلق من موقع تأسيس أصوليات (فلسفة) جديدة لأمة جديدة، ونكتب بالعربية كما نفكر بالعربية معا وتلازما، لكنها ليست العربية القديمة، وهى لغة ثقافتنا السابقة القديمة، بل هي لغة ذات مصطلح جديد لمفاهيم جديدة من حيث مضمونها، وإن قد يوجد ما يقابلها، شكليا، عند بعض هؤلاء أو أولئك من أهل ثقافات مغايرة.
... أما أول وظائف أصول الفن فإنها بالطبع بيان الأسس وإيضاح المبادئ التي تحدد الظاهرة الفنية في مجملها وتجعل قيامها مفهوما. إن أصول الفن تقدم مفاتيح التفسير والفهم. ويلي ذلك، ثانيا، وعلى نحو محدد، تقديم إجابات مناسبة وقوية عن الأسئلة الكبرى التي تضعها كل الأذهان في شأن الفن، ثم هناك، ثالثا، وظيفة ذات اعتبار، وهى توحيد الميدان وتنظيمه وتمييزه عن غيره.
إن من وظائف مبحث أصول الفن أن يرى كيف يترابط هذا الثلاثي الضروري: الفنان والعمل الفني والمتذوق (ممثلا للجمهور)، ومن وراء هذا يقف الإنسان من حيث هو إنسان، والحياة من حيث هي حياة. نعم إن وظيفة أصول الفن أن تقدم اقتراحا كليا منظما مؤسسا حول أصول الفن، ومن حيث أنه اقتراح، فليست له وصاية على أحد، وبالأخص على الفنان.
إن الدراسة التأصيلية للفن ينبغي أن تهتم بالمنظور اللغوي وبذلك التفسيري وبذلك الذي يركز على العلاقات داخل المنظومة الفنية العامة، وبينها وبين الثقافة التي تظهر فيها وتعيش بين جوانبها، والتي تغذت من جذورها، والتي هي من أهم ما يمثلها بصورة عامة، حيث الفن هنا لا يقل بحال أهمية عن الحس الديني وعن الفكر وغيره.
"أصول الفن" كتاب للتأسيس فيه الكثير من الإشكاليات. وكثير من الرؤى التي تثير الرأي وتحدث درجة عالية من الجدال. وأمثال تلك الكتب قليلة بل قل إنها نادرة.. لذلك أدعوك أن تقرأ لترى الذي لم تكن تراه في الذي تراه.