حكايات من الحفلات الغنائية عقب ثورة يوليو

19/07/2016 - 10:59:01

جلال معوض مع يوسف وهبى الذى قدم عبد الحليم فى حفل عام 1953 جلال معوض مع يوسف وهبى الذى قدم عبد الحليم فى حفل عام 1953

د. نبيل حنفي محمود - كاتب مصري

بلغت الحفلات الغنائية في خمسينيات القرن العشرين أوجا لم يتحقق فيما سبق ذلك العقد أو تلاه، ولم يكن ذلك الأوج في عدد تلك الحفلات، إنما امتد ليشمل أيضا نوعية الأصوات ومضمون الغنائيات وكنه المواقف وتركيبة الجماهير، أقيمت تلك الحفلات في مجموعات وكأنها دورات، وسوف أستعرض أول مجموعة أو دورة من تلك الحفلات، وقد عقدت في حديقة الأندلس خلال صيف 1953.
اجتاحت الفرحة بنجاح ثورة 23 يوليو 1952 عموم المصريين، فتدفقت ردود أفعالهم المترعة بالفرحة، في صورة مقالات وأغنيات وأحاديث ومظاهرات عفوية، إن المدقق في تاريخ الغناء المصري سوف يأخذه العجب إزاء ما انطلقت به حناجر أهل الغناء من غنائيات في قوالب عدة ويقدر عددها بالعشرات، وضعها ناظموها ولحنها ملحنوها وأطلقتها الإذاعة المصرية خلال الشهور المتبقية من عام 1952، وكان من الطبيعي أن تجد بعض تلك الغنائيات طريقها إلي ما عقد من حفلات غنائية خلال الأشهر الخمسة التي تلت شهر يوليو 1952، ومن تلك الغنائيات التي حققت انتشارا عظيما نشيد "الاتحاد والنظام والعمل"، والكلمات الثلاث التي يتكون منها اسم النشيد تمثل الشعار الذي اتخذته الثورة منهاجا للنهوض بالمجتمع المصري، وقد استمع المصريون للمرة الأولى إلى ذلك النشيد في حفل غنائي صغير أقيم على هامش حفل العرض الأول لفيلم "مصطفي كامل"، بسينما ريفولي بالقاهرة مساء الجمعة 14 نوفمبر 1952، وكان الرئيس محمد نجيب ضيف شرف الحفل، وحضر العرض الأول وبصحبته السيد/ علي الجربي، رئيس بعثة الشرف الليبية.
في ذلك الحفل أنشدت ليلي مراد النشيد للمرة الأولى قبل أن يذاع في برامج الإذاعة المصرية، حيث قدمته الإذاعة ولأول مرة قبل العاشرة بخمس دقائق مساء الأحد 7 ديسمبر 1952 (الإذاعة المصرية: العدد 925، 6/12/1952)، أنشدت ليلى مراد النشيد بمصاحبة فرقة موسيقية، وردد معها البيت الأول من النشيد – والذي تكرر بين مقاطعه المختلفة – طلبة المعهد العالي للموسيقى، أستمد الوصف السابق لذلك الحفل الغنائي من صورتين نشرتا بباب "أخبار مصورة" في العدد (68) من مجلة "الكواكب" في 8 نوفمبر 1952، أظهرت الأولي من الصورتين الرئيس محمد نجيب والسيد علي الجربي وهما جالسان في شرفة سينما ريفولي خلال الحفل، بينما أوضحت الثانية المطربة ليلى مراد وهي تردد النشيد، وقد اصطف خلفها طلبة المعهد العالي للموسيقى. وتنبع أهمية ذلك الحفل