« هواء العائلة » .. مرثية للذات والعالم

19/07/2016 - 11:02:24

أسامة الحداد - شاعر مصري

عاصفة شعرية وفيوض جمالية تتوالى فى نص شفاهي شديد التلقائية ترثي خلاله الذات الشاعرة عالمها السابق الذى يغدو أسطوريا بغيابه دون الوقوع فى فخ العديد الذى هو من موروثات الذات المصرية، ويتجاور السرد الحكائي مع المونولوج الداخلي فى تناغم وانسيابية.
في ديوانه "هواء العائلة" يتخلص شريف رزق من حمولاته السوريالية والمعرفية لصالح ما هو إنساني ويعلن تمرده على لحظته الآنية بالبحث عن تحقق وجوده عبر لحظات ماضوية تشكل تاريخا شخصيا ليتسرب إلينا شجنه ونشاطره أحزانه ونجد أنفسنا داخل النص بأشكال متنوعة، فقد تجاوز ذاته الفردانية إلى ذات جمعية ليؤكد الناقد والباحث الأبرز فى قصيدة النثر أنه الشاعر المبدع أيضا، وعبر القصيدة ثمة مزاوجة بين التكثيف والتفاصيل التى تتوالى لخدمة النص الذى هو قصيدة واحدة برغم علامات الترقيم التى لم تكن أكثر من عملية تنظيمية إنه يبدأ من الوحدة وينتهى إليها ومن أبرز ملامح النص التكثيف الشديد حتى فى استخدام التفاصيل والحكي وكأنه صوفي يضع عبارته بدقة محملة بدلالات ورؤى عديدة.
وتبدو الذات الشاعرة فى حالة شبحية تعيش فى ماض وذكريات وتتواجد من خلال الحكى لا الواقع فاستحضار القديم يعنى أنه مسكون بأشباح الماضي الذى يعود فى أشكال مألوفة مع أن الإنسان هو أكثر الموجودات غرابة كما يقول "هايدجر" والذات الشاعرة تكشف عن العالم الغرائبي الذى تعيشه:
"كنت دون العاشرة بقليل
حين مات الدرويش الذى لم يعرف له أهل
والذى قضى حياته على مقربة من المقابر".
بل تمتد فكرة الشبحية لتتعايش مع الذات فى لحظتها الآنية:
"تكاد أن تموت من الرعب،
وأنت عائد إلى شقتك ليلا
حين تجد ماردا أسود فى انتظارك
يدعوك باسمك
أن تتبعه فى هدوء"
وبعيدا عن المقولات الشهيرة حول الأشباح لدريدا وفرويد بل هايدجر فثمة استحضار لأساطير شعبية وعربية لفكرة الوحشة التى ارتبطت فى الذهنية العربية بعالم السحر والجن والتى بدت فى حكاية العاشق العربي الأشهر قيس بن الملوح وارتباطها بالشعر فى وادي عبقر، وتجلت كذلك فى ألف ليلة وليلة، وهو تراث طويل من المدون والشفاهي، لا أعنى بذلك التناص والهوية الخلافية للنص التى قدمتها كتابات نقدية عديدة لكريستيفا ورولان بارت وغيرهما، وإنما قدرة النص على صناعة أسطورته الخاصة حتى لو تقاطعت بدرجة ما مع أساطير وحكايات سابقة، فالنص بالتأكيد لا ينشأ من فراغ فجزء من أى نص يرتبط بخبرات سابقة وتوظيفها داخل النص من خلال غائيته الجمالية هو ما يمنحه تفرده من خلال استخدامه لأداءات وآليات جمالية وسردية يصنع بها عالمه الخاص، فالديوان نص يشكل وحدة واحدة تتصاعد دراميا، وهو ما يمنح النص آفاقا أكثر اتساعا تتجلى فى خاتمة النص:
"إنني غريب عن هذه العائلة
وإنني فى الحقيقة لست منكما أصلا
وإنني أعيش تمثيلية كئيبة
فكرت أن أكتبها يوما فى قصة بعنوان: المجهول".
هنا يصل لذروة الحدث (الفعل الدرامي)، ويؤكد على وحشته واغترابه وشبحية العالم بل إن الذات نفسها تغدو شبحا فى شكوكها حول هويتها ووجودها، وفى سعيها هذا تقدم اعترافاتها ليس على شاكلة الوجدانيين، ولا تجسيدا لما قاله جوته عن إنتاجه الشعري إنه نوع من الاعتراف الكبير، فالذات هنا ليست ذاتا فردية بعيدة عن مجتمعها بل متفاعلة معه تبحث عن تحقق وجودها من خلال حنينها إلى الماضى، وتفاعلها مع عادات شعبية واجتماعية عديدة ترتبط إلى حد ما بالموت الذى لا يشكل هاجسا داخل النص - فقط - بل هو حقيقة وجوهر الصراع داخله فالموت بما يشكله من فقد للأحبة وما يحدثه من تغيرات نتيجة حالة الغياب لشخص ما خاصة إذا كان لصيقا بالذات، هو ما تتصارع معه الذات ففكرة الموت تهيمن على النص:
"ولأسباب فائضة عن بناء السرد هنا
كنت أشعر أنني أعيش فى مقبرة بعيدة ومجهولة
وأشعر بكل ما أصنعه هناك".
