شكسبير عربيا .. من ترجمات مديري العموم إلى محمد عناني

19/07/2016 - 10:57:03

د. محمد فتحي فرج - كاتب مصرى

لا شك أن الشاعر المسرحى الإنجليزى وليم شكسبير (26 أبريل 1564 ـ 23 أبريل 1616) عبقرية أدبية عالمية؛ ولهذا تُرجمت أعماله إلى مختلف لغات العالم ومنها العربية. فإذا رحنا نعدد أعلام الأدباء والشعراء وكبار المثقفين العرب الذين كرسوا الكثير من وقتهم وجهدهم لنقل التراث الشكسبيرى ـ من مسرحيات شعرية وسوناتات ـ فسنذكر الكثير، ثم يُعيينا العناء لحصر الجميع.
ومن الذين أسهموا بجهدهم فى هذا المجال من جيل الرواد تستدعى الذاكرة أسماء: نقولا رزق الله (1870 ـ 1915)، خليل مطران (1872ـ 1949)، محمد فريد أبو حديد (1893 ـ 1967)، د. محمد عوض محمد ( 1895ـ 1979)، ثم الجيل الذى يليه: عباس حافظ (1908ـ 1959)، د. عبد الحميد يونس (1910 ـ 1989)، على أحمد باكثير (1910 ـ 1969)، د. سهير القلماوى (1911ـ 1997)، د. لويس عوض (1915 ـ 1990)، د. عبد القادر القط (1916ـ 2002)، ثم يأتى الجيل التالي: جبرا إراهيم جبرا (1920 ـ 1994)، ود. فاطمة موسى (1927ـ 2007) وحسين أحمد أمين (1932ـ 2014)، ود. محمد عناني أمد الله فى عمره.
حظي شكسبير بعدد وفير من الدراسات باللغة العربية، فقد عرَّف به الأستاذ العقاد من خلال كتابه "التعريف بشكسبير" بخلاف مقالات وفصول أخرى لم يتضمنها هذا الكتاب، كما كتب عنه دراسات مطولة كل من لويس عوض، وشقيقه رمسيس عوض، وفاطمة موسى، ومحمد عنانى، وغالى شكرى، وشفيق مجلى وغيرهم.
واهتمت الدراسات النقدية والأدبية المقارنة بأعمال هذا الرجل ليس فى الأدبين الإنجليزى والعربى فحسب ولكن فى الآداب العالمية الأخرى؛ من ثم فلا عجب أن تكرس الأوساط الثقافية والأدبية والرسمية فى إنجلترا هذا العام كله (2016) للاحتفاء بمرور أربعة قرون على رحيل عملاق المسرح الشعرى الإنجليزى، الذى كان له أبلغ الأثر فى تطور المسرح الشعرى على مستوى العالم، ومنها المسرح الشعرى العربى، كما سنلمح فيما يلى.
وقد رأينا كيف كان الاهتمام به فى مصر، أما الآن وفى مناسبة لا تتكرر كثيرا، وهى مرور أربعة قرون على غياب الرجل، فكان ينبغى أن يحظى هنا فى مصر بمزيد من الاهتمام خاصة بعد أن أصبح العالم كله كأنه قرية واحدة، يتأثر سكانها ويؤثرون فى بعضهم البعض بشكل لم يسبق له مثيل، وهذا التجاهل الأدبى والثقافى المرفوض جعل رئيس تحرير "الهلال" يجأر بالشكوى والاستنكار فى مقولته على غلاف العدد الماضى قائلا: "400 عام على وفاة شكسبير: العالم يحتفل ومصر تغيب"، والتى عبر بها عن هذا الموقف الفكرى البارد تجاه شكسبير وتراثه الإنسانى الخالد؛ مما يجعلنا نثمن الدور الذى قام به محمد عنانى ومازال تجاه شكسبير وتراثه العظيم.