من كونه أول حفل غنائي استخدم لأغراض سياسية في العهد الجديد، وفتح الباب على مصراعيه بعد ذلك لاستغلال الحفلات الغنائية في توجيه رسائل معينة عبر مشاهديها ومستمعيها، جاءت الرسالة الأولى في ذلك الحفل من ليلى مراد نفسها، حيث تعرضت قبل أكثر قليلا من شهرين من مشاركتها في حفل افتتاح فيلم "مصطفي كامل"، لشائعة مجهولة المصدر كادت تعصف بمستقبلها بل بحياتها، وهي شائعة في خبر نشرته "الأهرام" في صباح الجمعة 12 سبتمبر 1952، أرسله مراسل الأهرام من دمشق يقول: "منعت الحكومة عرض أفلام ليلى مراد وإذاعة أغانيها من راديو دمشق، لأنها زارت إسرائيل وتبرعت بخمسين ألف جنية لحكومتها" (أشرف غريب: الوثائق الخاصة لليلى مراد، 2016)، لقد بذلت ليلى مراد جهودا عظيمة وأجرت مساعي عدة لدحض تلك الشائعة الخبيثة، ويعد نشيد "الاتحاد والنظام والعمل" – الذي شدت به – أحد تلك الجهود، حيث سعت من خلاله إلى تأكيد وطنيتها وولائها للنظام الجديد، بينما أوحى اتصالها بإدارة الشئون العامة للقوات المسلحة أثناء تلك الأزمة لقادة الثورة، بفكرة استغلال نجوم الغناء لاجتذاب جماهير المصريين إلى جانب النظام الجديد، وقد بلور قائد الجناح: وجيه أباظة تلك الفكرة من خلال سلسلة حفلات حديقة الأندلس، التي نظمتها وأشرفت عليها الشئون العامة للقوات المسلحة، ويعرف القاصي قبل الداني أنها أقيمت تحت إدارة وجيه أباظة، ليكتب الغناء المصري مع تلك الحفلات فصلا من أجمل فصول عصره الذهبي الأخير.
أقيمت أولى تلك الحفلات بحديقة الأندلس الكائنة عند الطرف الغربي لكوبري قصر النيل في جزيرة الزمالك بالقاهرة، بدأت تلك الحفلة في العاشرة من مساء الأحد 11 رمضان 1372 الموافق 24 مايو 1953، وكان برنامجها الذي نشر بمجلة "الإذاعة المصرية" كالتالي: "10.00 سهرة منوعات من مسرح حديقة الأندلس – تقدمها محلات شملا (ش.م.م) ويحييها الأستاذ فريد الأطرش متبرعا للترفيه عن الشعب المصري بمناسبة شهر رمضان المبارك، ويشترك فيها نجوم المسرح والسينما والإذاعة: سامية جمال – صباح – إسماعيل يس – فيروز (سؤال للدكتور نبيل: فيروز المصرية أم اللبنانية؟) – منير مراد – هاجر حمدي – سعاد مكاوي، مع تابلوهات شعبية يقوم بها فايد محمد فايد – وحسن وحسين – وعرض باليه، وكذلك تشترك نخبة من أعلام الفن وعلى رأسها الأستاذ يوسف وهبي، ويتولي تقديم الفنانين بالمسرح (كوكا) بالاشتراك مع محسن سرحان"، وقد استمرت الحفلة إلى قرابة الواحدة من صباح الاثنين 25/5/1953م (الإذاعة المصرية : العدد 949، 23 مايو 1953)، وحروف (ش.م.م) التي وردت بعد اسم شركة شملا هي اختصار لجملة (شركة مصرية مساهمة).