وتناول الموت داخل النص لم يكن رغبة فى جدلية مع نظريات عديدة حول الموت وما يليه فى المجهول الذى نذهب إليه، أو وفق فكرة الاستنساخ التى تؤمن بها شعوب عديدة، أو الحساب والآخرة وفق الموروث الديني بقدر ما كان للتأكيد على الوجود والتشبث بالحياة وكأنه أحد الناجين من الطوفان، أو البحار الذى تحطمت السفينة التى تقله وعاش وحده فى جزيرة نائية فى ليالي شهرزاد، أو كأنه روبنسون كروزو يحارب من أجل أن يعيش أو بالأدق أن يثق فى وجوده:
"بصدره العاري
على الشاطئ، وحده
يستقبل قذائف الموج"
أو:
"بعيدا حتى عن جسدي
أجلس على شاطئ البحر وحدي
بريئا من كل ما يحدث".
هنا هو يواجه الموت الكامن فى الذكريات والعادات الاجتماعية فى الجدة التى ينتظر وجودها على باب المدرسة والأم الغائبة والسيارة الرسمية وهى تخبر بوفاة شقيقه.. فى زيارة المقابر فى الأعياد فى الدرويش وحكايات الأولياء، فالموت بين الحقيقة والخرافة والوحشة منه، هو إطار يحمل داخله عوالم وحكايات وحياة تتشكك الذات فى وجودها.
وعبر القصيدة الديوان ثمة ملامح سوريالية تشكل خطا واضحا داخل النص وتم توظيفها دون الوقوع فى براثنها أو تكثيف استخدامها:
"دائما فى وحدتي
تتحرر أعضائي
من كل قيد
دائما فى وحدتي
تتحرك كائناتي
فى الشقة وحدها"
أو:
"أنين يتصاعد من جدران غرفتي
أسمعه بوضوح قبيل نومي
يتكاثف من حولي
فى كل ليلة"
وتم توظيف السوريالية داخل النص لتمنحه قيما وأنساقا جمالية، وللتأكيد على العزلة والاغتراب عن العالم دون الوقوع فى براثنها، شأنها فى ذلك شأن المعرفية التى بدت قليلة برغم الثقافة الموسوعية لشريف رزق ـ أحد أهم النقاد والشراح لقصيدة النثر ـ والذى قدم نصا إنسانيا ينطلق من السؤال البديهي:
"لماذا يموت الذين أحبهم فجأة؟"
إنه أحد الأسئلة الجوهرية والحقيقية لأنه بلا إجابة، إنه سؤال بدأ منذ الأخوين قابيل وهابيل أى متزامنا ومتعاصرا مع وجود الإنسان، فلماذا ينتقل الإنسان من الحياة إلى السكون والعدم؟ ولماذا نفقد من نحبهم؟ لأن من نحبهم فى طفولتنا هم الأحبة بالفعل، وهم من تستمر وجوههم الغائبة محفورة داخل الذاكرة، مهما حاول المرء الهروب من ملامح الغائبين فمن هذا السؤال البادى بريئا ينطلق النص على الرغم أنه جاء فى النصف الثاني من الديوان القصيدة إلا أنه – وكما أرى – هو محور النص حيث التساؤل والذكريات والتاريخ الشخصي الذى تكمن الأنا فى توحدها وتعددها وتوحشها واغترابها داخله، والاعتراف أيضا بالعجز والضعف الإنساني، ومن خلال هذا التساؤل يعيد اكتشاف تاريخه الشخصى الذى هو كشف لحياة أسرة مصرية حيث العلاقة مع الجدة والأبوين ومقتنيات الجدة من عنزات وحمام وسرير نحاسي، وهى تخص عالما ماضويا يتساقط كالجير من حائط البيت، ومعها عوالم المدرسة وألعاب الصغار والذهاب إلى الأسواق الشعبية وكوب السوبيا، ومن خلال هذا السرد الشعري تم رصد المتغيرات الاجتماعية بلا مباشرة فالمسكوت عنه هو هدف النص، والمقارنة بين حياة طفل منذ عدة عقود وحياة الأطفال فى لحظتنا الآنية هى مما يقوله النص، وهنا يكشف عن خدعة القول إن الرواية هى جنس أدبي قادر على احتواء العالم ورصد المتغيرات السياسية والاجتماعية، فالفنون والأجناس الأدبية جميعها تعنى برصد هذه المتغيرات، إذ الفن يعنى فى جوهره بالحياة والتى هى هذه المتغيرات والصراع معها، والتى لايمكن للذات أن تنفصل عنها ولكن من نادى بقدرة وتميز الرواية كان يهدف لغرض سياسي ويسعى إلى إقصاء الشعر والقصة القصيرة باعتبارهما يمثلان الإبداع المندفع فدائما هناك إبداع متأمل يتشكل على مهل وإبداع مندفع هادر ومتمرد، وبالتأكيد بينهما مساحات مشتركة هناك مستويات عديدة بين التأمل والاندفاع ولكن يظل الشعر هو المتمرد حتى وهو ينساب فى هدوء ليشكل وعيا جماليا وإنسانيا يترسب فى أعماق الذات.
ومن أجل هذا التمرد الذى كانت تخشاه السلطة خرج الناقد المعروف متمسكا بمقعده فى السلطة ليعلي من الرواية، ويحاول إقصاء الشعر الذى يشكل وجدان ووعي الأمة، مهما فعل السلطويون وهنا "هواء العائلة" يعبث بمقولاتهم، وهو يكشف عن عادات شعبية وتقاليد ومتغيرات اجتماعية، وهو يرثي الذات والعالم الذى يظن أنه عاش داخله.