« خان الشابندر » .. الزمن أكثر عدوانية في الحروب

19/07/2016 - 11:01:30

جمال الطيب - كاتب مصري

تناولت كتب التاريخ الآثار التدميرية للحروب على جميع الأصعدة، من تدمير للبنية التحتية، والمنشآت السكنية والأثرية، وفي رواية "خان الشابندر" يتطرق الكاتب العراقي محمد حيّاوي إلى الجانب النفسي وآثاره الذي تتركه الحروب على البشر، بفقدانهم معنى الحياة، بعد أن صارت أصوات المدافع والقنابل جزءا من حياتهم اليومية، كما جاء على لسان السائق "الخمسيني": "هل يخاف الميت من الموت".
في الرواية الصادرة عن دار الآداب البيروتية يعود "علي موحان" إلى بغداد بعد غياب أكثر من عشرين عاما، وعقله الرافض لاستيعاب ما حدث ببلده طوال فترة الغياب، فنراه يغرق في خيالاته وذكرياته قبل الرحيل. تتضح هذه الرؤية في ختام الرواية، ومشاهدته للخراب والدمار اللذين لحقا ببيت "أم صبيح"؛ ونسائه اللائي ربطته بهن علاقات إنسانية، بعد اقترابه منهن، وتعرفه على قصصهن، ودور الحرب في الوصول إلى ما آلت إليه مصائرهن. وفي لوحة فنية بارعة يرسم المؤلف مشهد الختام، قائلا: "ومن فتحة في الجدار لمحت الزقاق في ضوء الغسق الآفل، وهالني منظر الناس وهم يسيرون باتّجاه النهر بهدوء غير عابئين بالقنابل والرصاص.. كانوا ينسابون بنعومة وصمت، ولا تكاد أقدامهم تلامس الأرض.. ولمحت بينهم جميع من أعرف.. الفتيات ومجر وأمّ صبيح والصِبْية الذين رأيتهم في بيت أمّ غايب وزينب وإخوتها الصغار.. حتى نيفين وسالم. كانت أسلاك الشمس الأخيرة تسكب على وجوههم ضوءا فضيا غريبا". لتتبين بعد الانتهاء من قراءة المشهد الجنائزي، أنه نقطة البداية الحقيقية لرحلته الاستكشافية بعد العودة، وأن الرواية تدور من خلال العودة إلى الوراء "فلاش باك"، وما هي إلا خيال يتماس مع الواقع، وتداعيات لصور وشخوص الماضي، فيختلط الواقع بالذكريات التي مرت به خلال العشرين سنة الفائتة، قبل مغادرته العراق.
يستهل المؤلف روايته بقول الشاعرة الأفغانية الشابة "رحيلة موسكا" التي قتلها رجال طالبان: "جسدي طازجٌ مثل أوراق الحنّاء.. أخضر من الخارج، لكنه لحم نيئ من الداخل!"، وكأنه بهذه العبارة يمهد لمدخل يشير من خلاله إلى نساء روايته، واللائي تم قتلهن على أيدي الميليشيات المسلحة في بغداد.
قبل البدء نتعرّف على عنوان الرواية "خان الشابندر"، من قول "مجر" حكيم وفيلسوف الأحداث، لعلي: "كان بمثابة بورصة للفِضة تُحدد فيه الأسعار بشكل يوميّ، عندما تُجلب سبائك المعدن الثمين بواسطة السفن حتى شريعة القشلة، ومن هناك يحملونها على ظهور الحمير حتى الخان".
