سماء يحيى تكسر البراويز وتشاكس المعلقات

19/07/2016 - 11:00:38

د.سماء يحيى د.سماء يحيى

أسامة عفيفي - كاتب مصري

كلما شاهدت معرضا جديدا أتذكر كلمة بيكاسو الشهيرة "اتقن القواعد كمحترف حتي تتمكن من كسرها كفنان"، وأتأمل أعمال الفنان التي بالمعرض من زاويتي قدراته الأدائية الاحترافية في التصميم والتلوين وتأسيس اللوحه والتكوين وقدرته على تطويع الخامة واحترامه لها، وفي الوقت نفسه أتأمل مشروعه الجمالي ومدي كسره للقواعد والخروج عن المألوف بحثا عن الدهشة الكامنة في العالم، فمازلت أؤمن بأن الفن هو ما يدهش لأن الفنان هو الذي يرى ما لا يراه الآخرون، فيستخلص منه ما هو مدهش، ليعيد صياغته بطريقة مدهشة غير مألوفة، فيندهش المتلقي ويتحقق التطهير الإيجابي الذي هو هدف الفنون جميعا، لأن العمل الفني في أصله اقتراح جمالي جديد للوجود، والعالم يتجدد بتعدد الأعمال الفنية والفنانين، فتصبح الحياة أكثر تجددا ويصبح الوجود الإنساني نفسه أكثر إنسانية وجمالا.
وعندما تجولت في معرض "فرحة" للفنانة المصرية سماء يحيى الذي أقيم بقاعة "الباب ـ سليم" بمتحف الفن الحديث الشهر الماضي (يونيو 2016)، كنت أبحث كما اعتدت في مراعاة القواعد والخروج عن المألوف معا، ففوجئت بالفنانة وقد أعلنت خروجها الجذري عن الناموس الفني الذي صيغت وفق قوانينه اللوحة العربية الحديثة والمعاصرة منذ عصر النهضة العربية حتى الآن، فلقد كسرت أول ما كسرت "البرواز" الغربي التقليدي الذي ظل ملتصقا باللوحة الحديثة، وعلقت لوحاتها حرة من أي إطار، بل استخدمت عروقا خشبية عتيقة تتخللها الشروخ والفوالق لتعليق معلقاتها التي رسمتها علي قطع قديمة من قماش الخيامية اليدوي، وهنا بدأت التحديات التصميمية واللونية معا التي تمثل مشروعا فنيا مختلفا يتطلب مهارة وحرفية، كي تقدم أعمالا فنية تعبر عما تراه من علاقات بين الأشياء في إطار صراع جدلي مختلف، فالصراع في الحالة التي اختارتها سماء يحيى متعدد المستويات.. صراع بين المرئي في الواقع وتحويله إلى فن وصراع بين الحياة المعاصرة والموروث ومستوى ثالث من الصراع يتفجر في أثناء عمليتي البناء والهدم الضروريتين لتوليد مشهد بصري معاصر من قلب مشهد بصري موروث. الأخطر أن الفنانة تحاول أن تنتج فنا على سطح خامة هي فن بالأساس.
فالخيامية "فن" له قواعده التصميمية ودلالته الثقافية التي حولته إلى أيقونة بصرية راسخة في الذاكرة البصرية للإنسان العادي، لذا فإن أول المشكلات التي تواجه سماء يحيى هي كيفية إقامة علاقة جدلية بين التصميم التقليدي الأيقوني التاريخي وبين رؤيتها الجمالية للعالم المعاصر، ليس هذا فحسب بل إن ألوان الخيامية التقليدية الزاهية تمثل مشكلة أخرى، فكيف تلون تكويناتها بحيث تصنع تناغما لونيا مع الألوان التي ألفتها الأبصار دون أن يبتلع المألوف اللوني ألوانها وتكويناتها الجديدة، بالإضافة طبعا إلى مشكلة علاقة الزخرفي بالتصويري، فكيف ننتج تصويرا معاصرا على سطح زخرفي له قانونه التصميمي والميثولوجي الموروث؟
هذه المشكلات كلها مثلت تحديات تقنية واختبارات حرفية للفنانة أعتقد أنها قد اجتازتها بنجاح من خلال حلول واقتراحات غير تقليدية، ومن خلال فهم واع لطبيعة المعلقة التراثية كفن تصويري عربي أصيل، ودراية بمنجزات وتقنيات التصوير العالمي المعاصر. فاستطاعت أن تقيم علاقة جدلية بين المكونين تتجاوز المونتاج السكوني أو الميكانيكي إلى آفاق جدلية أرحب تتوالد منها ديناميكية إبداعية أخاذة.