مازالت مسرحيات شكسبير تمثل على مسارح الدنيا شرقا وغربا، أذكر ليلة فنية رائعة حضرتها لفرقة تمثيل جامعية، قَدَّمت فيها عرضا رائعا مؤثرا لمسرحية "تاجر البندقية" على مسرح جامعة هلسنكى فى ليلة من أواخر ديسمبر 1997، وعلى الرغم من أنى لا أعرف اللغة الفنلندية Finnish إلا أننى تابعت المسرحية، بل فهمت إيماءات وإيحاءات الممثلين، واستمتعت بها وبقدرة الممثلين والممثلات على تقمص شخصيات الرواية، وقد ساعدتنى بالقطع سابق معرفتى وقراءتى لهذه المسرحية التى غاص من خلالها شكسبير بعمق فى دهاليز الشخصية اليهودية المُرابية المحبة للمال حبا جما، والمُؤْثِرة له على كل القيم الإنسانية النبيلة مهما كانت، والحريصة على "حياة" ـ كما جاء فى القرآن الكريم ـ وليس على "الحياة" المعرَّفة بالألف واللام!
عناني وإعادة تقديم شكسبير
الدكتور محمد عنانى الآن أستاذ متفرغ للغة الإنجليزية وآدابها، فى كلية الآداب بجامعة القاهرة، أما دوره فى الجامعات الإقليمية ـ ومنها جامعة المنوفية التى أشرف بالانتساب إليها ـ فهو دور جِدُّ مهم، فله فيها تلاميذ درس لهم، وأشرف على رسائلهم فى الماجستير والدكتوراه، أو ناقش البعض الآخر ممن تتلمذ على يد غيره، أو أسهم فى ترقيتهم للدرجات الأعلى، كما أعلم علم اليقين كم ساعد آخرين مُقدِّما لهم بعض أعمالهم، بعد تقديم الملاحظات والتصويبات والتوجيهات السديدة لأعمالهم، ثم مُساعدتهم فى نشرها أيضا.
عنانى من أكثر المتخصصين تضلعا وإيغالا فى اللغة الإنجليزية على الساحة العربية، ومن أكثر الناس جهدا فى تقديم ـ أو بمعنى أصحّ ـ إعادة تقديم شكسبير إلى اللغة العربية، حيث إنه يكاد يقصر جهوده ومشروعه الذى بدأه منذ عام 1964 بترجمة مسرحية "حلم ليلة صيف" على نقل المسرح الشكسبيرى، لاسيما أنه يمتلك ناصية اللغتين العربية والإنجليزية، كما يمتلك موهبة نظم الشعر، وله فيه باللغتين العربية والإنجليزية قصائد كثيرة. وقد قام الرجل بنقل ما يزيد على عشرين عملا من أعمال شكسبير التى بلغت فى بعض الإحصاءات الموثقة 37 عملا.
أسعده كثيرا فوزه بجائزة الدولة التقديرية عام 2002، فقد أحس بثمرة جهوده في الترجمة والتأليف، ومنها كتاب يعتز به "المصطلحات الأدبية الحديثة" (1996)، و"فن الترجمة"، و"فن الكوميديا"، و"النقد التحليلى"، و"معجم المختصرات الإنجليزية" الذي يقع فى أكثر من ألف صفحة، كما وضع كتابا بالإنجليزية بعنوان: Translation Manual.
وحينما سُئل الدكتور عنانى عن أسباب إعادة ترجمة شكسبير على الرغم من أن جامعة الدول العربية بتوصية من الدكتور طه حسين قامت بتكليف لفيف من المثقفين بترجمة معظم مسرحياته، قال: سأقولها بصراحة ـ وربما لأول مرة ـ إن بعض هذه الترجمات ضعيف، ولا يرقى على الإطلاق إلى مستوى الأصل لأسباب عدة، منها: أن عددا من مترجمى شكسبير فى مشروع جامعة الدول العربية لم يكونوا من المتخصصين فى الأدب الإنجليزى، بل كان بعضهم متخصصا فى الأدب الفرنسى مثل مؤنس طه حسين، أو مديرا عاما بوزارة المعارف آنذاك مثل مصطفى حبيب، ومثل هؤلاء يسيئون فهم النص على أبسط المستويات، بل كانوا يقدمون معانى مناقضة للمقصود، وقد أطلق عليهم الدكتور لويس عوض: ترجمة مديرى العموم!!".
