شكسبير .. رؤية أوسع وأعمق من تقسيم البشر إلى طيبين وأشرار

19/07/2016 - 10:56:18

الملك لير الملك لير

د. عمرو دوارة - كاتب ومخرج مصري

تناول كثير من النقاد والباحثين المتخصصين أعمال وليام شكسبير (1564 ـ 1616) بالنقد والتحليل على مدى أكثر من أربعة قرون، واحتاروا كثيرا في محاولة توصيف سر عبقريته، وقد فسرها كثير منهم بقدرته الفائقة على استكشاف النفس البشرية وإدراك مكنوناتها وخلجاتها، وبمهارته في التعبير عنها بصور بليغة تهز القلوب، وبلسان شاعري فصيح لا يعرف الحدود، في حين يرى آخرون أن عبقريته تعود إلى سماحته أو سماحة الفنان الواعي الناضج، الذي يرصد ويفهم ويقدر ويفسر ويشرح، ولكنه يرفض أن يدين أو أن يبرئ، كما يرفض أن يلتزم بقضية أو بفكرة محددة لأن رؤياه كانت أوسع وأعمق وأشمل وأدق من أن تقسم البشر إلى طيبين وأشرار، أو أن تفرض على الحياة فكرا محددا أو رأيا قاطعا.
ومن خلال تميزه هذا استطاع وكما أوضح ت. س. إليوت - وهو الناقد الأول في القرن العشرين الذي لم يترك عملا لشكسبير إلا وقام بتحليله - أن شكسبير قد وفق في خلق عوالم موضوعية تعادل معادلة كل الأحاسيس والمشاعر التي يريد أن يعبر عنها ويجعلنا نشعر بها، وذلك بصورة قد تبدو تلقائية أو لا شعورية وفي يسر وسهولة بحيث تخفي تماما كل أثر للجهد أو للصنعة، وبالتالي فقد وفق بكل أعماله في تقديم الحتمية الفنية والتي تعد من الأساسيات المهمة لتقديم حبكات درامية محكمة الصنع.
أوجز بعض النقاد عبقرية شكسبير وأرجعوا تميز أعماله المسرحية إلى تمتعه بثلاث مزايا هي: جمال الصياغة وطلاوة الشعر والتوظيف الدقيق للكلمات والمعاني، وعمق الفكر وسعة الخيال والتصور، والقدرة على رسم الشخصيات الدرامية ببراعة ودقة والتعبير عن مختلف خلجاتها الإنسانية. وجدير بالذكر أنه بالرغم من وجود بعض السمات العامة التي تجمع بين جميع أعماله الأدبية ومسرحياته بصفة خاصة، بحيث إن جميعها تؤكد البصمة الخاصة بمؤلفها إلا أن كلا منها عالم مستقل وحالة متفردة، فلا تتشابه أي واحدة منها مع أخرى.
نجح شكسبير - وبرغم عمره القصير نسبيا واعتزاله الكتابة والعمل بالمسرح قبل وفاته بعامين - في إثراء المكتبة المسرحية العالمية بعدد كبير من المسرحيات، حيث وصل عدد المسرحيات التي حملت اسمه سبعا وثلاثين - طبقا لأرجح الإحصائيات - وهذا إعجاز في حد ذاته خاصة إذا كانت الفترة التي مارس فيها الكتابة المسرحية لا تزيد على عشرين عاما، فهو من مواليد 23 أبريل 1564 بقرية "ستراتفورد" (على نهر إيفون)، ورحل في نفس يوم ميلاده عام 1616، في سن الثانية والخمسين.
وقد اتفق عدد كبير من النقاد والمنظرين على تصنيف إبدعات شكسبير المسرحية إلى ثلاثة أقسام رئيسة تحت مسميات: المسرحيات التاريخية والتراجيدية والكوميدية، حيث ضمت المسرحيات التاريخية: هنري الرابع (جزأين)، هنري السادس (ثلاثة أجزاء)، هنري الثامن، ريتشارد الثاني، ريتشارد الثالث، في حين ضمت المسرحيات التراجيدية مجموعة كبيرة من المسرحيات أشهرها: الملك لير، هاملت، ماكبث، عطيل، يوليوس قيصر، روميو وجوليت، وأخيرا مجموعة المسرحيات الكوميدية التي يندرج تحتها: ترويض النمرة، دقة بدقة، حلم ليلة صيف، خاب سعي العشاق، العبرة بالخواتيم، تاجر البندقية، كما تحب، جعجعة بلا طحن، زوجات وندسور المرحات، الحب مجهود ضائع، حكاية شتاء، الليلة الثانية عشر، كوميديا الأخطاء.