وقد برع المؤلف في التقاط صور "فوتوغرافية" لنسائه، فيعرّفنا على قصة "هند" التي قُتل زوجها أثناء الانتفاضة الشعبية عام 1991 على أيدي رجال الحرس الجمهوري، وكيف قبض عليها بواسطة الميليشيات بتهمة التعاون مع المحتلين. في عبارات موجزة تحمل بين حروفها المأساة التي يرويها علي: "كانت دموعها الحارّة تسيل على كتفي وجسدها يرتجف، وكنت بين الحين والآخر أمسح وجهها بيدي وأحتضنها بقوّة.. وطلبت منها أكثر من مرة أن تتوقف عن سرد الحكاية، لكنها في كلّ مرة تصرّ على المواصلة"، ويقول عن "ضوية" إحدى فتيات البيت التي صادفها: "وبعد برهة، أطلت فتاة شابة برأسها من خلف إحدى الستائر.. كانت تخفي جسمها خلف الستارة التي تلفعت بها، وظهر رأسها من بين ظلْفتي الباب.. عينان واسعتان وبشرة سمراء ناعمة وشعر فاحم يغطي كتفيها وصدرها.. كانت تبتسم لنا، وثمة "خال" على جانب حنكها، لا أدري إن كان حقيقيّا أم مصنوعا بقلم الكحل.. لكنها كانت جميلة ونظيفة"، ويصف "أم صبيح": "كانت امرأة ضخمة في العقد الخامس.. ممتلئة الجسم ببشرة بيضاء وعينين كحيلتين، ترتدي ثوبا طويلا من القطيفة الحمراء مُوشى بتطريزات ذهبية".
يواصل الراوي "علي" وصفه لنسائه، فيقول عن الصبية الصغيرة "زينب" التي لم تتجاوز الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة: "توقّفتُ، ونظرت إلى سحنتها السمراء التي دبغتها الشمس.. كان وجهها الدائري يغور في لجة شعرها المُجعّد، وبدا أنفها دقيقا وعيناها عسليّتين ولا تكاد ياقة الكنزة الصوفية تغطي رقبتها الطويلة.. كانت تُمسك الصِينية الصغيرة بيد، وتزمّ أطراف الكنزة على صدرها باليد الأخرى"، ويواصل استكمال صورتها: "ضحكت زينب.. وكانت المرة الأولى التي تضحك فيها.. فارتسمت نقرتان محبّبتان على طرفيْ فمها الصغير."
كما برع المؤلف في وصف الأماكن والشوارع ورصد ما آلت إليه من خراب ودمار جرّاء ما خلّفه الظلاميون، فيصف بيت "أم صبيح" الذي تديره للدعارة، أثناء زيارته له مع صديقه "محمود" للمرة الأولى: "في نهاية الدهليز، طالعتنا ستارة مهترئة، ما إن أزحناها حتى انكشف أمامنا حوش واسع تحيطه مجموعة من الحجرات المعتمة، وتناهت إلى أسماعنا أصوات نساء يضحكن ورجال يتناقشون في السياسة.. وسط الحوش حوض أسمنتيّ ينتصب فوقه صنبور ماء مربوط بخرقة.. بينما قطعت فضاء الباحة مجموعة متقاطعة من حبال نشر الغسيل. وفي الزاوية طباخ نفطي مُسخّم"، وفي وصفه لغرفة "هند" يقول: "فوجئت بشكل الغرفة هذه المرة.. كانت مُرتّبة، وثمة طاولة صغيرة فوقها بعض الكتب والمجلّات، وقرب السرير لمحت جهاز تشغيل أقراص حديث.. ليس ثمة صور على الجدران.. فقط خارطة كبيرة للعالم تحتلّ الجدار المواجه للباب، خارطة دقيقة وملونة تظهر فيها القارّات بألوان مختلفة.. وفي أقصى يمين الخارطة، ثُبت مسمار كبير عُلّقت عليه بعض الملابس الداخليّة".
