« مناخ ـ جيت » الحقيقة والوهم في إصلاح أحوال المناخ الكوني

19/07/2016 - 10:58:00

رجب سعد السيد - كاتب مصري

في أواخر نوفمبر 2009، وقبل أسابيع قليلة من اجتماع قادة العالم في كوبنهاجن للتباحث بشأن وضع اتفاقية للمناخ، اقتحم متسللو كومبيوتر مجهولون (هاكارز) المُخدِّمَ الخاص بجامعة إيست أنجليا، وسطوا على آلاف من الرسائل الإلكترونية والوثائق الخاصة، وكشفوا عن جانب من محتواها يوضح كيف أن بعض علماء المناخ البارزين متشككون قي بيانات محددة، وكانوا يتهربون ممن يطالبهم بالمعلومات، ولا يحفلون بمواجهة معارضي سياسات المناخ. وقد تم نشر الملفات المسروقة في بعض المواقع المتسمة بالتحفظ، وسرعان ما بدأ هؤلاء المعارضون يروجون لهذه المواد التي رأوا فيها أكبر دليل على أن تلك القضية ليست أكثر من عملية احتيال. وفي غضون أسبوعين، انتشرت فضيحة (مناخ - جيت) في مختلف وسائل الإعلام انتشار النار في الهشيم. وفي يوم افتتاح قمة كوبنهاجن، بثت (سي إن إن) هذه الأخبار تحت عنوان: الاحترار الكوني، خديعة أم حقيقة؟
وإبَّان انعقاد جلسات تلك القمة، عكف خمسة صحفيين من وكالة أنباء الأسسوشياتيد برس على استعراض الملفات الإلكترونية المسروقة، وعددها 1073 ملفا، ويربو عدد كلماتها على المليون، وخلصوا منها إلى أن علماء المناخ قد راوغوا معارضي سياسات التدخل لإصلاح أحوال المناخ الكوني، وحجبوا عنهم الحقائق والبيانات؛ غير أن تلك الملفات لا تدعم زعم المعارضين بأن الحقائق التي جاء بها أولئك العلماء عن الاحترار الكوني مختلقة. وقد تحملت الأسسوشياتيد برس التكاليف الباهظة لهذه الحملة الإعلامية، ولم يكن ذلك بمقدور غيرها من المؤسسات الإعلامية التقليدية التي تعاني انخفاض مواردها المالية، مما يحد من قدرتها على التصدي لمثل هذه الحملات، والحصول على الأخبار الأجنبية. ويرى بعض رجال الصحافة أن الظروف الاقتصادية الصعبة التي يعيشها كثير من المؤسسات الصحفية تقلل من قدرة هذه المؤسسات على تقديم تقارير متعمقة ومتوازنة عن موضوعات ذات صبغة علمية، مثل التغيرات المناخية الكونية؛ كما أنها تحول دون فهمنا لحقيقة أساليب استجابة الحكومات والصناعات للمشاكل البيئية.
وكان المراسلون والمحررون، قبل (مناخ-جيت)، قد كفوا عن تغطية مسألة تغير مناخ العالم كجدل علمي، وإن كان البعض قد تعرض لها وفق درجة اطلاعه على علوم المناخ، أما دائرة الاهتمام الأوسع بتلك المسألة فكانت في ناحية ما اتصل بها من جدل سياسي؛ وعكسَ مجملُ هذه الأحوال تقصيرا إعلاميا تجاه مثل هذه المسألة الخطيرة المرتبطة بمستقبل الحياة البشرية. وقد انتقد المجتمع العلمي التغطية الإخبارية لاستسلامها وتخاذلها تجاه أسلوب الجدل الذي استمرأه معارضو سياسات المناخ؛ وينسحب هذا الانتقاد على كافة المسائل العلمية، بعامة. ومن غير المرجَّح أن تتغير هذه الصورة في المدى القريب، مع اضطرار كثير من المؤسسات الصحفية في جميع أنحاء العالم المتقدم، إزاء أحوالها الاقتصادية المتعثرة، إلى تقليص عدد العاملين بها، فانخفض مستوى التغظية الإخبارية، كما ونوعا.
وكان محررو ومراسلو الشؤون العلمية والبيئية في صدارة قوائم من استغنت عنهم المؤسسات الإعلامية، تحت ضغط ضائقتها المالية، فأقالت سي إن إن، على سبيل المثال، كل طاقم العلوم والتكنولوجيا بها، عام 2008؛ كما اختفت الأقسام والأبواب العلمية في معظم الصحف الأمريكية، وكانت موجودة في أكثر من 150 صحيفة، قبل عشرين سنة، وتناقص العدد الآن إلى أقل من عشرين. ومن الحقائق التي كشفت عنها هذه الأزمة، أيضا، اضطرار كثير من كبريات المؤسسات الصحفية الأمريكية إلى إغلاق مكاتبها الخارجية، مكتفية بأسلوب (المراسل المظليّ)، الذي يطير إلى موقع الحدث ليغطيه ويعود في غضون أيام قليلة، مفتقدا لخلفيات الحدث، ومضحيا بمصادر إضافية تتوفر للمراسل المقيم، وغيرها من الأمور الكفيلة بإضفاء درجة أعلى من المصداقية للخبر أو التقرير الصحفي عن هذا الحدث.
