الأوراد

19/07/2016 - 10:53:26

الأخضر بركة - شاعر جزائري

ورد اليوم الأول
1 -
ليس لي جهةٌ تشرئبّ إليها عُنُقْ
لحظةَ اليأسِ من جسدٍ خيّبته الجهات
ليس لي غيمةٌ تتسكّع في الأزرقِ الضحلِ،
أو فكرةٌ تجلس القرفصاءَ على كومةٍ من ورقْ
2-
كلّما ثقلتْ بالمفاتيح أحزمةٌ،
صدأُ القُفْلِ في البابِ يسألُ ما الفائدة؟
كلّما شاب شعرُ المخّيّلةِ،
انسلخَ النصُّ من جلدِ أحلامه الزائدة
3-
تستمرّ الحياة
على عجلٍ في التدحرجِ فوق الرصيف
دكاكين سلعتها واحدة
تستمرّ الحياة
على مهلٍ في التبوّل بين جدارين فوقهما
كتبَ العابرون شتائمهم ومضوا،
تستمرّ الحياة
هلاميّةً
في التسوّلِ بين نهارين، بينهما
عظمةٌ سقطتْ من فم المائدة.
***
ورد اليوم الثاني
لا نوافذَ في حائطٍ من ضجرْ
لا هواءَ لمن رئتاه تعبّأتا بالحجرْ
لا خريفَ لمن روحهُ ليس فيها وضوحُ الشجرْ
لا رؤىً في سماءٍ مُسيّجةٍ بغباء النظرْ
لا تراب لموتى يبيعون من تحت أقدامنا حقّنا في التراب
لا طريق لمن يُثقلون مراكبهم في الطريق بأمتعةٍ من خراب
لا شموس لمن يعشقون عبوديّة الظلِّ،
لا غيْمةٌ في الِجرَاب تُربّى
كجرو النبوءة، ثمّ تبشّركمْ بنباح المطرْ.
***
ورد اليوم الثالث
أرى حُلماً
ينهض الآن من نومه، يحمل الحُلْمَ بين يديه.
أرى حُلما،
تتصدّق نافذةٌ في الصباح ببعض الهواءِ على رئتيهِ.
أرى حُلما
يتناول معطفه
ثمّ يخرج يمشي على حذرٍ في الزحام.
***
أرى حلما
عائدا من بعيد إلى بيته
يقطر الدمُ من جسمه
بعدما طعنتهُ بسكّينةٍ
فكرةُ اليقظة.
***
وردٌ لأمّي
أُشاهد أمّي مُطأطِأةً
تفتل الكُسْكُسَ الرَّطْبَ تحت سماء يديها
تُدَوِّرُه حبّةً حبّةً،
ثمّ تجمعه في الإناء المُثقّبِ كي يستوي بالبخار
أشاهد ضوءَ النّهار
يطلّ عليها من البابِ،
يفضح ملح ابتسامتها،
وهي تسألني: كيف حالُ الصِّغار
أشاهدني
أسرق الآن منها طريقتها
في كتابة نصٍّ على رُكبتي
قُرْبَ موقدِ نار.
***
أشاهدني من جديد
بصابونة الصمتِ أغسل ثوب الكلام
أعلّقه فوق حبل الكتابة، ينشفُ،
لكنّ ريح القراءةِ تخطُفُه
في اتجاه البعيد.
***
وردٌ لساعي البريد
سأسأل ساعي البريد
لِمَ لستَ تجيء كما كنتَ فيما مضى
برسائل يختلط العِطْرُ بالحبرِ فيها مِنِ امْرأَةٍ عاشقة
...
سأسأل هذا الغمام
لِمَ لست كما كنت فيما مضى
تتجمّعُ أبيضَ فوق الحقول
تواعدها بصبابات أمطاركَ الصادقة
...
سأسألُ ضوء النّهار
لمَ لستُ أرى فيك تلكَ الفراشةِ
تأتي وتذهب، تنقل روح البساتين
نحو منازلنا الخانقة
***
أسألُ الأرضَ، يا أرضُ! مالكِ
لست أراكِ كما كنتِ تكترثين
لسيّدةِ النّمْلِ، تحمل عبءَ الحياة
على ظهرها واثقة
...
سأسأل في الماءِ نجم السماء
لماذا أرى لمعانك ليس كما كان،
يكشف في القاع عمّا توارى
من الصور الغارقة
...
سأسأل طيرَ السنونو
أما عاد سقفي يليق بكَ كي تبتني العشّ فيه ضحى
أإلى ذلك الحدِّ أصبح بيتي
يخيفكَ فيه الفراغُ،
وكوابيسهُ العالقة..؟
...
سأسأل قارئة الحظِّ، ماذا به الحظُّ..؟
لمّا يعدْ..
يتلألأ في بطن كفّيَ منذ اقترفتُ الكتابةَ،
منذ تعلّق آدمُ قلبي بتفّاحةٍ شاهقة.
وِرْد الإثنين


على شاطئِ البحر شخصانِ يحتسيان
معا قهوةً، ينظران إلى أزرق مُغلقٍ
بين أعلى وأسفلَ لا يقولان شيئاً
لبعضهما يسمعان معًا موجةً موجتين،
يَرَيَانِ معًا نورسًا نوْرَسَيْن،
وقد يلمسان معا حجراً حجرَيْنِ.
***
على شاطئِ البحرِ شخصان يقتسمان
سجائرَ من عُلْبة العدَمِ الأبيضِ اللّمسِ،
يقتسمان فطائر كيسِهما، يرميان
بما قد تبّقى إلى سمكٍ داخلَ الماءِ مُحتملٍ.
***
على شاطئ البحر شخصان يبتعدان
إلى أن يصيرا مجرّد وهْم،
ويقتربانِ
إلى أن يصيرا مجرّدَ وهْم
***
على شاطئ البحرِ شَخْصَانِ يفْترقان
ولكنّما الكامِيرا لا ترى
من بعيدٍ سوى شبحٍ واحدٍ
قد يكونُ أنا..
أو يكون أنا آخرا.
***
وِردٌ لسيّارة امرئِ القيس
وقد أغتدي
برباعيّة الدفعِ والطيرُ في وكناتها،
ويدي تشدّ على جموحِ المِقْوَدِ
مكرٍّ، مفرٍّ كصخرة سيزيفَ
من جبل الأمس تسقط في طُرقات الغدِ
لها شهقةُ الخيلِ، صوتُ الرياح
وتنهيدةُ الروح في معبدِ
غير مكترثٍ بكمائن أمنيّةٍ
غير مكترثٍ بالجبال
تحدّق في شبحي عابرا
مثل تشطيبة فوق لوح الخيال
يئزّ المحرّكُ مشتعلا بوَقُودَيْنِ: مازُوتُهُ
وصقور الهواجس تعلو
وتهبط بالروح في الجسدِ
يئزّ المحرّك، لكنّ ثِقلَ اللّيالي
يلاحقني مثل موجٍ ليصفعني
على شاطئ الضجَرِ الأسودِ.