وعن الحفلة الأولي من حفلات حديقة الأندلس، كتبت مجلة "الكواكب" تحت عنوان "ليالي الأنس في الأندلس" الآتي: "لم تشهد سهرات القاهرة ازدحاما مثل الذي شهدته في أولى حفلات حديقة الأندلس التي تشرف عليها إدارة الشئون العامة، فقد كانت سيارات الجمهور الذي قدم لمشاهدة الحفلة تبدأ من أول كوبري قصر النيل وتنتهي في أول كوبري أبو العلا، كان السبب في إقبال الجمهور هو تبرع الموسيقار فريد الأطرش بالغناء واشتراك سامية جمال بالرقص لأول مرة بعد عودتها من أمريكا، واشتط خيال الجمهور في وصف ما سيحدث عندما يتقابلان، وكيف أن فريد سيغني لسامية، وكيف أن سامية سترقص لفريدـ ولكن شيئا من هذا لم يحدث، فقد رقصت سامية وحدها، ثم غنى فريد وحده، ونال إعجاب الجمهور وألهب الأكف من التصفيق، وقد تجمهر عدد كبير من المتفرجين خارج الحديقة، وظلوا يبحثون عن منافذ لمشاهدة سامية وهي ترقص، وعندما جاء دور فريد، هرعوا إلي السيارات يستمعون إلى الراديو تارة وإلى صوت فريد في ميكروفون الحديقة تارة أخرى"، وذكرت المجلة عدة ملاحظات منها: أن فرقة الموسيقار عطية شرارة هي التي صاحبت فقرات الحفلة، وأن فريد الأطرش لم يتمكن من الخلاص من جمهور الحفلة وعقب انتهاء وصلته إلا بعد جهد شاق، وأن تذاكر الحفلة قد حجزت كلها قبل موعدها بأربعة أيام، وأن أستوديو مصر قام بتسجيل برنامج الحفلة على شريط سينمائي (الكواكب، 2 يونيو 1953) .
أقيمت الحفلة الثانية من حفلات حديقة الأندلس في مساء الخميس 28/ مايو 1953، وبعد أربعة أيام من انعقاد الحفلة الأولى، وقد أعلن عنها في باب "تسمعون اليوم" بصحيفة "الأخبار" كالتالي: "10.00 سهرة منوعات مذاعة من مسرح حديقة الأندلس، تساهم فيها: شادية وسامية جمال وإسماعيل يس وثريا حلمي وحسن وحسين وهدى شمس الدين ونجاة الصغيرة وعبد الحليم حافظ، مع تابلوهات شعبية يقدمها سيد درويش الطنطاوي، وكذلك تشترك نخبة من أهل الفن وعلى رأسهم يوسف وهبي" (الأخبار، 28 مايو 1953)، وقد نشر إعلان مقارب للإعلان السابق عن الحفلة الثانية من حفلات حديقة الأندلس، في العدد رقم (949) من مجلة "الإذاعة المصرية"، وتمثل الفارق بين الإعلانين في أن الإعلان الذي نشر بمجلة "الإذاعة المصرية" تضمن أسماء راعي الحفلة ومن قدموا فقراتها للجمهور، حيث أسهمت محلات عزيز بولس في إقامتها، وسجل الإعلان أن كلا من الممثلة ليلى فوزي والمطرب عزيز عثمان سيقدمان فقرات الحفلة.