وقد قام باحثون من جامعتي كولورادو وأكسفورد بتقصى عدد مرات التغطية الصحفية لقضايا تغير المناخ في 50 صحيفة من 20 دولة في استراليا ونيوزيلندا وأوروبا وأمريكا الشمالية، فوجدوا أن (تغير المناخ) و(الاحترار الكوني) قد ورد ذكرهما في 400 تقرير نشرتها هذه الصحف في يناير 2004. وبعد ظهور الفيلم الوثائقي (حقيقة مزعجة) لآل جور، نائب الرئيس الأمريكي السابق، عام 2006، ونشر (مذكرة شتيرن)، التي أعدها الاقتصادي الإنجليزي اللورد نيكولاس شتيرن عن تكاليف التقاعس عن مواجهة آثار التغير المناخي، بالعام ذاته، ارتفع عدد التغطيات الصحفية إلى 2000 تقرير، في المتوسط، على مدى السنوات من 2007 إلى 2009، مع زيادة ملحوظة في التقارير الواردة من آسيا والشرق الأوسط. ويلاحظ الباحثون اقتصار الزيادة على الناحية الكمية، وافتقدت – إلاَّ قليلا منها - التحليلَ المتعمق.
وفي ديسمبر 2009، استقبلت كوبنهاجن أكثر من 3800 إعلاميا شاركوا في أوسع تغطية إعلامية للتغير المناخي شهدها العالم، واحتلت أخبار انعقاد قمة الأمم المتحدة من أجل المناخ 10% من مساحة التغطيات في وسائل الإعلام الأمريكية المختلفة، خلال الأسبوع الأول من أعمال القمة؛ وأحصى المشروع المسحي لجامعتي كولورادو وأكسفورد 5700 مادة إعلامية ذات صلة بأنشطة القمة نشرت إبان انعقادها، في الخمسين صحيفة التي يتابعها. ويلاحظ بعض المراقبين أن الأداء الإعلامي لهذا العدد الهائل من المراسلين قد شابه القصور، إذ تغاضى عن التصدي بعمق لموضوعات صعبة، مثل التكيف مع تغيرات المناخ، وحقوق السكان الأصليين، والحلول التكنولوجية لمواجهة الآثار المترتبة على تبدل أحوال مناخ العالم. وقد ذكر أحد الكتّاب البيئيين ممن حضروا وقائع القمة أنه جاء من أجل القرار الذي سيتخذه المؤتمرون، وليس من أجل كتابة موضوعات عن حقائق علمية متصلة بقضايا المناخ.
وقد أوضح استطلاع للرأي أجري عام 2009 في 15 دولة أن 86% من المشاركين فيه رأوا أن التغير المناخي مسألة خطيرة. والغريب أن المشاركين الأمريكيين في هذا الاستطلاع كانوا الأقل في نسبة الموافقين على أن ثمة شواهد قوية على أن درجة حرارة الكون آخذة في الارتفاع، وكانت نسبتهم في استطلاع عام 2008 أكثر بمقدار 14%. وينحي نفرٌ من علماء الاجتماع باللائمة على وسائل الإعلام، ويتوقعون أن يزدادَ فتورُ العامة ويقلَّ اهتمامهم بقضية مهمة كقضية التغيرات المناخية، ما لم تقدم لهم التقارير الصحفية التي تعالج آثار هذه التغيرات، والحلول المناسبة لها. ويرون أن اهتمام الناس في الدول النامية بالمناخ راجع إلى ما يقدمه لهم إعلامهم من تقارير قد تكون قليلة العدد ولكنها لا تشكك في صحة الحقائق التي جاءت بها علوم المناخ، وذلك عكس ما يحدث في الدول المتقدمة، وعلى نحو خاص في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتعهد محطة إخبارية مثل (فوكس نيوز) باستضافة شخصيات محافظة تنتقد السياسات الرامية إلى الاستجابة الفعالة لتغيرات المناخ وترى فيها دعوة إلى إهدار الأموال وخطرا يهدد الاقتصاد الأمريكي والعالمي. وقد شهدت الأسابيع القليلة التي تلت قمة كوبنهاجن موجة برد استثنائية، فتساقط الجليد في بكين على نحو لم تشهده منذ 60 سنة، وعانى الإنجليز انخفاضا في درجة الحرارة لم يعهدوه من 30 سنة، وتساقط الثلج على ولاية فلوريدا المشهورة بشمسها الدافئة، فتقاطر معارضو سياسات المناخ على وسائل الإعلام يزعمون أن هذه الأحوال تبرهن على فساد دعوى الاحترار الكوني، فالعالم يبرد. فهل هؤلاء المعارضون، والذين سمحوا لهم بالظهور في وسائل الإعلام، لا يعرفون الفارق بين تقلبات الطقس وتغيرات المناخ ؟