ثم يردف قائلا: وكان بعض المترجمين روادا وشعراء كبارا من دون أن يكونوا من أصحاب الأمانة فى نقل النص مثل: الشاعر خليل مطران الذى قبلته جامعة الدول العربية مترجما إجلالا لشاعريته، بيد أن ترجمات مطران ـ على فصاحتها ـ ليست ملتزمة بالنص الإنجليزى؛ لأن مطران كان وقتها مديرا للمسرح القومى المصرى، وكان يريد تقديم هذه النصوص على خشبة المسرح فى صورة موجزة، وهذا من شأنه الحذف والتعديل، وإعادة البناء أحيانا مثلما فعل فى "ماكبث" بصورة مُخلّة!!
وما ذكره عنانى يذكرنا بترجمات كل من مصطفى لطفى المنفلوطى والشاعر حافظ إبراهيم اللذين لم يكونا يجيدان الفرنسية، ولكن المعنى كان يترجم لهما وعليهما الصياغة فى القالب الأدبى الذى يرتضيانه، كما يذكرنا أيضا بترجمات أحمد حسن الزيات عن الأدب الفرنسى المنقول إلى اللغة الإنجليزية، مع خطورة مثل هذه الترجمة من لغة إلى لغة ثم إلى لغة ثالثة. فإذا كانوا يقولون فى المثل الإيطالى: إن المترجم خائن ـ بشكل ما ـ فما بالنا بمن يترجم ترجمة عن ترجمة!!
ثم يضيف عنانى سببا آخر: وقد تطورت اللغة العربية منذ ثلاثينيات القرن العشرين تطورا هائلا، ولم تثبت ـ بفضل الصحافة ـ إلا فى النصف الثانى من القرن العشرين؛ إذ إن اللغة كائن حىّ متطوِّر؛ ونظرا لكل هذا فقد بات من اللازم إعادة الصياغة طبقا للأصل، فما كان يقال بلغة ذلك الزمان لم يعُدْ صالحا الآن، وعلى سبيل المثال، انظر إلى ترجمة خليل مطران: "يقول ماكبث وهو يناجى خيال الخنجر الذى يراه فى وهمه: هذا خنجر متجه القبض نحو يدى أنالنى منك ما تنضم عليه الأنامل". واليوم نقول: دعنى أمسك بك أو دعنى أقبض عليك. كما كان مطران يقول "الخنوْص" ويعنى به "الخِنزير"، ويسمى "المُهرِّج" بهلولا، و"السيد" غطريفا!!
ولأن عناني متخصص فى اللغة الإنجليزية وآدابها فقد كانت مقدماته الطويلة نوعا ما لكل مسرحية من مسرحيات شكسبير التى ترجمها تعتبر دراسة قائمة بذاتها من ناحية، ومن ناحية أخرى فهى أيضا مقدمة مهمة لا غنى عنها لفهم النص، وإلقاء الضوء على مضمون المسرحية ولغتها من الناحيتين الأدبية واللغوية، بل من الناحيتين النقدية والتاريخية أيضا.
لم تعجبه المقدمات التى جاءت مبتسرة ساذجة للمسرحيات التى سبق أن ترجمها هؤلاء القوم، لم تعجبه أو تقنعه؛ ولهذا قال: كانت الترجمات تصدر بمقدمات لا تليق بشكسبير. ثم ينحو باللائمة على الدكتور طه حسين كونه سمح للأستاذ محمد فتحى ـ المذيع الشهير بكروان الإذاعة ـ أن يكتب مقدمة لإحدى هذه المسرحيات، ويصفها عناني بأنها: "مقدمة مُضحِكة مُبكية، وليته ما كتبها، وليتها ما انتسبت إلى مشروع جامعة الدول العربية".
وللدكتور عنانى آراء مهمة حول تأثير شكسبير فى الأدب العربى والإبداع المسرحى بوجه خاص، غير أن المساحة المتاحة تقصر دون إيراد مثل هذه الآراء فى هذا المقال.