شكسبير بالمسرح المصري
حظي شكسبير بمكانة متميزة - تليق بإبداعاته المسرحية الثرية - منذ بدايات المسرح المصري، ويجب التنويه إلى أن الوعي المصري للمثقفين بوصفهم طليعة الشعب قد استطاع التمييز والفصل بين كراهيته ورفضه ومقاومته للاستعمار الإنجليزي وبين احترامه وتقديره للثقافة الإنجليزية ورموزها الأدبية وفي مقدمتها شكسبير.
وقد اختار الدكتور رمسيس عوض عنوان "شكسبير في مصر" لكتابه المهم الذي تناول من خلال الفرق المسرحية المصرية التي قامت بتقديم نصوص شكسبير خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين، وأوضح بعض مظاهر الاهتمام بأعمال هذا الأديب المبدع، ولعل من أهم المظاهر التي تؤكد تلك المكانة كما توضح مدى الاهتمام بمسرحياته والحفاوة التي قابل بها المسرحيون العرب أعماله وتنافس المترجمين على ترجمة مسرحياته ووجود أكثر من ترجمة للمسرحية الواحدة، وكذلك تنافس الفرق المسرحية على تقديم مسرحياته، حتى أن المسرحية الواحدة قد يعاد تقديمها برؤى مختلفة أكثر من خمس أو عشر مرات، فنجد على سبيل المثال خلال العقود الثلاثة الأولى ثلاث ترجمات لمسرحية "يوليوس قيصر" الأولى لمحمد حمدي والثانية لسامي الجرديني أما الثالثة لم يدون عليها اسم المترجم، وثلاث ترجمات لمسرحية "العاصفة"، لأحمد زكي أبو شادي والثانية لأحمد محمد القاضي، أما الثالثة فترجمها محمد عفت القاضي بعنوان "زوبعة البحر"، وكذلك ثلاث ترجمات لمسرحية "هاملت" بأقلام طانيوس عبده، وسامي الجرديني وخليل مطران. أيضا أكثر من ترجمة لمسرحية "ماكبث" بأقلام محمد عفت، وعبد الملك إبراهيم، وإسكندر جرجس، وأحمد محمد صالح، وخليل مطران، بخلاف مسرحية "روميو وجوليت" التي عربها نجيب حداد تحت عنوان "شهداء الغرام"، و"ترويض الشرسة" التي ترجمها كل من أحمد كامل بكر وإبراهيم رمزي.
ومما يؤكد أيضا على تعلق المسرحيين المصريين خلال العقود الثلاثة الأولى من القرن العشرين بأعمال شكسبير قيام أكثر من أديب بترجمة مسرحية أو أكثر من إبداعاته المسرحية، فترجم خليل مطران "عطيل" و"تاجر البندقية"، وترجم محمد عوض إبراهيم "كما تحب"، وترجم عبد الرحمن فهمي "الملك هنري الثامن"، وقام سامي الجرديني بترجمة "الملك هنري الخامس"، وترجم حسن أبو حامد "كوميديا الأخطاء"، كما ترجم محمد لطفي ثابت "بيركليس".
وقد استمر هذا الاهتمام بأعمال هذا المبدع الكبير خلال العقود التالية ولم يفتر حماس المترجمين بل تباروا في تقديم أعماله حتى أن المكتبة العربية أصبحت تزخر بكثير من المترجمات الرائعة لإبداعاته، ولدرجة أننا قد نجد خمس ترجمات مختلفة بالعربية للمسرحية الواحدة.