وقبل أن نتحدث عن هذه الجدلية الإبداعية وتجلياتها عند سماء يحيى في معرضها الأخير "فرحة" ربما يكون من الضروري أن نقف قليلا عند فن المعلقة التراثي خصوصا أن هناك من يحاول طمسه من الذاكرة الثقافية الوطنية لصالح اللوحة الغربية رغم أن المعلقة تمثل ميراثنا التصويري الحقيقي، ورغم وجود مئات المعلقات في المتاحف العربية إلا أن قليلا من الفنانين المعاصرين من حاول أن يقدم معالجة معاصرة لها، بل إن مؤرخي الفن لم يذكروها بحرف ولم يتحدث عنها كفن تصويري يهدف للزينة باعتبارها "لوحة الصالون" سوى سعد الخادم في كتابه عن التصوير الشعبي والدكتور حسن الباشا في موسوعته والعلامة أحمد تيمور في كتابه "التصوير عند العرب". ولقد أكد سعد الخادم أن المعلقه العربية التي ظلت صامدة في مواجهة الفن الغربي حتي ثلاثينيات القرن العشرين كانت فنا تصويريا خالصا له تقاليده الفنية وأعلامه الكبار، وذكر أسماء العديد منهم في كتابه "الاستعمار والفن المصري" وهناك من الفنانين المعاصرين من أخلص لفن المعلقة من أهمهم الفنان الراحل خميس شحاته الذي يقتني متحف الفن الحديث بالقاهرة من أعماله العديد من الروائع، كما قدم الفنان حامد عبد الله عددا من المعلقات الحروفية التي أبدع من خلالها بعض معالجاته الحروفية الأخاذة. ورغم أن أعمال حامد عبد الله في فن المعلقات خرجت عن التصوير الشعبي التقليدي إلى التجريد المعاصر وهو ما يعتبر ريادة ثورية في التعامل مع المعلقة إلا أنه لم يستمر في هذه التجربة طويلا، ولم يلتفت أحد من المؤرخين أو النقاد إلى أهمية هذه التجربة بالذات. وعربيا عرفت الحياة الفنية العراقية تجربة ضياء العزاوي في المعلقات التي استلهم فيها الشعر العربي من خلال رؤية تجريدية معاصرة، وباستثناء هذه التجارب المعاصرة استمر فن المعلقات أكاديميا كفن تقليدي يحاكي المعلقات الإسلامية والمنمنمات الفارسية وفنون الخط العربي، ولم يقدم أحد على تقديم المعلقة كلوحة تصويرية معاصرة.
