« ميم » للماركيز دي ساد

19/07/2016 - 10:47:36

ترجمة: سامية شرف الدين - كاتبة ومترجمة تونسية

حدثت في باريس، خلال فترة الوصاية على العرش، مغامرة شديدة الغرابة حتى إنها لا تزال تحكى بانتباه في أيامنا، إذ تعرض من جهة فجورا سريا لا يوضحه شيء جيدا، ومن جهة أخرى ثلاث جرائم قتل مرعبة لم يكتشف فاعلها. أما التخمين قبل عرض الكارثة المهيأة من طرف من استحقها فهو أقل رعبا.
يدعي بعضهم أن السيد "دي سافاري" وهو عجوز أعزب كسيح، لكنه ظريف وحلو المعشر ويجمع في مسكنه في شارع "دي ديجونور" أفضل رفقة ممكنة، استنبط فكرة أن يجعل من بيته مقرا لدعارة من نوع شديد الخصوصية. فالنساء والفتيات اللاتي ينتمين حصريا للطبقة الراقية، ويرغبن بالتمتع في ظل سرية تامة ودون عواقب بملذات المجون، يجدن في بيته عددا من الشركاء المستعدين لإشباع رغباتهن دون مشكلات جراء هذه المغامرات الغرامية الآنية التي لم تكن تجني منها المرأة إلا الزهور، دون أن تتعرض لخطر الأشواك التي ترافق عادة مثل هذه الترتيبات حين تشيع العلاقة الحميمة بشكل منظّم.
تلتقي المرأة أو الآنسة في اليوم التالي بالرجل الذي كانت لها معه علاقة في الليلة السابقة دون أن يبدو عليها في المجتمع أنها تعرفه، ودون أن يميزها هذا الأخير من بين النساء الأخريات، فلا تكون هناك أدنى غيرة في العلاقات الأسرية، فلا يتحرج الآباء ولا يقع انفصال زوجي ولا إجبار للدخول في الدير، وباختصار لا توجد تبعات وخيمة كالتي تسببها مثل هذه الأفعال. كان من الصعب إيجاد شيء أكثر ملاءمة، وبأيامنا هذه دون شك قد يكون طرح مثل هذه الخطة خطيرا؛ إذ يخشى قطعا أن مشروعه يستثير فكرة ربطه فعليا بقرن بلغ فيه الفجور بين الجنسين كل حدّ معلوم، لو لم نضع مسبقا هذه المغامرة المهلكة والتي صارت عقابا لمن اخترعها في زمانها.
السيد دي سافاري، واضع ومنفذ هذا المشروع الحصري والذي كان عنده خادم واحد وطباخة لكي لا يضاعف الشهود على المجون في منزله، استقبل ذات صباح في بيته رجلا من معارفه جاء للغداء معه. قال السيد دي سافاري:
– طبعا بكل سرور، ولأثبت لك المتعة التي تمنحني إياها سآمر أن يقدم لك أفضل خمر في قبو منزلي.
قال الصديق حالما تلقى الخادم الأمر:
- لحظة، أريد أن أرى إن كان هذا الغبي يخدعنا. فأنا أعرف براميل الخمر، وأريد أن أتبعه وأراقب إن كان سيختار حقا الأفضل.
قال صاحب البيت الذي وجد المزحة طريفة:
- طيب، طيب. كنت سأرافقك بنفسي إلى هناك لولا حالتي البائسة. سيسعدني أن تكتشف إن كان هذا الوغد يضلّلنا.
خرج الصديق ودخل القبو، أمسك بعتلة وصرع الخادم، إثر ذلك صعد فورا إلى المطبخ وأجهز على الطباخة، وقتل حتى الكلب والقط اللذين وجدهما في طريقه، ثم عاد إلى غرفة السيد دي سافاري العاجز بسبب حالته الصحية عن الدفاع عن نفسه، فتركه يسحقه كما فعل بخدمه، بعدها شرح هذه المجزرة القاسية على صفحة بيضاء في كتاب وجده على الطاولة. كتب الطريقة التي اتبعها في جريمته بالتفصيل، وبهدوء دون أن يرتبك أو يشعر بأي ندم على فعلته، ثم خرج من المنزل دون أن يلمس أو يأخذ شيئا، وأغلق الباب واختفى.