عروض شكسبير بالفرق المصرية
بدأت الفرق المصرية تقديم نصوص شكسبير في فترة مبكرة وبالتحديد خلال العقد الأخير من القرن التاسع عشر، وبالتالي يمكن اعتبارها مواكبة لبدايات المسرح المصري الذي بدأ بعروض "يعقوب صنوع" خلال الفترة (1870 - 1872)، ووصول فرقة "سليم نقاش" من لبنان (1976)، وفيما يلي بيان تفصيلي لتقديم بعض المسرحيات الشكسبيرية من خلال الفرق المسرحية المختلفة:
عطيل (أوتللو القائد المغربي حيل الرجال): إسكندر فرح (1891)، سليمان قرداحي - التمثيل العربي (1893)، ميخائيل جرجس - السرور (1893)، سليم عطا الله - التمثيل العصري (1896)، المنتخب - قرداحي وحداد (1899)، سلامة حجازي (1909)، شركة التمثيل العربي (1909)، إبراهيم حجازي - شبان مصر (1910)، جورج أبيض (1912)، حسين محرم - الابتهاج الأدبي (1912)، رمسيس (1925)، القومية (1939)، المصرية لتمثيل والموسيقى (1947)، العالمي (1964)، الطليعة (1988)، الشباب (2001)، الهناجر (2002).
روميو وجوليت (شهداء الغرام شقاء المحبين): إسكندر فرح (1891)، سليمان الحداد (1893)، سليمان القرداحي (1893)، ميخائيل جرجس - جوق السرور (1894)، الإسكندراني العربي (1895)، سليم عطا الله - التمثيل الأدبي (1896)، بولس قرداحي (1896)، إبراهيم الإسكندراني - الترقي الأدبي (1903)، سلامة حجازي (1905)، التمثيل العربي (1910)، أولاد عكاشة (1911)، أحمد الشامي (1913)، منيرة المهدية (1916)، عطية محمود (1920)، أوبرا ملك (1945)، الشباب (1985)، القومي (2008)، الشباب (2015).
هاملت: سليمان قرداحي (1893)، إسكندر فرح (1901)، سلامة حجازي (1905)، إبراهيم الإسكندراني - الترقي الأدبي (1907)، عوض فريد - الاتحاد الوطني (1907)، التمثيل العربي (1910)، أحمد الشامي - الاتحاد الوطني (1910)، أولاد عكاشة (1911)، جورج أبيض (1917)، منيرة المهدية (1916)، رمسيس (1936)، فاطمة رشدي (1929)، العالمي (1964)، استديو 80 (1976)، الهناجر (1994)، القومي (1997)، القومي (2001)، القومي (2003)، الطليعة (2011).
تاجر البندقية (الصراف المنتقم): سليمان قرداحي (1895)، مسرح الفن (2007).
الملك لير: جورج أبيض (1912)، القومية (1935)، الطليعة (1991)، الغد (1996)، القومي (2002).
يوليوس قيصر: جورج أبيض (1912)، رمسيس (1927)، فاطمة رشدي (1928)، الطليعة (2000)، الشباب (2009).
ماكبث: جورج أبيض (1917)، القومي (1962)، القومي (1991)، الشباب (1993)، الغد (2000)، الغد (2009).
ترويض النمرة: جورج أبيض (1917)، العالمي (1965).
أنطونيو وكليوباترة: رمسيس (1925)، القومي (1977).
تاجر البندقية: رمسيس (1928)، القومية (1936)، القومي (1963)، مسرح الفن (2007).
العاصفة: فاطمة رشدي (1928).
ترويض النمرة: جورج أبيض (1931)، العالمي (1965).
حلم ليلة صيف (الحب كده): الكوميدي (1983)، الكوميدي (2000)، الحديث (2015).
زوجات مرحات: الطليعة (1981).
زي ما تحب: الشباب (1984).
ويتضح مما سبق أن أكثر مسرحيات "شكسبير" تقديما بالمسرح المصري هي: هاملت (19)، روميو وجولييت (18)، عطيل (17)، وأن أكثر الفرق التي قدمت إبداعات شكسبير هي فرقة "المسرح القومي" ويليها فرقة "جورج أبيض".
وقد جمع أغلب هذه العروض بصفة عامة بين النجاح الجماهيري والنجاح الأدبي، فحظيت هذه العروض بشهادات عدد كبير من النقاد المتخصصين، وما أحوجنا اليوم إلى الحرص على تقديم بعض تلك الروائع بكل مواسمنا المسرحية، للحفاوة بالنماذج المضيئة من تراثنا الإنساني الذي تحدى الزمن بقدرته على التعبير عن جوهر الإنسان وتحقيق التواصل معه بكل زمان ومكان.