نعود إلى معرض سماء يحيى الذي أعتبره مغامرة فنية على مستويات عده؛ فهي أولا: كسرت البرواز وخرجت من أسر اللوحة الغربية لتقدم رؤية جديدة للمعلقة في جدل جديد بين الحداثة والموروث، جدل قائم على تقديم موضوعات التصوير المعاصر من خلال المعلقة التراثية، وكأنها بعد أن كسرت برواز اللوحة التقليدية وانتصرت للمعلقة الحرة من الأطر. بدأت في مشاكستها لتقدمها بثوب عصري بقدر كبير من الجرأة والرعونة الفنية.. وثانيا: قدمت هذة المعالجة الجدلية من خلال خامة تراثية لم يسبق التعامل معها من قبل بهذه الجرأة، بل كما قلت في البداية إنها اختارت فنا قائما بذاته له سيميتريته الأيقونية كي تقدم عليه فنا معاصرا من خلال موضوعاتها الأثيرة "المراكب ووجوه النساء" بطريقة معاصرة ورؤية حداثية، لكنها قدمت ذلك برؤية مختلفة؛ فقطعة الخيمية في المنتج النهائي تختلف عن اللوحة التقليدية سواء في المساحة أو المنظور، لدرجة أنني أستطيع الجزم بأن كل معلقة تمثل عالما خاصا مستقلا، لها حلولها ومنظورها وجدليتها الخاصة، فقطع الخيامية غير متساوية الأحجام والمساحات، كما أن زخارفها مختلفة من قطعة إلى قطعة ومن معلقة إلى معلقة.
ثالثا: وهو الأهم في اعتقادي أن العروق الخشبية العتيقة التي استخدمتها في تعليق معلقاتها تعدت وظيفتها العملية كحامل للمعلقة لتصبح جزءا لا يتجزأ من العمل الفني نفسه خصوصا أن كل "عرق خشبي" لا يشبه العرق الآخر، تماما كما أن كل قطعة خيامية لا تشبه الأخرى. وهنا تكمن "الحداثة" في تجربة سماء يحيى وتكمن أيضا أهميتها ودورها في تثوير المعلقه نفسها وإخراجها من استاتيكيتها التقليدية وإدخالها بدون افتعال إلى آفاق الحداثة النابعة من تراثنا دون تقليد منسحق للغرب، فدخول خامات تراثية مختلفة مرتبطة وظيفيا ببعضها البعض في الذاكرة البصرية إلى العمل تم دون أي افتعال خاصة أن العرق الخشبي كما هو معروف له دور أساسي في نصب الخيامية في سرادقات الفرح أو العزاء، فحولته الفنانة ليستخدم كحامل لتعليق المعلقة، وفي الوقت نفسه قدمته وكأنه جزء لا يتجزأ من العمل لتصنع باندماجه مع الخيامية التي لم تعد خيامية حداثتها الخاصة التي تنبثق من نسيج الثقافة الوطنية بسلاسة ونضج.
المعرض بشكل عام يثير أسئلة كثيرة ويفجر قضايا فكرية وثقافية وفنية عديدة على صعيد مشروع الحداثة وارتباطه بالموروث الجمالي، كما أنه يفتح الباب على مصراعيه أمام قضية تثوير هذا الموروث وتقديمه مواكبا ومتفاعلا مع العصر دون تشويهه ودون تقليده في آن معا. هذا كله يدفعني لأن أنظر للمعرض كوحدة واحدة يتكون من وحدات مختلفة تبدو متباينة لكنها في الحقيقة تتعاشق سويا لتشكل مشهدا ديناميكيا تتنامى فيه الحركة، فتشكل إيقاعا أرابيسكيا غير تقليدي ، وأي مشاهد ينظر للأعمال المتجاورة علي حوائط القاعة لا بد أن يشعر بهذه الأرابيسكية تتنامى في بصيرته، وتتردد أصداؤها الإيقاعية وكأن هناك موسيقى تنبعث من جدل المعلقات المتجاورة التي تشكل كل واحدة منها نغمة بصرية تؤدي إلى النغمة التي تليها فتتضافر مع المعلقات التي تليها بشكل متنامٍ ومتدارك، فيتشكل قصيد سيمفوني لوني متناغم، وكأن سماء يحيى قد قصدت لأن تصنع من هذة المعلقات عملا تركيبيا كبيرا ينثر الفرحة والدهشة معا. في جنبات القاعة فيغمر المشاهد بتيار دافق من المتعة البصرية والأسئلة المدهشة.