ولأنه كان يؤم منزل السيد دي سافاري خلقٌ كثير، فقد اكتشفت هذه المجزرة الفظيعة فورا. طُرق الباب وعندما لم يجب أحد على الرغم من أن سيد البيت طبعا لن يكون في الخارج، تم خلع الأبواب وشوهدت الحالة المفزعة لمنزل الرجل سيء الحظ.
وضع المجرم عديم الإحساس، وغير الراغب في نقل تفاصيل فعلته للناس، رأس الميت على ساعة حائطية يُزيِّنُها شعار "انظر إليها لتنظم حياتك"، وضع كما قلت على هذه الحكمة، ورقة مكتوبة حيث يمكن أن نَقْرأ "انظروا لحياته ولن تندهشوا لنهايته".
لم تتأخر هذه المغامرة في إثارة صخب كبير فتمّ البحث في كل مكان، وكان الدليل الوحيد الذي عثر عليه ويرتبط بذلك المشهد الفظيع هو رسالة امرأة غير موقعة وموجّهة للسيد دي سافاري والتي تحمل الكلمات التالية "قضي علينا. علم زوجي بكل شيء. فكّر في حل. لن يهدئ روعه إلا "بابارال". اجعله يكلمه فمن دون ذلك لا نرجو مطلقا منه أيّ عفو".
توصَّل المحققون إلى رجل يدعى "بابارال"، وكان أمين صندوق نفقات الحروب، وهو رجل لطيف وصحبته ممتعة، فاعترف بأنه يقابل السيد "دي سافاري" لكنه كان الأقل ترددا عليه من بين أكثر من مئة شخص من البلاط ومن المدينة ممن كانوا يزورونه في بيته، وعلى رأسهم يمكن وضع الدوق "دي فوندوم".
تم القبض على كثير من الأشخاص، وأطلق سراحهم على الفور تقريبا. جمِّع في النهاية ما يكفي من الأدلة للاقتناع بأن تلك القضية متشعبة جدا، وأنها قد تُشوِّه شرف آباء وأزواج نصف سكان العاصمة، كما ستجعل عددا غير محدود من أصحاب الطبقة النبيلة موضع سخرية، وللمرة الأولى حلَّت الحيطة محل الصرامة في رؤوس القضاة.
أغْلِق ملف القضية إذ لم يظهر مطالب واحد بالانتقام لمقتل هذا المسكين؛ لقد رأوه مذنبا بما يكفي من دون شك، فلم يلق تعاطفا من الشرفاء. لكن لو لم تثر هذه الخسارة الشرف فعلينا أن نصدق أن الإثم ظلّ يجترّ الألم لزمن طويل، فبغض النظر عن العصابة المرحة التي قطفت كثيرا من الحب عند ذاك الابن اللطيف لأبقراط (1) فراهبات فينوس الجميلات اللاتي كن يأتين يوميا لحرق البخور على مذبح الحب بكين طويلا تهدّم معبدهن.
ولأن كل شيء خاضع للدرس فقد يقول فيلسوف حين يقرأ هذا النص: لو كان هناك خمسمائة سعداء وخمسمائة آخرين حزانى من بين ألف شخص ربما تكون قد مستهم هذه الحادثة ، ستصبح هذه القضية غير مهمة، لكن لو أن المعادلة للأسف تكون: ثمانمائة شخص تعيس لحرمانهم من متع ظرفية بسبب هذه الكارثة مقابل مائتين فقط ربحوا حفظ شرفهم بفضلها، فالسيد دي سافاري كان يفعل الخير أكثر من فعله للشر، ولهذا فالمذنب الوحيد هو ذاك الذي قتله بسبب غيرة شخصية.
اترك لكم الحكم في الأمر، وأمرّ سريعا لموضوع آخر.
ــــــــــــ
(*) ينبني علم الأخلاق عند إبقراط على مبدأ "اللذة هي جوهر وغاية الحياة السعيدة".
الماركيز دي ساد: روائي فرنسي (1740 ـ 1814) تميزت نصوصه الأدبية بالتعمق في قضايا وتخيلات وهلاوس دفينة مثيرة للجدل، وأحيانا للاستهجان، لتعمقها في أغوار النفس البشرية بطابعها الفلسفي. ومن أعماله السردية "حواديث وحكايات وخريْفات" وهي نصوص كتبت بين عامي 1787 و1788 بعد كتابيه الأكثر شهرة "120 يوما في سدوم: و"جوستين".