بعد انتهاء الحفلة الثانية بثلاثة أيام، نقلت الإذاعة في العاشرة من مساء الأحد 18 رمضان 1372 الموافق 31 مايو 1953 الحفلة الثالثة من حفلات حديقة الأندلس، تلك الحفلة التي أقامتها مصانع الشوربجي وأحيتها المجموعة التالية من نجوم الغناء والرقص: محمد الكحلاوي، سامية جمال، فيروز، إسماعيل يس، عمر الجيزاوي، ثريا سالم، محمد قنديل، عبد الفتاح راشد، جلال حرب وفرقة باليه (لم تذكر المجلة اسمها)، وقد قدم الفنانون على المسرح كل من زهرة العلى وعبد السلام النابلسي (الإذاعة المصرية: 30 مايو 1953)، ثم توالت حفلات حديقة الأندلس في عامها الأول وخلال صيف 1953 في الأيام التالية: الخميس 4 يونيو 1953، الأحد 7 يونيو 1953، الأربعاء 10 يونيو 1953، الأحد 14 يونيو 1953، (ثالث أيام عيد الفطر 1372)، والخميس 18 يونيو 1953، وبانتهاء الحفلة الأخيرة التي أحياها كل من: عبد العزيز محمود، سامية جمال، ثريا حلمي، أولاد بغدادي، نعيمة عاكف، كيكي (سؤال للدكتور نبيل: كيكي أم كيتي؟)، رجاء وعواطف، عمر الجيزاوي، نجاح سلام، حسن وحسان (الإذاعة المصرية، 13 يونيو1953) أذنت الدورة الأولى لذلك المهرجان الغنائي بالانتهاء، لتبدأ دورة ثانية مع احتفالات العيد الأول لثورة 23 يوليو، خلال شهر يوليو 1953، في ذلك الشهر نظمت الإذاعة المجموعة التالية من الحفلات الغنائية، والتي سوف يكتفي هنا بذكر تواريخ إقامتها على النحو التالي: الأحد 5 يوليو، الخميس 9 يوليو، الأحد 12 يوليو، الخميس 16 يوليو، ومن المهم التذكير هنا بأن تنويه مجلة "الإذاعة المصرية" عن تلك الحفلات لم يتضمن أية معلومات عن الأصوات الغنائية التي شاركت فيها.
لم يذكر أي من المصادر الصحفية – التي تحدثت عن حفلات حديقة الأندلس التي أقيمت عام 1953 ـ ولو بإشارة، إلي ما قدمته عشرات الأصوات الغنائية في تلك الحفلات، لكن ما تبقي من حديث عن تلك الحفلات في الصحافة آنذاك، والذي نجا من غائلة تدمير ونهب الكثير من دوريات تلك الفترة في دار الكتب المصرية، جاء في باب "للفن فقط" ببعض أعداد مجلة "روز اليوسف"، ذلك الباب الذي كان يحرره كل من سامي الليثي وإحسان عبد القدوس، ففي الباب الذي نشر بالصفحة الثلاثين من عدد المجلة رقم (1310) في 20 يوليو 1953، هاجم سامي الليثي المشرف علي الحفلات: الفنان يوسف وهبي، لتقديمه ليلى مراد ونجاح سلام وبعض مطربي ومطربات الدرجة الثالثة، وفي أعداد أخرى من المجلة انصب هجوم سامي الليثي على يوسف وهبي لتسخيره الفنانين للغناء في حفلات الأندلس بلا مقابل مادي، وذلك – وكما يري محرر الباب – لدعم موقعه كمشرف على المسرح والتمثيل في مصر. ومن الأخبار القليلة التي حفظتها صحافة ذلك العهد، خبر نشرته مجلة "الإذاعة المصرية" كالتالي: "نظرا للإقبال الشديد على حفلات الأندلس، بدأت الإذاعة الاتصال بالفرق الموسيقية التي كانت تعمل بالإذاعة قبل إنشاء فرقتي الإذاعة، وذلك للاشتراك في حفلات الأندلس بجانب فرق علي فراج وأحمد الحفناوي وعطية شرارة التي تعمل هناك" (الإذاعة المصرية، 4 يوليو 1953).
تتبقى هنا ملاحظة أخيرة حول تلك الحفلات، وتتلخص في ما يزعم البعض حول تألق المطرب الصاعد – آنذاك – عبد الحليم حافظ في تلك الحفلات، وهو ما لا يجد المدقق أي أثر له في كتابات صحافة ذلك العهد، ولكن الحقيقية الثابتة بشأن دور عبد الحليم حافظ في تلك الحفلات، هي أنه شارك في حفلتين فقط من الحفلات الثماني التي قدمت في الدورة الأولى لحفلات حديقة الأندلس عام 1953، وجاء اسمه – وبحكم بدايته – في آخر قائمة الأصوات المشاركة في ذلك المهرجان الغنائي، الذي لا يعلم أحد الآن ماذا قُدم فيه من غناء.
(فصل من كتاب قيد النشر الآن).