يستلهم محمد حيّاوي التراث بوعي، وكان لمولده في مدينة "الناصرية" بجنوب العراق، الفضل في ذلك إذ أسهم محيطها الأدبي في توجيه قراءاته لكتب التراث العربي، إلى جانب ترجمات الأدب العالمي التي كانت تزخر بها المدينة (منقول بتصرف من حوار المؤلف بجريدة "الحياة اللندنية" بتاريخ 5 أبريل 2016)، ويظهر جليا في حديثه مع "هند" عن "الحصري القيرواني"، وكتاب "طوق الحمامة" لابن حزم الأندلسي، و"الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني، وكتاب "المستطرف في كل فن مستظرف". كما تترك الفلسفة بصماتها على لسان المؤلف متوارية خلف الراوي "علي" فيقول عن تعريفه للزمن في حواره مع صديقه سالم: "الزمن يكون أكثر وطأة وعدوانيّة في الحروب يا صديقي.. يمر على البشر والشجر والحجارة، فيترك آثار أظافره الناشبة بقوة فوق الصدور.
- لكنْ.. أنت مثلا.. انظر إليك. تبدو كما لو أنك نجوت منه؟!
لا يا صديقي.. لقد مزقني من الداخل وعرشت أشواكه وسط أضلاعي، وإن بدوت معافى من الخارج."
ويطرح آراء فلسفية على لسان "مجر عمارة"، تاجر الأشياء القديمة والعتيقة في "الحيدرخانة"، والذي يقضي وقته في التأمل، ومخاطبة الطيور وتبادله الابتسام معها، ولكائنات لا مرئية، فعن مفهوم الحب يقول لعلي: "ماذا يعني لك الحبّ؟.. ها؟ أنتم الماديّين تعتقدون أنه نوع من الكيمياء وحسب.. لكن، أتعلم؟.. كُتبنا تقول إنه الله يخفق في أفئدتنا.. أرواحنا الحبيسة وسط أجسادنا مثل حمامة شغوفة، هي الله نفسه الذي يفني الكثير من البشر حياتهم بحثا عنه في أماكن أخرى.. لهذا فإنّ الأرواح لا تموت الأجساد تفنى، لكنّ الأرواح تظلّ مُحلّقة في ملكوت الله".
كتب المؤلف حوار الرواية بما يتناسب مع الشخصيات والحدث الذي تدور حوله، بلغة سهلة لا تشعر تجاهها بالغربة حتى وإن حملت في بعض منها اللهجة العراقية، قدر ما تحس ناحيتها بالأُلفة والحميمية، فنجد حواره مع "هند" يتفق مع ثقافتها، فهي مدرسة جغرافيا في السابق، وعملت مترجمة، وقارئة واعية، ويختلف كلامه إليها عن حواره مع أخريات يضمهن البيت.
جاءت أحداث الرواية حاشدة بإنسانية شجية، حالات حزن وشجن تتركهما في نفس القارئ، وبالأخص ما يحدث بين البطل "علي" والطفلة الصغيرة "زينب" التي يبرع في وصف شعورها، وقد قتل أبوها في الانتفاضة: "كانت تمشي بجانبي جذلى، وبدت كما لو أنها غير مُصدّقة الأمر، وهي تمسك بيدي متباهية أمام باعة المفرّق الذين يعرفونها، وتتعمّد إلقاء التحية عليهم.. وكانوا يتفاجئون من رؤيتي معها! كان البعض منهم يسألها عن أحوالها، فتتجاهل أسئلتهم وهي تنظر إلي بين الفينة والأخرى وتبتسم... أدركت جذلها برفقتي وعدم رغبتها بالعودة وهي المتعطشة لمشاعر الأبوّة، فقرّرت منحها بعض الوقت".
من المؤاخذات على الرواية – وأظنه خطأ مطبعيا – تكرار اسم "حاكم" مرتين على سبيل الخطأ، فالمقصود "سالم"، ففي صفحة (45) يقول: "بدا كما لو أنه لم يلمح صديقي حاكم الذي تجاهله هو الآخر"، وفي صفحة (46) يتكرر بقوله: "تطلع إلي حاكم بحزن هذه المرة ". وكذلك اختفاء صديقه "محمود" من الأحداث بدون مبرر لهذا التواري والانزواء.