ويرى نيكولاس ليمان، عميد كلية الصحافة بجامعة كولومبيا أنه لا مبرر للانتقادات التي توجه إلى وسائل الإعلام في هذا الشأن، فالفكرة القائلة إنها تؤثر في الرأي العام لا تزال تثير جدلا واسعا بين الباحثين في مجال الاتصالات، ففريق منهم يقول بأنها لا أثر ملموسا لها، ويعارضه فريق ثان، ويذهب فريق ثالث إلى أن التغطيات الإعلامية لموضوع كالتغيرات المناخية تؤثر في دوائر الجدل السياسي أكثر من تأثيرها على العامة. ومن جهة أخرى، يرى خبراء التعليم أن إدراك الحقائق الأساسية في مسألة تغير المناخ أمر صعب بالنسبة لجانب كبير من الناس، فالتفكير في ظواهر طبيعية تكونت في مدى طويل من الزمن يرهق أذهانهم. ويرى هؤلاء الخبراء أن ردود أفعال العامة تجاه أخبار التبدلات المناخية متباينة؛ وقد أجرت جامعة جورج ماسون الأمريكية دراسة في عام 2009، انتهت إلى تقسيم الجمهور الأمريكي، حسب استجابته لأخبار المناخ، إلى 6 مجموعات، هي : أمريكيون على قناعة تامة ويشاركون فعلا في أعمال مواجهة التغيرات المناخية، وتسميهم الدراسة (المذعورون)، ونسبتهم 18%؛ وأمريكيون مقتنعون بجدية القضية، فهم (المبالون)، ولكنهم أقل إيجابية من المذعورين (33%). وأما المجموعة الثالثة، ونسبتها 19%، فهم الأمريكيون (المحاذرون) الذين يرون في تهديدات التغيرات المناخية مجرد احتمالات؛ يليهم غير المبالين، بنسبة 12%؛ ثم (المرتابون) بنسبة 11%؛ وأخيرا، (الرافضون) الذين يرون في ما يثار حول تغير المناخ خدعة، ونسبتهم 7%، وهم الأعلى صوتا، ويجسدهم زعيقهم كما لو كانوا ينفردون بالساحة، ويعطيهم حجما أكبر من حقيقتهم؛ ولا أمل في أن يغيروا رأيهم، مهما كان عمق التغطيات الإعلامية لقضية التغير المناخي، إذ تحركهم رغبة كامنة في أن تكون القضية فاسدة.
وأيا كان تأثير التغطية الإخبارية على آراء الأفراد، فثمة حاجة ملحة إلى إمداد الناس بالمعلومات عن قضية مهمة كالتغير المناخي؛ فبالرغم من أن مجتمعات محلية كمجتمعات الجزر المنخفضة، وجنوب الصحراء الكبرى في أفريقيا، تواجه أعظم المخاطر المترتبة على تغير المناخ العالمي، إلاَّ أنها لا تتلقى سوى النذر اليسير من المعلومات عبر وسائل الإعلام. وعلى الجانب الآخر، ينبغي على مجتمعات الأمم الغنية أن تكون أكثر وعيا بأحوال الزراعة والغابات وإمدادات النفط والحبوب والمياه، وهي أحوال مرتبطة بالشأن البيئي، عامة، واستقرار المناخ بصفة خاصة. وأخيرا، فإن التصدي للتغيرات المناخية يتطلب دعم المجتمع كله للإعلام، وأن يتحول كل أفراد المجتمع إلى إعلاميين، يسجلون تأثيرات المناخ المتغير على مجتمعاتهم، ويروجون للحلول الممكنة، وعلى العلماء أن يلتحموا بساحة الجدل أكثر، وأن تزيد مشاركات المدارس والجامعات وتحرص على أن تدمج الشئون البيئية في برامجها التدريسية، وأن تهتم المؤسسات التعليمية الإعلامية بأن يلتحق خريجوها ببرامج تدريبية متعددة التخصصات، تؤهلهم لمعالجة وشرح المسائل العلمية والبيئية، فلا ينساقون وراء اتجاهات الرأي المختلفة، بغير هدى.
(عن: وورلد ووتش إنستيتيوت)
http://www.worldwatch.org/node/6373